أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود السلمان - هؤلاء علموني: خزعل الماجدي(23)















المزيد.....

هؤلاء علموني: خزعل الماجدي(23)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 08:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هناك كتب لا تمنحك معلومات جديدة فحسب، بل تعيد ترتيب علاقتك بنفسك وبالعالم من حولك. وهناك مفكرون لا يكتفون بتقديم إجابات جاهزة، وإنما يفتحون أمامك أبواب الأسئلة التي ربما خشيت الاقتراب منها طويلًا. بالنسبة إليّ، كان خزعل الماجدي واحدًا من هؤلاء الذين عززوا ثقتي بنفسي، لا لأنه منحني حقائق نهائية أستند إليها، بل لأنه شجعني على التفكير بحرية، والنظر إلى الموروث الديني والتاريخي بعين الباحث، لا بعين المذعور من السؤال.

لقد أدركت، من خلال قراءاتي لبعض أعماله، ومشاهداتي لبعض محاضراته، ولقاءاته المتلفزة، أن البحث في الأديان لا يعني بالضرورة الدخول في معركة مع الإيمان، وأن محاولة فهم المقدس لا تستلزم الاستخفاف بمشاعر المؤمنين. فثمة فرق كبير بين أن نرفض شيئًا لأننا لم نعتد عليه، وبين أن ندرسه لنفهم كيف نشأ، وكيف تطور، ولماذا استطاع أن يستقر في وجدان الإنسان آلاف السنين.

ما يلفت الانتباه في مشروع خزعل الماجدي الفكري هو محاولته قراءة الأديان ضمن سياقاتها التاريخية والحضارية، وتتبع جذورها في المعتقدات القديمة والرموز والأساطير والطقوس. فالدين، من هذه الزاوية، ليس مجرد مجموعة من النصوص والأحكام، بل ظاهرة إنسانية معقدة تداخلت في تشكيلها أسئلة الوجود والخوف من الموت، والحاجة إلى تفسير الكون، والرغبة في العثور على معنى للحياة.

لقد وقف الإنسان القديم أمام السماء المليئة بالنجوم، وأمام العواصف والفيضانات والمرض والموت، عاجزًا عن تفسير كثير مما يحدث حوله. فنسج الحكايات، وصنع الرموز، وتصور قوى تتجاوز قدرته، ثم تطورت هذه التصورات داخل المجتمعات، واكتسبت أشكالًا أكثر تنظيمًا من خلال الطقوس والمؤسسات والكهنوت والنصوص المقدسة. لكن فهم هذه المسارات لا يعني اختزال جميع الأديان في تفسير واحد، ولا يثبت وحده صحة المعتقدات الدينية أو بطلانها، بل يضعها أمام سؤال تاريخي مشروع: كيف تشكلت التصورات الدينية، وما الظروف التي أسهمت في انتشارها وتحولها عبر العصور؟.

ومن أعمق الأسئلة التي يثيرها البحث في تاريخ الأديان مفهوم الألوهية نفسه. ما الذي يجعل الإنسان يتصور إلهًا؟ وكيف انتقلت الجماعات البشرية من تقديس قوى الطبيعة إلى تصورات أكثر تجريدًا عن الخلق والوجود والمصير؟ إن مفهوم الإله لم يظهر في تاريخ البشرية بصورة واحدة ثابتة، بل عرف تحولات واسعة، وتعددت صوره ووظائفه من حضارة إلى أخرى. ففي بلاد الرافدين، ارتبطت الآلهة بالسماء والماء والخصب والحرب والمدينة والنظام الكوني، وكان لكل إله حضوره في الحياة السياسية والاجتماعية والدينية.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة الألوهية بوصفها مفهومًا تطور داخل التجربة الإنسانية، مع الانتباه إلى أن تفسير نشأة التصورات عن الإله تاريخيًا لا يحسم بمفرده السؤال الفلسفي حول وجوده. فالبحث العلمي يدرس ما يمكن تتبعه من نصوص وآثار وممارسات، بينما تظل الأسئلة الميتافيزيقية مجالًا أوسع للنقاش والتأمل.

وتقدم حضارة بلاد الرافدين أمثلة لافتة على التداخل بين التاريخ والأسطورة والسلطة والدين. فقد أحاطت النصوص القديمة بعض الملوك بشخصيات استثنائية، وربطت حكمهم بالآلهة، ومنحتهم صفات تتجاوز المألوف البشري. كما عرفت التقاليد الرافدينية قوائم للملوك تجمع بين شخصيات أسطورية وأخرى تاريخية، وتمنح بعض العصور القديمة مددًا للحكم لا يمكن التعامل معها بوصفها تواريخ حرفية.

وفي هذا السياق، يصبح السؤال عن تحول الشخصيات الملكية إلى شخصيات مقدسة أو نبوية في بعض التقاليد اللاحقة سؤالًا يستحق البحث، لكنه يحتاج إلى التمييز بين التشابه في الحكايات وبين إثبات الاقتباس أو الانتقال التاريخي المباشر. فالتشابه وحده لا يكفي للقول إن ملكًا سومريًا بعينه أصبح نبيًا، بل لا بد من دراسة المصادر وتسلسلها الزمني وطبيعة العلاقة بينها. وما تكشفه هذه المقارنات هو أن المجتمعات القديمة لم تفصل دائمًا بين السلطة السياسية والشرعية الدينية؛ فقد استعان الملوك بالمقدس لتثبيت حكمهم، واستمدت المؤسسات الدينية نفوذها من علاقتها بالسلطة، فتداخلت الرواية الدينية مع الذاكرة الجمعية وصورة الحاكم المثالي.

أما الأسطورة، فليست مجرد كذبة قديمة كما يظن البعض، بل حكاية رمزية حاول الإنسان من خلالها تفسير العالم، وتحديد موقعه فيه، والتعبير عن مخاوفه وآماله. وقد حملت الأساطير معاني أخلاقية وكونية واجتماعية، وأسهمت في ترسيخ هوية الجماعة وشرح أصل طقوسها وعاداتها. لكن الأسطورة قد تتحول إلى شيء آخر عندما تتوقف الجماعة عن التعامل معها بوصفها رواية رمزية قابلة للتأويل، وتمنحها سلطة مطلقة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد. عندئذ يصبح السؤال تهديدًا، والتأويل خروجًا عن المألوف، والشك علامة على الخطر بدلًا من أن يكون وسيلة للوصول إلى المعرفة.

وهنا تبدأ عملية تقديس الموروث، حين تتضافر الذاكرة الجماعية والسلطة والمؤسسات والتكرار الاجتماعي في تحويل روايات معينة إلى حقائق غير قابلة للمراجعة. ومع مرور الزمن، قد ينسى الناس الظروف التي نشأت فيها تلك الروايات، ويصبح الدفاع عنها جزءًا من الدفاع عن الهوية والانتماء. ومع ذلك، ليس كل ما هو مقدس خرافة، ولا كل أسطورة اعتقادًا حرفيًا، كما أن وجود جذور أسطورية في بعض التقاليد لا يكفي للحكم على الدين كله. إن التمييز بين الرمز والحقيقة التاريخية، وبين الإيمان والتفسير العلمي، هو ما يجعل البحث أكثر إنصافًا ودقة.

وبالتالي، منحني الاطلاع على أفكار خزعل الماجدي شعورًا بأن الثقة بالنفس تبدأ حين يتحرر العقل من الخوف من المعرفة. لم أعد أرى السؤال جريمة، ولا الاختلاف تهديدًا، ولا البحث في الموروث إهانة له. بل صرت أؤمن بأن الأفكار التي تستحق البقاء هي تلك التي نستطيع مناقشتها وفحصها، لا تلك التي نفرض الصمت لحمايتها.

إن قيمة خزعل الماجدي بالنسبة إليّ تكمن في أنه يدفع القارئ إلى النظر خلف الستار، حيث تتشابك الأسطورة بالتاريخ، والسلطة بالمقدس، والأسئلة الإنسانية الكبرى بمحاولات الإجابة عنها. فالمعرفة لا تطلب منا أن نؤمن بكل شيء أو نرفض كل شيء؛ إنها تطلب منا أن نفكر، وأن نميز بين الدليل والتأويل، وأن نمتلك الشجاعة الكافية لنقول: لا أعرف، لكنني أريد أن أفهم.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هؤلاء علموني: كمال الحيدري(22)
- هؤلاء علموني: السيد القمني(21)
- هؤلاء علوني: الرصافي(20)
- هؤلاء علموني: كارل ماركس(19)
- حصر الدين بيد الله !
- هؤلاء علموني: بوذا(18)
- الله والأديان
- هؤلاء علموني: تولستوي(17)
- هؤلاء علموني: الدكتور قيس هادي(16)
- هؤلاء علموني: غاندي(15)
- هؤلاء علموني: كافكا(14)
- هؤلاء علموني: كولن ولسون(12)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(11)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(10)
- هؤلاء علموني: أريك فروم(9)
- هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)
- هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)
- هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)
- هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)
- هؤلاء علموني: علي الوردي(4)


المزيد.....




- بين العلمانية والحرية.. ماذا قالت الصحافة الأذربيجانية عن أز ...
- إدانات عربية وإسلامية لافتتاح سفارة كولومبيا في القدس
- السيسي يكشف موقفه من تعديل الدستور وتسلم الإخوان الحكم بعد 2 ...
- تشخيص بالسرطان.. ما مستقبل البابا ليو الـ 14 والفاتيكان؟
- الشهيد عبدالله عبدالمجيد السلفي.. سيرة مناضل في قلب التحولات ...
- الجيش الإيراني يتحدث عن هدف تسعى إليه أمريكا في حربها على ال ...
- الاحتلال يقتحم مقر الهلال الأحمر ومستشفى الشهيد ياسر عرفات ف ...
- الاحتلال يقتحم مقر الهلال الأحمر ومستشفى الشهيد ياسر عرفات ف ...
- رئيس الجزائر: نتمنى لبابا الفاتيكان مواصلة مسيرته في تعزيز ا ...
- تصاعد قياسي في استهداف المساجد.. 23 محاولة إحراق إسرائيلية م ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود السلمان - هؤلاء علموني: خزعل الماجدي(23)