نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث
(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)
الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 22:14
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
ليست أخطر أزمات المجتمعات أن تتراجع فيها المعرفة، بل أن تتحول بعض المؤسسات التي يفترض أن ترعى الوعي وتدافع عن الحقيقة إلى سلطات تخشى السؤال، وتضيق بالاختلاف، وتنظر إلى الفكر الجديد بوصفه تهديداً لمكانتها. وحين تنفصل القداسة عن المسؤولية الأخلاقية، ويتحول الموقع الديني من تكليف إنساني إلى امتياز اجتماعي، يجد العقل نفسه غريباً في بيئته، ويصبح الاجتهاد مخاطرة، والنقد تهمة، والاختلاف خروجاً على الجماعة.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة ما أورده الشيخ طالب السنجري، القيادي في حزب الدعوة الإسلامي، في مذكراته المعنونة (شيء من ذكرياتي.. من الشطرة إلى أمريكا نقشٌ على ضريح العاطفة)، الصفحة 62، تحت عنوان (فقهاء عصر الظلمات). وهي شهادة تفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة العلاقة بين المرجعية الدينية والسلطة الاجتماعية، وبين المعرفة الفقهية وأسئلة الإنسان وحقوقه وحرياته.
وُلد طالب السنجري عام 1950 في قضاء الشطرة، ودرس في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ثم غادر العراق في ظل المضايقات التي تعرضت لها تنظيمات حزب الدعوة الإسلامي، قبل أن يعود عام 2008، وفق المعلومات المتاحة عن سيرته. ومن موقع تجربته ومعرفته ببيئة النجف، يقدم في مذكراته نقداً لممارسات بعض رجال الدين، يستحق التأمل والنقاش، من دون أن يتحول إلى حكم شامل على المؤسسة الدينية أو جميع المنتمين إليها.
يصف السنجري، في مذكراته، ما يراه تناقضاً بين سلوك بعض المراجع وما يعلنونه من مواقف، ويتحدث عن امتيازات معيشية تمنح للأبناء، في مقابل بقاء الآخرين في مواقع التبعية والانتظار. ثم ينتقل إلى نقد ما يراه انحصاراً في بعض المباحث الفقهية التقليدية، مقابل ضعف الاهتمام بقضايا أوسع تتصل بحقوق الإنسان، والملكية، والعقود، والبيع، وحرية الفرد، وحدود سلطة رجل الدين.
ويعبّر عن هذه الرؤية بوضوح في المقطع الآتي: بعض هؤلاء المراجع الذين يفعلون في الليل شيئاً، ويتكلمون في النهار شيئاً آخر، تجده ما إن بلغ ولده مبلغ الرجال حتى زوجه، وبنى له بيتاً. وخصص له معاشاً مختلفاً عنا. فإذا ما صار ابنه مرجعاً، لا تجد عنده إلا أحكام الطهارة والنجاسة. فكل مرجعيته، وإثبات أعلميته، لم تتحقق إلا بالبحث في بسائط الأحكام، من قبيل الدماء الثلاثة، ومنزوحات البئر، وما شابه).
ثم يضيف: (أما أحكام العقود، والبيع، وحقوق الإنسان، ونظريات حق الفرد، وأبعاد حق الملكية، وحرية الإنسان، وسلطة رجل الدين على الفرد وأبعادها، كل هذه أمور لا ينظر فيها، فهي أبعد من قدراتهم العقلية، ويتركونها للتنظير غير الديني، وإذا ما تم سؤالهم عنها فيردونها ويكفرون حامليها).
إن حدة هذه العبارات تعكس طبيعة النقد الذي يوجهه السنجري إلى بعض الممارسات التي خبرها أو عاينها، لكنها تضع أمامنا سؤالاً أعمق من حدود التجربة الشخصية: هل تكفي المعرفة التفصيلية بالأحكام الجزئية لمواجهة أسئلة المجتمع المتغير، أم أن الاجتهاد الحقيقي يقتضي فهماً أوسع للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والفلسفية؟
ليس المقصود التقليل من أهمية الفقه أو أحكام العبادات؛ فلكل علم موضوعه وأدواته، وللفقه الإسلامي تراث واسع ومتعدد المدارس والاجتهادات. إنما تكمن المسألة في ألا تنفصل المعرفة الدينية عن واقع الإنسان، وألا تبقى أسئلة المجتمع الكبرى خارج دائرة البحث والاجتهاد. فالإنسان ليس مجرد مجموعة من الأحكام المتعلقة بصحة العبادة وبطلانها، بل كائن له كرامة وحقوق ومصالح وحريات، ويعيش ضمن علاقات اقتصادية واجتماعية معقدة. ومن ثم، فإن البحث في العدالة وحقوق الملكية وحرية الاعتقاد والتعبير وعلاقة الفرد بالسلطة ليس ترفاً فكرياً ولا خروجاً عن الدين، بل ضرورة لكل مجتمع يسعى إلى تنظيم حياته على أساس الإنصاف والمسؤولية.
تبدأ الإشكالية حين تتحول المعرفة إلى دائرة مغلقة، لا تسمح للأسئلة الجديدة بالدخول إليها، أو حين يستعاض عن مناقشة الفكرة باتهام صاحبها. فبدلاً من تفنيد الرأي بالحجة والبرهان، يدفع صاحبه إلى موقع الاتهام، وقد يشكك في انتمائه المذهبي أو الديني. وهنا لا تعود المشكلة في اختلاف الاجتهادات، وهو أمر عرفه تاريخ الفكر الديني، بل في تحويل الاختلاف إلى وسيلة للإقصاء ومصادرة حق الإنسان في التفكير.
ويستحضر السنجري، في هذا السياق، تجربة المفكر الإسلامي السيد محمد باقر الصدر، وما أثاره كتاباه (اقتصادنا) و(فلسفتنا) من نقاشات وردود فعل، مشيراً إلى أن بعض معارضي أفكاره اتهموه بالشيوعية، بحجة أنه عرض أفكارها وناقشها ونقدها.
ويقول السنجري في مذكراته: (وتبقى أنت من مطلع حياتك إلى نهايتها، واقفاً على أبوابهم، فإن شاءوا أعطوك، أو منعوك. وإذا تولّد لديك رأي، أو تشكلت في ذهنك فكرة وكتبتها أو دندنت بها، فأنت لست شيعياً. ليس بعيداً عنا يوم صدر للسيد الصدر كتاباه "اقتصادنا" و"فلسفتنا"، فقد قال هؤلاء عنه إنه شيوعي. فقيل لهم: ما الدليل؟ فقالوا: هو ينشر أفكار الشيوعية بطريقة النقد لها. وكان أحد عاليتهم يسميه السيد "السطل" تهكماً).
تكشف هذه الرواية، كما يقدمها صاحب المذكرات، عن مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن لمجتمع أن يناقش الأفكار الوافدة إذا كان الاطلاع عليها وتحليلها مدعاة للريبة؟ وكيف يمكن للفكر أن يتطور إذا لم يمنح الباحث حق دراسة النظريات المختلفة، ومناقشتها، واستخلاص ما يراه صائباً منها، ونقد ما يراه خاطئاً؟
إن المفكر الذي يناقش نظرية لا يصبح بالضرورة مؤمناً بها، مثلما أن الطبيب الذي يدرس المرض لا يكون مصاباً به، والباحث الذي يفحص فكرة لا يتحول تلقائياً إلى تابع لها. فالمعرفة لا تبنى بالخوف من الأفكار، وإنما بفهمها واختبارها وإخضاعها للنقد.
وقد مثّل اشتغال محمد باقر الصدر على الفلسفة والاقتصاد مثالاً على إمكان اتساع البحث الديني إلى قضايا تتجاوز الأحكام الجزئية، بصرف النظر عن الاتفاق مع جميع نتائجه أو الاختلاف معها. فالحوار الفكري لا يشترط التطابق في الرأي، بل يتطلب الاعتراف بحق الآخر في البحث والاستدلال والنقد.
من الضروري هنا التمييز بين الدين بوصفه منظومة من القيم والإيمان، وبين بعض الممارسات البشرية التي قد تتخذ من الدين غطاءً للامتياز أو احتكار الحقيقة. فرجال الدين، شأنهم شأن سائر البشر، ليسوا فوق النقد، ولا ينبغي أن تتحول مكانتهم الاجتماعية إلى حصانة تمنع مساءلتهم.
فالاحترام الحقيقي للمؤسسة الدينية لا يتحقق بإسكات الأسئلة عنها، بل بقدرتها على مواجهة النقد بالحجة، ومراجعة الأخطاء، والتمييز بين مسؤولية الإرشاد وامتلاك سلطة مطلقة على حياة الناس. كما أن الحديث عن امتيازات الأبناء أو تفاوت الأحوال المعيشية يحتاج، في كل حالة، إلى أدلة وتفاصيل تسمح بالحكم المنصف؛ فلا يصح تحويل نقد بعض الممارسات إلى اتهام شامل لجميع المراجع أو أسرهم.
لكن من حق المجتمع أن يسأل عن الشفافية، ومصادر الأموال، وطبيعة الامتيازات، وحدود النفوذ الاجتماعي، متى كانت هذه المسائل مرتبطة بمصالح الناس أو بمؤسسات تؤثر في حياتهم. فالمكانة الدينية لا تعفي صاحبها من المسؤولية الأخلاقية، كما أن احترام المعتقد لا يعني تعطيل العقل أو التنازل عن حق المساءلة.
أما أخطر ما يطرحه نص السنجري، فهو صورة الإنسان الذي يبقى، بحسب وصفه، واقفاً على أبواب أصحاب النفوذ، ينتظر المنح أو المنع، ويخشى أن يدفع ثمن رأيه إذا عبّر عنه. فالمجتمع الذي يتربى أفراده على انتظار الإذن في التفكير لا يستطيع بناء نهضة معرفية حقيقية، ولا يمكن أن تتأسس فيه مواطنة كاملة إذا ظلت الحقوق مرتبطة برضا صاحب المكانة، لا بالقانون والعدالة والمساواة.
إن عنوان (فقهاء عصر الظلمات)، على حدته، يدعونا إلى مناقشة ظاهرة الانغلاق الفكري حين تظهر، لا إلى إصدار أحكام جماعية على الفقهاء أو اختزال تاريخ النجف العلمي في صورة واحدة. فالنجف مدينة علمية عريقة، شهدت تعدداً في المناهج والاجتهادات، وأنجبت مفكرين ومجتهدين انفتحوا على الفلسفة وقضايا المجتمع، وأسهموا في تشكيل مسارات فكرية مختلفة.
ولهذا، فإن نقد الممارسات المنغلقة لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع الدين أو التراث، كما أن الدفاع عن التراث لا ينبغي أن يصبح ذريعة لتبرير كل ممارسة تصدر باسم الدين. فالمطلوب هو قراءة نقدية تميز بين الإيمان واستغلاله، وبين الاجتهاد والتعصب، وبين احترام المرجعية وتحويلها إلى سلطة لا تسأل ولا تناقش.
إننا لا نحتاج إلى معركة بين الدين والعقل، ولا إلى وضع التراث في مواجهة الحداثة، بل إلى تحرير المعرفة من الخوف، والإنسان من التبعية التي تسلبه حق السؤال. فالإيمان الذي يطمئن إلى حجته لا يخشى الحوار، والعلم الذي يثق بمنهجه لا يضيق بالنقد، والمرجعية التي تستمد احترامها من المعرفة والأخلاق لا تحتاج إلى إسكات المختلفين معها.
وهنا تكمن أهمية مذكرات طالب السنجري؛ فهي تقدم شهادة من داخل التجربة، وتتيح فرصة لفتح نقاش جاد حول العلاقة بين الدين والمعرفة والسلطة والحرية. والمطلوب ليس إدانة مسبقة ولا دفاعاً أعمى، بل قراءة مسؤولة تضع الأفكار في سياقها، وتفحص الممارسات بأدلتها، وتعيد الاعتبار إلى العقل وكرامة الإنسان.
فالظلام الحقيقي ليس في اختلاف الآراء، بل في منعها من الظهور؛ وليس في تعدد الاجتهادات، بل في مصادرة حق الإنسان في السؤال. ولا قداسة تعلو على كرامة الإنسان، ولا معرفة تنمو في مناخ الخوف، ولا نهضة تبنى حين يطلب من العقل أن يصمت.
#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)
Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟