أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبير خالد يحيي - من نصّبهم أوصياء على الفكر والتنوير؟















المزيد.....

من نصّبهم أوصياء على الفكر والتنوير؟


عبير خالد يحيي

الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 10:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في كلّ مرحلة ثقافية، يظهر مَن يوزّعون شهادات الوعي على الآخرين، ويصنّفون العقول وفق المسافة التي تفصلها عن قناعاتهم.
وما يلفت النظر أنّ بعضهم يتعامل مع مغادرة الإيمان، أو اعتناق العلمانية، أو إعلان الإلحاد، وكأنّها معابر تلقائية إلى مرتبة المفكّر والمستنير والمتنوّر؛ فيتحوّل الموقف الاعتقادي من اختيار شخصي وفكري إلى معيار للمفاضلة بين العقول.
هنا يبرز السؤال: هل يكفي أن يشكّ الإنسان في معتقداته، أو يتخلّى عنها، حتى يصبح أكثر قدرة على التفكير؟ وهل تمنح العلمانية أو الإلحاد صاحبَهما امتيازًا معرفيًا لا يحتاج إلى برهان؟ ومن خوّل هؤلاء توزيع ألقاب التنوير، وتصنيف المختلفين معهم في مراتب الوعي والجهل؟
ليست المسألة دفاعًا عن الإيمان في مواجهة الإلحاد، ولا انتصارًا لموقف اعتقادي على آخر، إنّها مساءلة لمعيار الاستحقاق الفكري، وللمفارقة التي يقع فيها مَن يطالب بتحرير العقل من الوصاية، ثم ينصّب نفسه وصيًّا على عقول الآخرين.
فإذا كان التنوير دعوةً إلى تحرير الفكر من التبعية، فكيف يتحوّل إلى سلطة جديدة، تمنح الألقاب لمن يشبهها، وتحجبها عمّن يخالفها؟
ومن هذا السؤال تبدأ الحكاية، ليس من محاكمة ما يؤمن به الإنسان أو ينكره، لكن من مساءلة ما يقدّمه من معرفة، وكيف يفكّر، وبأيّ حقّ يجعل من موقفه الشخصي مقياسًا لعقول الآخرين.

من يمنح صكّ التنوير؟
هل يكفي الشك أو العلمانية أو الإلحاد لصناعة مفكّر مستنير؟

ثمة ألقابٌ تجاوزت حدودها المعرفية، حتى غدت في بعض الخطابات شهادات تفوّق رمزي، يتبادلها أصحاب المواقف المتشابهة، أو يمنحها المرء لنفسه بمجرد أن يعلن خروجه من منظومة اعتقادية، وكأنّ مغادرة الإيمان تفتح له، تلقائيًا، أبواب العقل التي ظلت مغلقة أمام الآخرين.
من هنا ينبثق سؤال يستحقّ مساءلة جادّة: من المخوّل بمنح الإنسان صفة المفكّر أو المستنير أو المتنوّر أو منبع النور؟ وهل يكفي أن يفقد إيمانه، جزئيًا أو كليًا، حتى يستحقّ هذه الصفات؟
لا يتعلّق السؤال بحق الإنسان في الشك، أو في مراجعة معتقداته، أو في تبنّي العلمانية أو الإلحاد، فهذه مواقف تتصل بحرية الاعتقاد والتفكير، وتختلف دوافعها ومرجعياتها ومستويات بنائها المعرفي، إنما يتعلّق بالقفزة التي تحدث حين يتحوّل الموقف الاعتقادي إلى شهادة تفوّق، وحين يصبح الاختلاف في الإيمان معيارًا لتصنيف العقول، بدلًا من إخضاع الأفكار نفسها للفحص والنقد.
فهل التحرّر من اعتقادٍ ما دليلٌ على امتلاك المعرفة، أم أنّه مجرّد تحوّل في الموقف يحتاج، هو الآخر، إلى الفهم والتعليل والبرهنة؟

الشكّ: بداية المعرفة أم هوية بديلة؟
للشكّ مكانته في تاريخ الفكر الإنساني، فقد كان، في تجارب فلسفية عديدة، مدخلًا إلى اختبار المسلّمات وتمحيص الأدلة، ووسيلةً لمقاومة التسليم الأعمى.
غير أنّ الشكّ لا يحمل قيمته في ذاته، ولا تتحوّل ممارسته إلى فضيلة معرفية لمجرّد إعلانها.
ثمّة فرق بين شكٍّ منهجي يختبر الفرضيات، ويميّز بين الدليل والادّعاء، ويظلّ مستعدًا لمراجعة نتائجه، وشكٍّ يتحوّل إلى موقف مغلق لا يقبل سوى ما يوافقه. الأول أداة للبحث، والثاني قد يصبح يقينًا مستترًا يرتدي ثياب الارتياب.
وقد يشكّ الإنسان في معتقداته الدينية بعد رحلة طويلة من القراءة والتأمل، وقد يصل إلى ذلك تحت تأثير تجربة شخصية أو صدمة أو انفعال عابر. ولا يصحّ أن نحكم على قيمة رحلته من نتيجتها وحدها، إذ لا يكشف الموقف النهائي، بمفرده، عن عمق الطريق الذي أفضى إليه. فالشكّ لا يمنح صاحبه رتبة المفكّر، مثلما لا يسلب الإيمان صاحبه أهليّة التفكير. المعيار هو كيفية التعامل مع الأسئلة، ومستوى الأدلة، والقدرة على التمييز بين ما نرغب في تصديقه وما تسمح لنا المعرفة بتصديقه.
العلمانية والإلحاد: مواقف لا شهادات معرفية
العلمانية، بتنوّع تصوّراتها الفلسفية والسياسية، تتصل بمسائل تنظيم العلاقة بين الدولة والدين، وبحدود السلطة الدينية في المجال العام، وبحقوق المواطنين وحرية الاعتقاد.
ولا تكفي تسمية المرء نفسه علمانيًا للحكم على عمق فهمه لهذه المسائل أو على اتساق موقفه منها.
فقد يتبنّى شخص العلمانية بعد دراسة متأنية لمفاهيم الدولة والمواطنة والتعددية، وقد يتبنّاها آخر بوصفها شعارًا أو ردّ فعل على تجربة سلبية.
ولا يستوي المساران لمجرّد اجتماعهما تحت المسمّى نفسه.
والإلحاد، من جهته، موقف يتعلق بالإيمان بوجود الإله أو نفيه، وليس منهجًا معرفيًا متكاملًا بالضرورة، ولا نظرية أخلاقية جاهزة، ولا دليلًا مستقلًا على امتلاك صاحبه أدوات التفكير النقدي.
قد يكون الملحد فيلسوفًا عميقًا، وقد يكون سطحيًا في أحكامه.
وقد يكون المؤمن واسع المعرفة، مستقلّ النظر، شديد القدرة على النقد، وقد يكون أسير تصوّرات لم يختبرها. كما أنّ هذه الأحكام لا تُستمدّ من الهوية الاعتقادية لأيّ منهما، وإنما من المعرفة والحجج والممارسة الفكرية.
إنّ الخطأ لا يكمن في الإلحاد، كما لا يكمن في الإيمان، لمجرّد كونهما موقفين مختلفين، لكنه يكمن في افتراض أنّ أحدهما يمنح صاحبه، بصورة آلية، تفوّقًا عقليًا أو أخلاقيًا على الآخر.
فالموقف من وجود الإله لا يساوي، في ذاته، موقفًا من قيمة الإنسان المعرفية، إذ قد يتشابه شخصان في النتيجة ويختلفان جذريًا في الأدلة والمنهج والقدرة على التفكير.

المفكّر ليس لقبًا يُكتسب بالقطيعة
صفة المفكّر ليست مكافأةً على مغادرة الإيمان، ولا امتيازًا تمنحه القطيعة مع الموروث.
إنها تتصل بقدرة الإنسان على إنتاج الأفكار، وتحليل المفاهيم، وبناء الحجج، واختبار المسلّمات، وفهم السياقات، ومواجهة الاعتراضات، ومراجعة مواقفه حين تظهر أسباب تستدعي المراجعة.
فليس كلّ من امتلك رأيًا صار مفكّرًا، وليس كلّ من خالف السائد قد أنتج فكرًا جديدًا، كما أنّ الجرأة على التصريح بموقف مخالف لا تكفي وحدها دليلًا على العمق أو الأصالة.
قد يكرّر الإنسان أفكارًا شائعة في بيئته الجديدة، مثلما كان يكرّرها في بيئته السابقة، فيغادر منظومةً فكرية ليدخل أخرى، محتفظًا بآلية التلقّي ذاتها. تتغيّر الإجابات، بينما يظلّ السؤال غائبًا، وتتبدّل الشعارات، بينما تستمرّ الحاجة إلى سلطة تمنح صاحبها الشعور بالانتماء والتفوّق.
وهنا ينبغي التمييز بين القطيعة مع فكرة، والاستقلال عنها، وإنتاج معرفة تتجاوزها.
فالقطيعة موقف، والاستقلال ممارسة، وإنتاج المعرفة إنجاز يحتاج إلى دليل.
ولا يعني ذلك اشتراط أن يكون المفكّر صاحب نظرية غير مسبوقة، أو أن ينتج معرفة جديدة في كلّ ما يكتب، فالتفكير النقدي الجاد قد يظهر أيضًا في إعادة قراءة فكرة قديمة، أو كشف تناقض في خطاب راسخ، أو تقديم تفسير أدقّ لظاهرة مألوفة.
المهم أن تتوافر أدوات النظر، لا أن يكتفي صاحبها بإعلان اختلافه.

من المستنير إلى المتنوّر: مَن يملك معيار الضوء؟
تبدو مفردات الاستنارة والتنوير، في ظاهرها، استعارات للانتقال من الجهل إلى المعرفة، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن الانغلاق إلى الانفتاح.
غير أنّ الاستعارة نفسها قد تتحوّل إلى أداة للهيمنة حين يتخيّل صاحبها أنّه يقف في جهة الضوء، وأنّ الآخرين محكوم عليهم بالإقامة في الظلام.
هنا تتجاوز المسألة حدود اللغة إلى بنية العلاقة بين المختلفين: مَن يملك حقّ تحديد معنى الوعي؟ ومن يقرّر أنّ موقفًا بعينه يمثّل التقدّم، وأنّ ما يخالفه يمثّل التخلّف؟
لا شكّ أنّ للتنوير تاريخًا فلسفيًا ارتبط بنقد الوصاية على العقل، وبالدفاع عن استقلال الحكم، وبمساءلة السلطات التي تمنع الإنسان من التفكير بحرية. غير أنّ تحويل هذا الإرث إلى لقب يُمنح لكلّ من يتبنّى موقفًا بعينه من الدين يختزل مشروعًا فكريًا واسعًا في علامة انتماء.
إنّ الإنسان لا يصبح مستنيرًا لمجرّد أنّه يرفض تفسيرًا دينيًا، أو ينتقد مؤسسة دينية، أو يعلن عدم إيمانه. كما أنّه لا يفقد أهليته للاستنارة لمجرّد احتفاظه بإيمانه. فالمعرفة ليست حكرًا على هوية، والعقل لا يُختبر بوجهة النتيجة وحدها، وإنما بسلامة الطريق المؤدي إليها.
والأهمّ أنّ الاستنارة، إذا كانت تعني التحرّر من الوصاية، فلا يجوز أن تتحوّل إلى وصاية جديدة، وإذا كانت تعني حقّ الإنسان في التفكير، فلا يجوز أن تصبح أداة لنزع هذا الحقّ عن المختلفين.

حين يصبح التنوير سلطةً مضادّة
تظهر المفارقة حين يطالب المرء بتحرير العقل من سلطة الموروث، ثم ينصّب نفسه حارسًا على عقول الآخرين، فيصنّفهم وفق قربهم من موقفه أو بُعدهم عنه. عندئذٍ لا يعود التنوير ممارسةً نقدية، وإنما يتحوّل إلى هوية تمنح صاحبها امتيازًا رمزيًا، وتتيح له النظر إلى المخالف بوصفه أدنى مرتبة.
وقد يتّخذ هذا الخطاب صورًا متعددة:
اختزال المؤمن في الجهل، وتصوير المتديّن بوصفه عاجزًا عن التفكير، واعتبار الملحد مستنيرًا بحكم إلحاده، أو تقديم العلماني باعتباره أكثر عقلانية بالضرورة من سواه.
هذه الأحكام لا تصبح صحيحة بتكرارها، ولا تتحوّل إلى حقائق معرفية بسبب شيوعها في بيئة ثقافية معينة. هي تعميمات تحتاج إلى نقد، مثلما تحتاج إليه التعميمات المقابلة التي تصف كلّ ملحد بالانحلال، أو كلّ علماني بالعداء للدين، أو كلّ شاكّ بالضلال الفكري.
فالخلل المنهجي واحد في الحالتين: إصدار الحكم على الإنسان انطلاقًا من هويته، بدلًا من فحص أفكاره وأفعاله وحججه.
ومن المفارقات أنّ بعض الخطابات التي تنتقد الإقصاء تمارسه بأدوات معكوسة، ترفض أن يُدان الإنسان بسبب معتقده، ثم تدينه بسبب تخلّيه عن ذلك المعتقد، أو ترفض الوصاية الدينية ثم تؤسّس وصاية ثقافية تملك، في نظرها، حقّ منح شهادات الوعي وسحبها.
إنّ التحرّر الحقيقي لا يتحقّق بتبديل موقع السلطة، وإنما بمساءلة حقّها في احتكار الحكم على العقول.

بأيّ معيار نقيس الاستنارة؟
إذا لم يكن الإيمان أو الإلحاد أو العلمانية معيارًا كافيًا، فبأيّ معيار يمكن تقويم الاستحقاق الفكري؟
يمكن الانطلاق من مجموعة من المعايير المتكاملة، من دون تحويلها إلى قائمة مغلقة أو شهادة نهائية:
- أولها النزاهة المعرفية: أي التمييز بين ما نعرفه وما نظنّه، وبين الدليل والرغبة، وبين الحقيقة التي تسندها الحجج والقناعة التي نتمسّك بها لأسباب شخصية أو اجتماعية.
- وثانيها القدرة النقدية: فلا يكتفي الإنسان بنقد ما ورثه أو ما يخالفه، بل يختبر أيضًا الأفكار التي يتبنّاها، ويفحص مواطن ضعفها، ويقبل الاعتراض عليها من دون أن يعدّه اعتداءً على هويته.
- وثالثها الاستقلال الفكري: وهو ليس رفض كلّ سلطة أو مرجعية، وإنما القدرة على فحص المرجعيات، وتقدير حججها، وعدم تحويل الانتماء إليها إلى بديل عن التفكير.
- ورابعها التواضع المعرفي: فالعقل الذي يدرك حدود معرفته أقدر على التعلّم من عقل يعتقد أنّ وصوله إلى نتيجة ما يمنحه امتلاك الحقيقة كاملة.
- وخامسها المسؤولية الأخلاقية في الاختلاف: إذ لا تكفي براعة الجدل إذا اقترنت بالتضليل أو الإهانة أو مصادرة حقّ الآخرين في التعبير. ومع ذلك، ينبغي ألّا نخلط بين التفوّق المعرفي والاستقامة الأخلاقية، فهما بُعدان متمايزان، وإن كانا يتقاطعان في المسؤولية عن استعمال المعرفة.

هذه المعايير لا تجعل صاحبها معصومًا من الخطأ، ولا تتيح لأحد احتكار لقب المستنير. هي مجرد أدوات لتقويم الممارسة الفكرية، تظلّ مفتوحة للنقاش والمراجعة، وتُطبّق على الجميع من دون استثناء.
فقد يبرع الإنسان في التحليل الفلسفي ويضعف في الإنصاف، وقد يتحلّى بنزاهة أخلاقية ولا يمتلك أدوات البحث المتخصص.
لذلك لا يصحّ جمع كلّ الفضائل في لقب واحد، ولا استخدام وصف "المستنير" لإضفاء حصانة على صاحبه من النقد.

مَن يمنح اللقب إذن؟
لا توجد جهة تملك احتكارًا مطلقًا لمنح البشر صفات المفكّر والمستنير والمتنوّر.
قد تمنح المؤسسات الأكاديمية اعترافًا بإنجازات فكرية محددة، وقد يكتسب الكاتب أو الفيلسوف مكانةً في المجال الثقافي من خلال إنتاجه وتأثيره، وقد يستخدم الأفراد هذه الأوصاف في تعريف أنفسهم.
غير أنّ الاعتراف المؤسسي أو الاجتماعي لا يحوّل اللقب إلى حقيقة نهائية، كما أنّ ادّعاءه لا يغني عن البرهنة عليه.
إنّ صفة المفكّر تُختبر في عمله، وقيمة حججه، وقدرته على الإضافة أو التفسير أو النقد.
أما الاستنارة والتنوير، فتتحدّد دلالتهما وفق المعايير التي يتبنّاها الخطاب الذي يستخدمهما، ولا ينبغي التعامل معهما بوصفهما رتبتين مطلقتين تتفاضل بهما الذوات البشرية.
والأدقّ أن نقيّم الأفكار بدلًا من توزيع الأوسمة على أصحابها، أن نسأل عن قوة الحجة، لا عن هوية صاحبها، وعن سلامة المنهج، لا عن الشعار الذي يرفعه.
فلا المؤمن معصوم لأنّه مؤمن، ولا الملحد متفوّق لأنّه ملحد، ولا العلماني مستنير بالضرورة لأنّه علماني، ولا الشاكّ أعمق فكرًا لمجرّد أنّه يشكّ.
وفي المقابل، لا يُدان أحد بالجهل أو التخلّف لمجرّد تمسّكه بإيمان أو انتمائه إلى تقليد فكري.
إنّ هذا المعيار لا يساوي بين الأفكار في صحتها، ولا يمنع نقد المعتقدات أو تفكيكها؛ بل يطالب بأن يكون النقد قائمًا على الأدلة، وأن تكون الأحكام متناسبة مع ما تثبته الحجج، لا مع ما توحي به الأسماء.

خاتمة: التنوير امتحانٌ للعقل لا للهوية
ربما كان السؤال الأجدر بالطرح ليس: مَن فقد إيمانه؟ وإنما: ماذا فعل بعقله بعد أن غيّر موقفه؟ هل انتقل من التسليم إلى الفحص، أم انتقل من تسليم إلى تسليم آخر؟ هل صار أكثر قدرةً على فهم المختلف، أم اكتفى باستبدال جماعة بأخرى؟ وهل يقبل إخضاع قناعاته للمعايير النقدية التي يستخدمها في مساءلة قناعات الآخرين؟
هذه الأسئلة لا تستهدف الإلحاد أو العلمانية أو الشكّ، بل تختبر الادّعاء الذي قد يرافقها، كما تختبر أيّ ادّعاء مقابل يصدر عن المتدين أو المحافظ أو المدافع عن الموروث.
فالتنوير ليس معركةً بين هويات تتنافس على احتكار العقل، وليس امتيازًا تمنحه القطيعة مع الإيمان، ولا رتبةً تُسحب ممّن يحتفظ به.
إنّه، حين يُفهم بوصفه ممارسةً نقدية، التزامٌ بحرية السؤال، ودقّة الاستدلال، والاستعداد لمراجعة الذات، والاعتراف بأنّ الإنسان قد يخطئ حتى حين يكون واثقًا من صواب موقفه.
ليس كلّ من غادر الإيمان قد دخل فضاء المعرفة، وليس كلّ من بقي فيه قد أغلق أبواب العقل.
وبين الحالتين تتّسع مساحةٌ واسعة من التفكير الإنساني، لا تُقاس بوجهة الاعتقاد وحدها، وإنما بقدرة العقل على الفهم والنقد والتأسيس.
فالعقل لا يستنير بمجرّد أن يغيّر وجهته، بل حين يتعلّم كيف يفحص الطريق.
ومن يطلب لنفسه صفة المستنير، لا يكفيه أن يعلن تحرّره من يقين الآخرين، عليه أن يبرهن أنّه لم يحوّل يقينه الجديد إلى سلطة، وأنّه لا يستخدم النور الذي يتحدّث باسمه ليحجب عن الآخرين حقّهم في التفكير.
فمَن يدّعي امتلاك التنوير، عليه أن يقبل أوّلًا بأن يكون ادّعاؤه نفسه موضوعًا للنقد.

المراجع

- ديكارت، رينيه. (1637). مقال عن المنهج.
- كانط، إيمانويل. (1784). ما التنوير؟
- مِل، جون ستيوارت. (1859). عن الحرية.
- بوبر، كارل. (1945). المجتمع المفتوح وأعداؤه.

#دعبيرخالديحيي طرطوس – سوريا 12 تشرين أول 2026



#عبير_خالد_يحيي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذرائعية ونظرية أفعال الكلام عند جون سيرل: من الفعل اللغوي ...
- بين الجسد والوعي: دراسة ذرائعية في البنية النفسية والنسوية ل ...
- من انتظار عزرائيل إلى انتظار الإشعار: تجليات الوحدة الإنساني ...
- الذاكرة العابرة للأجيال: قراءة نقدية في رواية(زهرة من فستان ...
- /أغالب مجرى النهر/ لسعيد خطيبي: من العلاقات العابرة إلى ديست ...
- الصراع بوصفه فعلًا تداوليًا_ قراءة ذرائعية في مواجهة الحكومة ...
- -حين يسقط المعنى قبل العرش #قراءة_ذرائعية تداولية في #انهيار ...
- الذاكرة بوصفها بنية سردية وفعلًا تداوليًا دراسة ذرائعية مقار ...
- قسد بعد اتفاق آذار: اختبار الشرعية في زمن سقوط الأقنعة
- اللغة العربية: من الذاكرة المقدّسة إلى أفق الذكاء الاصطناعي
- الومضة الشعرية – جماليات الكتابة وثراء الدلالة والتجريب : مق ...
- سوريا… عامٌ على الفجر الذي أزهر أخيرًا
- ندبة الجمال والغياب: دراسة ذرائعية في الدلالات الوجودية والج ...
- #اعتصامات ومظاهرات الطائفة العلوية اليوم الطائفة بين خطاب ال ...
- من الظلام إلى النور: دراسة ذرائعية في البنية النفسية-السلوكي ...
- من فطام الذكورة إلى غسل الخوف: قراءة ذرائعية في سرد الطفولة ...
- الحركة التصحيحية في سوريا: من -تصحيح المسار- إلى الهاوية بقل ...
- فيدور ديستوفسكي: النفس البشرية في مرآة الأدب
- من دمشق إلى صنعاء: قراءة ذرائعية في خطاب الانتماء والمقاومة ...
- #طقس_القمر_العملاق (حين يشيخُ الضوء)


المزيد.....




- الفاتيكان يعلن نجاح عملية جراحية للبابا ليو لاستئصال ورم سرط ...
- الفاتيكان يعلن إصابة البابا ليو بالسرطان واستئصال جزء من رئت ...
- الفاتيكان يعلن إزالة جزء من رئة البابا بعد التأكد من إصابته ...
- بعد استئصال ورم من الرئة.. الفاتيكان يكشف حالة البابا
- بابا الفاتيكان يدخل إلى المستشفى لإجراء عملية في الرئة
- «المصريين الأحرار»: ازدواجية المعايير الأوروبية تسقط شعارات ...
- -استبعاد الإسلاميين-.. شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقي ...
- سدرة المنتهى: الشجرة الكبيرة في السماء السابعة التي وصل إليه ...
- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى
- قوى سودانية ترفض شرعنة سلطات الحرب وتطالب باستبعاد الإخوان


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبير خالد يحيي - من نصّبهم أوصياء على الفكر والتنوير؟