أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال














المزيد.....

سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 22:13
المحور: القضية الفلسطينية
    


بعض الكلمات لا تنتهي بانتهاء الحديث، وبعض الأسئلة تظل مفتوحة في الذاكرة، كأن أصحابها تركوها أمانةً في أعناقنا؛ فلا نملك لها جواباً، ولا نستطيع تجاوزها بسهولة.

من بين الكلمات التي بقيت في ذاكرتي كلماتٌ كتبتها سمر حمد لي عن الشهداء:

«الحياة نفق لا بد من عبوره، وهؤلاء مصابيح تؤنس وحشتنا في عبور هذا النفق، والسعيد حقّاً هو من تعلّم كيف يصبح هو بذاته مصباحاً لمن بعده».

لم تكن هذه الكلمات مجرد عبارة جميلة، بل كانت تختصر نظرةً إلى الحياة، وإلى أولئك الذين يضيئون عتمة الآخرين، ويتركون في أرواحهم أثراً لا تمحوه الأيام.

كانت سمر تكتب بلغة أنيقة، وتعبّر عن أفكارها بعمق يترك أثره في النفس. وحين أثنيتُ على لغتها، ردّت بعبارة لا تزال عالقة في ذاكرتي:

«هذه من كاتب له وزنه الكبير بالنسبة لي، شكراً لك».

كانت كلماتها تحمل تقديراً صادقاً، وتكشف عن روح تعرف قيمة الكلمة، وتدرك ما يمكن أن تتركه من أثر في الآخرين.

وكان للشهيد نزار بنات مكان خاص في وجدانها، على الرغم من قِصر معرفتها به. فقد رأت فيه صوتاً للحرية، ورمزاً لا تنتهي حكايته برحيل صاحبه، وكتبت عنه:

«هنا الثوار لهم وقع في القلوب، كأنهم صوت القيامة الذي لا بد أن يدوي، ولو بعد حين، لهدم عروش الظالمين. لذلك نزار ومن مثله لهم مكان في قلب كل من يرنو إلى الحرية».

لكن ما ظلّ عالقاً في ذهنها لم يكن فقط ما يمثّله نزار، بل الأسئلة التي طاردتها بشأن لحظاته الأخيرة؛ أسئلة لم تجد لها إجابات، ولم تستطع أن تطوي صفحتها. فكتبت:

«للآن، وبعد كل تلك السنوات، ما زلت أحاول أن أستشف كيف كانت لحظاته الأخيرة؟! بماذا فكر؟! صورة من كانت في مخيلته؟ أي حلم كان متعلقاً بروحه وهي تغادر جسده؟ هل ابتسم ساخراً منهم؟! هل حدّق فيهم بتلك النظرات التي تقدح تحدياً وصموداً أمام عنجهيتهم؟! هل مرت أمامه السنون مودعة إياه وما كان يتمنى؟!».

ليست هذه الأسئلة مجرد محاولة لاستعادة اللحظات الأخيرة في حياة إنسان، بل هي محاولة للاقتراب من عالمه الداخلي حين تضيق المسافة بين الحياة والغياب؛ حين تتزاحم الوجوه والذكريات والأحلام في لحظة لا نعرف عنها إلا القليل.

وربما لا نجد إجابات عن كل تلك الأسئلة، لكن بقاءها مفتوحة يكشف مقدار ما تركه نزار في نفوس الذين رأوا فيه صوتاً للحرية ورفضاً للظلم. كما يذكّرنا بأن وراء كل نهاية حكايةً لا يعرف تفاصيلها كاملةً إلا صاحبها، وأن بعض الأسئلة تظل تؤلمنا لأننا لا نملك سبيلاً إلى إجاباتها.

وبين أسئلة سمر حمد التي ظلّت معلّقة أمام غياب نزار بنات، ومعاناة علاء الريماوي القابع خلف قضبان الاعتقال، تمتدّ حكاية ألمٍ فلسطيني واحد؛ شهيدٌ غاب وترك خلفه أسئلةً لا تهدأ، ومعتقلٌ ينتظر الحرية بعيداً عن أحبّته، وامرأةٌ بقيت كلماتها شاهدةً على حكاية وطنٍ أنهكه الألم، ولم يفقد إيمانه بالحرية. وكأن الحكاية، رغم اختلاف الوجوه والمصائر، تكتب السؤال ذاته من جديد؛ كم من المعاناة ينبغي لفلسطين أن تحتمل، وكم من المحن عليها أن تجتاز قبل أن ترى أبناءها أحراراً؟

ومع كل هذا الألم، لم تفقد سمر إيمانها بفلسطين، ولم تسمح لعتمة الحاضر أن تطفئ نور المستقبل. وحين تحدثت عن حلم التحرير، كتبت بثقة:

«بإذن الله في فلسطين المحررة بلا أدنى شك».

لم تكن الحرية في وجدانها أمنيةً عابرة، بل حقاً لا يسقط مهما طال الطريق، وأملاً يستمد بقاءه من إيمان أصحابه بعدالة قضيتهم. كانت فلسطين، بكل ما يثقلها من احتلال وجراح، حاضرةً في وجدانها بوصفها وطناً يستحق الحرية، وحلماً لا يُطفئه طول الانتظار.

وفي كلماتها التي أحتفظ بها، كان هناك نداء صادق من قلب الضفة الغربية، حيث يشتد الألم، ويصبح الدعاء شكلاً من أشكال التضامن والمحبة. قالت لي:

«وأنت لا تنسانا من الدعاء فنحن هنا أحوج المحتاجين إلى دعاء الصادقين بحبهم وودهم لهذه الأرض».

لم تكن سمر تطلب الكثير؛ كانت تطلب دعاءً لأرض تحبها، ولأناس يواجهون أياماً ثقيلة، ولأمل يريد أصحابه أن يبقى حياً رغم كل ما يحيط بهم من ألم.

واليوم حين أعود إلى كلماتها، أجد فيها أكثر من رسائل متبادلة؛ أجد أثراً إنسانياً يستحق أن يُروى، وصوتاً يحمل أسئلةً لم تجد إجاباتها، وأمنياتٍ لا تزال معلّقة بين قسوة الواقع واتساع الأمل.

فخلف كل اسم حكاية، وخلف كل اعتقال أسئلة لا تجد جواباً، وخلف كل رسالة إنسانٌ له أحلامه ومخاوفه وتطلعاته. وحين يُحرم الإنسان من مواصلة حكايته بحرية، تصبح كلماته شاهداً على ما أراد قوله، وعلى ما لا ينبغي للذاكرة أن تنساه.
سمر حمد… أسئلةٌ بقيت معلّقة خلف قضبان الاعتقال، وأملٌ لا يزال يبحث عن فجر فلسطين.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سمر حمد… حوارٌ يتيم، وغيابٌ ترك في القلب غصّة
- أنيس النقاش ونزار بنات… رحل الرجال وبقيت الكلمات
- 7 أكتوبر… الانفجار الذي سبقه الخراب
- معلمو غزة… يُعلِّمون الحياة من تحت الركام
- فلسطين… شعبٌ يُذبح بالحرب ويُغدر به بالسلام
- لوري كنغ تكتب عن محمود كلّم و«صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم»… شها ...
- غزة تنزف دماً… والخذلان العربي يكتب فصول العار
- عبد الهادي أبو شمسية.. رجل الخير الذي غيّبته القضبان
- وليد إبراهيم الهودلي… بالأمس كان يدعو لهم، واليوم ندعو له
- علاء الريماوي ونزار بنات... روحٌ مثقلة بالوداع
- ما سرّ عداء المستوطنين لشجرة الزيتون الفلسطينية؟
- نزار بنات وعلاء الريماوي… حين يبدأ التحريض قبل الاعتقال
- بعد كل هذه الشهادات… ما زلت أسأل: كيف يصبح الإنسان وحشاً؟
- ميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي): «دفنتُ زوجي وابني…»
- محمد سرور (أبو علي): دفنتُ أبي وإخوتي… وبقيتُ شاهداً على صبر ...
- «شاهدتُ بأمِّ عيني»: شهادةُ يوسف عبد نايف مجذوب (أبو جمال) ع ...
- سمر قاسم أبو حرب: نجوتُ من مجزرة صبرا وشاتيلا… لكن أهوالها م ...
- سَنِيّة رمضان «أم جهاد»: دفنتُ زوجي في صبرا وشاتيلا… لكنني ل ...
- عصام أبو دهيس: صهري استشهد بجانبي… ونجوتُ لأروي حكاية صبرا و ...
- بعد كل هذه السنوات... أعود إلى صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم


المزيد.....




- صرخ -انشروا ملفات إبستين-.. نائب ترامب يسخر من متظاهر أثناء ...
- ترامب محذرًا: ما يحدث في فرنسا قد يتكرر في أمريكا إذا فاز ال ...
- شبكة CNN تحذر البيت الأبيض: إلغاء منعنا من تغطية رحلات الطائ ...
- لجنة التحقيق الروسية تنهي تحقيقاتها في قضية قتل مضيفة طيران ...
- دول البلطيق وإسكندنافيا تخشى -أحصنة طروادة- الروسية
- مجموعة -حنظلة- للقرصنة تعلن اختراق هاتف قائد إسرائيلي وحيازة ...
- صحيفة كرواتية: نقص صواريخ -باتريوت- سيكتب نهاية حكام كييف
- في رسالة انتخابية من الحدود الشمالية.. نتنياهو يدعو الإسرائي ...
- طهران تتحدث عن غموض أمريكي يعطل المفاوضات.. من المخول باتخاذ ...
- ترامب: يمكننا إعلان النصر على إيران والانسحاب الفوري في أي و ...


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال