امين حامد زين العابدين
الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 08:33
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
بينما استهدى محمود طه بمنهجه الصوفي إلى تقسيم القرآن إلى الرسالة الأولى للإسلام والرسالة الثانية، استند محمد شحرور في أطروحته أي تقسيم القرآن إلى الكتاب والقرآن على تمييز محيي الدين بن عربي بين النبوة التي يعتبرها منبع المعرفة الأزلية الثابتة والرسالة التي كان آخرها الإسلام ومحمد خاتم الأنبياء. (أبو زيد 1995، 115-116). واستهدف شحرور من تقسيمه للقرآن إلى الكتاب والقرآن تبرير الاعتقاد الأشعري بأن القرآن قديم وموجود منذ الأزل في اللوح المحفوظ؛ الأمر الذي لا ينسجم مع الحقيقة التاريخية بنزول القرآن متفرقًا على مدى ثلاثة وعشرين عامًا ونسخ بعض الأحكام ونزول بعض الآيات في أوقات معينة ولأسباب محددة اقتضت نزولها، وسبب ذلك سعيه لتوظيف فكرة أن القرآن أزلي قديم لطرح تصور جديد مفاده أن القرآن هو المصدر الرئيسي للعلوم الطبيعية وكل ضروب المعرفة؛ لاشتماله على قوانين الكون التي تنتظم كل الوجود إضافة إلى آرائه حول التأويل العلمي والتنجيم والنسخ وأسباب النزول. فالكتاب في رأي شحرور هو الاسم العام الذي يشير إلى كل السور المتضمنة بين دفتي المصحف ويحتوي على كتابين هما كتاب النبوة الذي يمثل الحقيقة المطلقة الموجودة منذ الأزل في اللوح المحفوظ، وكتاب الرسالة الذي يمثل الأحكام التشريعية والأخلاق والعبادات. (شحرور، 55، 1990). واستنادًا إلى تأويله للآية السابعة من سورة آل عمران خارج سياق سبب نزول الآية لتنسجم مع فهمه الحرفي لآية وجود القرآن الأزلي في اللوح المحفوظ ليبني عليه تصوراته الذهنية المسبقة لمجمل مشروعه الإصلاحي، يقسم شحرور الكتاب بدوره إلى أم الكتاب، الذي يمثل الرسالة وأحكامها التشريعية كما ينعكس في عبارة آيات محكمات وتتضمن الأخلاق والعبادات، وإلى القرآن الذي يمثل النبوة ويشتمل على الآيات المتشابهات، التي يسميها أيضًا الكتاب المتشابه مع وجوب التمييز بين القرآن والكتاب "لأنه عندما ذكر الكتاب قال "هدى للمتقين" لأن في الكتاب أحكام العبادات والمعاملات وعندما ذكر القرآن قال هدى للناس ولفظة الناس تشمل المتقين وغير المتقين. (شحرور، 57 ،1990).
ورغم أن معنى التشابه والمتشابهات هو الغامض غير الواضح حسب سياق نزول الآية وإجماع الفقهاء والمفسرين، اجتهد شحرور ليفرض على لفظة المتشابهات المعنى الذي ينسجم مع افتراضه المسبق بوجود القرآن منذ الأبد في اللوح المحفوظ وأنه قد نزل دفعة واحدة "وهذه لا يمكن أن تكون إلا بثبات النص وحركة المحتوى وهو التشابه الذي يحتاج إلى التأويل باستمرار؛ ولهذا فالقرآن لا بد من أن يكون قابلًا للتأويل، وتأويله يجب أن يكون متحركًا وفق الأرضية العلمية لأمة ما في عصر ما على الرغم من ثبات صيغته". (شحرور، 60، 1990).
وحاول إثبات أن التشابه يعني ثبات النص وحركة المحتوى والقابلية للتأويل عبر قياس مخترع فاسد فحواه قيام أب متخصص في الإلكترونيات بتعليم ابنه البالغ من العمر ثلاث سنوات كل محتويات علم الإلكترونيات دفعة واحدة عبر صياغة تناسب المستوى العقلي للطفل وبدون أن يكون بينهما أي اتصال بعد ذلك. وعندما يكبر الابن ويكتسب المزيد من المعلومات ويعيد قراءة الصياغة التي تلقاها وهو طفل يراها مطابقة لمعلوماته المتطورة عبر صياغة خاصة "يجب أن يتوفر فيها شرطان: الأول ثبات النص والثاني حركة المحتوى وهذا ما يسمى بالتشابه وهو عين التشابه". (شحرور، 1990، 58). لذلك يعتبر أن للقرآن جزءًا ثابتًا "وهو القوانين الناظمة للوجود كله ابتداء من خلق الكون وفيه قوانين التطور وتغير الصيرورة.. وفي اللوح المحفوظ يوجد القانون العام الصارم لهذا الوجود.. أما التشابه في هذا الجزء فهو منسوب إلى الفلسفة؛ أي معرفة الإنسان بالقوانين العامة الناظمة للوجود". (شحرور، 1990، 74). كما يتكون القرآن أيضًا من جزء متغير يشتمل على أحداث وقوانين الطبيعة الجزئية مثل الرياح والزلازل والطوفان. (شحرور، 1990، 74). ويكمن في هذا سر إعجاز القرآن كما يقول "الناس كل بلسانه عاجزون عن أن يعطوا نصًّا متشابهًا كل في لسانه الخاص بحيث يبقي النص ثابتًا، ويطابق المحتوى الأرضيات المعرفية المتغيرة والمتطورة للناس مع تطور الزمن إلى أن تقوم الساعة. إن هذا لا يمكن أن يفعله إلا من يعلم الحقيقة المطلقة، وهذا لا يتوافر للناس لأن معرفتهم وعلمهم نسبيان؛ لذا لا يمكن تأويل القرآن كاملًا من قبل واحد فقط إلا الله. أما الراسخون في العلم فيؤولونه حسب أرضيتهم المعرفية في كل زمان، وكل واحد منهم حسب اختصاصه الضيق". (شحرور، 1990، 60).
ولكي يتجنب شحرور حقيقة نزول القرآن منجمًا في فترة زمنية معلومة ويحتفظ باعتقاده حول قدم وأزلية القرآن يفترض أن الله قد أرسل الكتاب إلى الإنسان بطريقة تختلف عن إرساله للقرآن "وبما أن كتاب الله هو عين الموجودات ونواميسها العامة.. وأن النواميس العامة التي تحكم الوجود خُزِّنت بشكل ما في لوح محفوظ.. وعلم الله هو أعلى أنواع التجريد، وأعلى أنواع التجريد هو الرياضيات.. وهو موجود بصيغة غير قابلة للإدراك الإنساني وغير قابلة للتأويل وبصيغة مطلقة". (شحرور، 1990، 152). وأُرسِلَ القرآن وأُنزِلَ دفعة واحدة في ليلة القدر ليتم انتقاله من حالة عدم الإدراك إلى مجال الوعي الإنساني لكي يتم إدراكه ومعرفة أسرار رموزه بالتأويل. أما طريقة إرسال الكتاب فقد بدأت في شهر رمضان عن طريق التنزيل بواسطة جبريل إلى النبي محمد على مدى ثلاث وعشرين سنة. ولكي يميز ليلة القدر عن شهر رمضان الذي أُنزِلَ فيه الكتاب منجمًا، اضطر شحرور إلى افتراض معنى لعبارة "ألف شهر" بدلًا من الشهر الزمني بقوله "ولك أن تذهب بكلمة شهر إلى أنها من الشهرة والإشهار لا الشهر الزمني كقولك الشهر العقاري وهي الدائرة التي يتم فيها الإشهار القانوني الملزم للبيع والشراء، ولا يلزمك أن تفهم الألف على أنها عدد، بل جاءت من فعل "ألف" وهو ضم الأشياء بعضها إلى بعض بشكل منسجم ومنه جاءت الألفة والتأليف. إن إشهار القرآن خير من كل الإشهارات الأخرى مؤلفة كلها بعض مع بعض". (شحرور، 1990، 153). وانطلاقًا من الأطروحة الأساسية لكتابه، يقوم شحرور بطرح مشروع للإصلاح الديني يعتمد على سلطة النص والنقل، ويشتمل على قوانين جدل الكون ونظرية المعرفة القرآنية وتجديد السنة والفقه والاقتصاد الإسلامي ومفاهيم الجمال في الإسلام.
رغم قول شحرور إن هدف مشروعه طرح العقيدة الإسلامية وفهمها فهمًا فلسفيًّا ضمن منطوق القرن العشرين ومعالجة القرآن معالجة علمية (شحرور، 1990، 714)، فإن ما يميز مشروعه التجديدي الفوات الفكري والحضاري وعدم مواكبته للثورة المعرفية في مجال العلوم الطبيعية والفلسفة منذ عصر التنوير وإلى العصر الراهن. فقد كان من أهم نتائج الثورة العلمية والفلسفية التي حققت أوروبا بفضلها النهوض الحضاري إدراك العلماء أن طريق الوصول للمعرفة في الدين تختلف عنها في الفلسفة؛ مما يستلزم الفصل بينهما واشتغال كل منهما في مجاله الخاص. فكما قال سبينوزا "اللاهوت ليس خادمًا للعقل وإن العقل ليس خادمًا للاهوت بل إن لكل منهما مملكته الخاصة، للعقل مملكة الحقيقة والحكمة، وللاهوت مملكة التقوى والخضوع. وقد بيّنَّا أن قدرة العقل لا تذهب إلى حد يستطيع معه أن يقرر إذا كان الناس يستطيعون الحصول على السعادة بالطاعة وحدها دون معرفة الأشياء، وفي مقابل ذلك لا يدعي اللاهوت إلا هذا ولا يوحي إلا بالطاعة". (سبينوزا، 2020،378-379). كما سعى سبينوزا لمواءمة تصور الثورة الكوبرنيكية للعالم مع منهج الفلسفة العقلاني، وذلك بالعدول عن القطبية الثنائية لله والطبيعة التي كانت تسمي الطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة في اللاهوت القروسطي وذلك بالتوحيد بين الطبيعة الخالقة والمخلوقة، أو كما قال "إن ما ينبغي فهمه بالطبيعة الطابعة هو ما يكون في ذاته متصورًا بذاته، أعني صفات الجوهر التي تعبر عن ماهية أزلية لا متناهية، والإله من جهة اعتباره علة حرة، وأعني بالطبيعة المطبوعة كل ما ينتج عن وجوب الطبيعة الإلهية، أي كل ما ينتج عن وجوب كل صفة من صفات الله باعتبارها أشياء موجودة في الله، ولا يمكنها بدونه أن توجد وألّا تُتصور". (سبينوزا، 2009، 63-64). وتجدر الإشارة إلى أن سبينوزا قد حصر الصفات الأساسية لله في الفكر والامتداد أو المادة الموجودة أيضًا في الطبيعة؛ الأمر الذي يجعل الطبيعة مطابقة لماهية الجوهر وهو الله. كما تجاوز سبينوزا إشكالية المطابقة القروسطية التي كانت تعتقد أن العقل مطابق للواقع والواقع مطابق للعقل وذلك باعتبار الجوهر أو الله هو الطبيعة ذاتها حيث تمثل العلة والمعلول كلًّا واحدًا. وسعى ديكارت أيضًا إلى حل إشكالية المطابقة بإعطاء العقل الأولوية على الطبيعة والواقع للوصول إلى اكتشافاته عبر المنهج الاستنباطي، بينما أعلى بيكون من شأن الطبيعة والواقع بتوظيف التجربة والمنهج الاستقرائي لفهم أسرار الطبيعة واكتشاف القوانين الناظمة للكون.
وأدى ظهور الاختراعات التقنية في القرن التاسع عشر مثل الآلة البخارية والمحرك الانفجاري إلى زوال إشكالية المطابقة مثلما زالت رؤية العالم القروسطية بعد الثورة العلمية. فكما قال جورج طرابيشي "كل المخترعات مثل السيارة والطيارة.. ما من شيء من حقيقة هذه المخترعات يطابق شيئًا في الواقع. فنحن بالأحرى أمام واقع جديد مصنوع ومخلوق.. حقيقة صحة النظرية الكامنة وراء هذه المخترعات ليس معيارها مطابقة لا وجود لها أصلًا، بل فقط قابلية هذه الفكرة أو النظرية للتحقيق.. فمعيار الحقيقة اليوم هو التحقيق مثلما كان بالأمس القريب التجريب وبالأمس البعيد المطابقة". (طرابيشي، 1996، 245-246). وتم التحرر النهائي من إشكالية المطابقة بعد اكتشاف أينشتاين النظرية النسبية في عام 1905 واكتشاف هايسينبيرج مبدأ اللايقين في عام 1928 حيث "سقطت صفة المطلق عن العقل وعن الواقع كما عن الحقيقة باعتبارها تطابقًا لعقل مطلق مع واقع مطلق". (طرابيشي، 1996، 244). وسبق أن مهدت آراء ويليام جيمس عن الحقيقة إلى إنهاء إشكالية المطابقة وتعريف الحقيقة بأنها في حالة صيرورة وأن "الحقيقة تحدث لفكرة فتصبح حقيقة وجعلها حقيقة بالأحداث وصدقها في واقع الأمر إنما هو حدث، عملية، وإثبات وتحديدًا إثبات صدقيتها". (.(James, 1907, 997 وقال أيضًا "الحقيقة بالنسبة لنا اسم جماعي لعملية التحقق والبرهنة مثلما الصحة والغنى والقوة أسماء لعمليات مرتبطة مع الحياة ويتم السعي إليها للمنافع التي تجلبها"..(James, 1907,1975,104) كما نجم عن النظام المعرفي للحداثة الثقافية الذي جاء في أعقاب الثورة الكوبرنيكية واكتشافات جاليليو ونيوتن وظهور رؤية جديدة للعالم محورها الإنسان تيقن العلماء بضرورة فصل الدين عن مجال العلوم الطبيعية للاختلاف المنهجي بينهما للوصول إلى حقيقة الأشياء.
وتعكس هذه الحقائق التي توضح التحول الهائل في رؤية العالم ونظرية المعرفة والتطور المذهل في الاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية، التي تعتبر من أهم سمات الحضارة الكونية المعاصرة، مدى التباعد بينها وبين مشروع شحرور التجديدي. إذ قاده تمسكه بالمذهب الأشعري إلى طرح حجته الأساسية بتقسيم القرآن إلى الكتاب والقرآن، ومجمل آرائه التي تفرعت منها في إطار رؤية للعالم انتهت صلاحيتها وتم إجبارها لإفساح المجال لرؤية جديدة للعالم بعد الثورة الكوبرنيكية؛ لذلك اعتمد مثل الأشاعرة على سلطة النص والنقل لصياغة أفكاره في سعيه لجعل القرآن منبع كل المعرفة والعلوم الطبيعية وذلك بـتأويل آيات النص لتنسجم مع افتراضات ذهنية مسبقة لا يسندها دليل مثل زعمه أن القرآن الموجود في اللوح المحفوظ "هو لوحة التحكم في الكون ويحتوي على برنامج تعمل بموجبه قوانين الكون العامة وفيه قوانين الطبيعة الجزئية". (شحرور، 1990، 92). كما اعتقد أن القرآن قد احتوى الحقيقة المطلقة للوجود التي لا يمكن تأويلها إلّا بالله بينما يستطيع الراسخون في العلم بفهمهم النسبي مثل البيروني، الحسن بن الهيثم، نيوتن، دارون وأينشتاين تأويل الحقيقة المطلقة التي هي القرآن كلام الله وآياته في الآفاق واستنتاج النظريات العلمية. فكما قال "كلما تقدم الزمن تدخل طروحات القرآن ضمن المحسوسات المدركة. وهذا ما يسمى بالتأويل المباشر أي مطابقة المدرك من المحسوس مع النص". (شحرور، 1990، 186). وشرح وفقًا لافتراضه بتطابق قوانين العقل الكلي الموجود في اللوح المحفوظ مع الواقع وقوانين الذهن عبر تأويل الآية (الذي خلقك فسواك فعدلك* في أي صورة ما شاء ركبك) وبعض الآيات القرآنية الأخرى كيفية استنتاج نظرية النشوء والارتقاء لدارون وذلك بقوله "تعني الآية انتصاب الإنسان على قدميه وتحرير اليدين.. وأن آدم لم يكن في الجنة السماوية وإنما في جنة أرضية تشبه الغابة.. وكان بداية تطور الإنسان العاقل من البشر الذي وجد على الأرض نتيجة تطور استمر ملايين السنين.. وانتشر في مناطق مغطاة بالغابات يسلك سلوك الحيوانات الأخرى أي كان كائنًا غير عاقل.. والإنسان الذي تعلم التجريد ومشى فيه استمر إلى يومنا هذا والذي لم يُجرّد وبقي على العلاقة الطبيعية فقد انقرض، وهذا ما يسمى بالإنسان القديم الذي انقرض تدريجيًّا (شحرور، 1990، 289،290،312).
وتؤكد حقيقة إنجاز نيوتن وداروين وأينشتاين لنظرياتهم العلمية عبر منهج المشاهدة لظواهر الطبيعة والتجربة وإخضاعها للاختبار الدقيق للتحقق من صدقها وإثباتها (التي تختلف جذريًّا عن منهج الدين الذي يعتمد على التقوى والإيمان اليقيني دون تساؤل أو نقاش للحقيقة المطلقة الكامنة في النص عدا تأويلها لفهم ما ترمز إليه من معانٍ خفية يدركها ببصيرته الثاقبة العالم المتبحر في الدين) بطلان وعدم صحة حجة شحرور الأساسية ومجمل مشروعه الفكري الذي استند إليها. إذ ما زالت أفكاره تعتمد على إشكالية المطابقة التي تم دحضها وتفنيدها في القرن العشرين وقال عنها جورج طرابيشي "يعلن جاك أولمو في كتابه الفكر العلمي الحديث عن نهاية الحقيقة المطلقة من حيث هي سمة المطابقة التامة بين الفكر والواقع ويؤكد التحول الجذري الذي طرأ في القرن العشرين على تصور الحقيقة من خلال تجدد الفكر العلمي وانعتاقه من إشكالية المطابقة بين العقل والأشياء كما صاغتها السكولائية اللاتينية". (طرابيشي، 1996، 258).
وأدى تمسك شحرور برؤية العالم اللاهوتية وتعاليم المذهب الأشعري إلى رفضه فصل الدين عن الدولة في نظم حكم المجتمعات العربية الإسلامية، بالرغم من حقيقة أن العلمانية والعلم الحديث والتصنيع والتكنولوجيا حزمة واحدة لا تتجزأ في بنية الحداثة الثقافية وكانت السبب الرئيسي لإنجاز أوروبا نهضتها وتفوقها الحضاري على الشعوب المعاصرة لها. وبرر رفضه لفكرة فصل الدين عن الدولة بتصوره حدوث عدة نتائج سلبية تنجم عن تطبيقها ولم تتحقق في واقع الأمر في المجتمعات الإسلامية التي تبنتها مثل تركيا وإندونيسيا وماليزيا؛ الأمر الذي يعني دحضها وتهافتها. إذ زعم أن فصل الدين عن الدولة يعني عدم اهتمام الدولة بالبحث العلمي وتطوير مناهج التعليم والجامعات وأن فصل حدود الله عن الدولة يعني أن التشريع فيها غير متطور وعدم اكتراث الدولة بإجماع الأغلبية على التشريع المطروح وعدم عنايتها بقتل النفس وإشاعة الفاحشة إلى جانب إهمال الدولة وتجاهلها للآداب والنحت والنشاطات الرياضية. (شحرور، 1991، 720).
ينتمي المشروع الإصلاحي لمحمد شحرور إلى فكر رواد الحداثة الإسلامية مثل رفاعة الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده لاتفاقه معهم في الاعتماد على سلطة ومرجعية النص ومنح الأولوية للنقل والاعتقاد أن منهج التأويل كفيل باكتشاف أن الإنجازات العلمية للحضارة الحديثة ومنظومة قيمها مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان موجودة في الإسلام. (مثل تأويل محمد عبده للطير الأبابيل بأنه مرض الجدري وتأويل الجن والشياطين بأنها القوى النفسية المحركة للشهوات) ولا شك أن إغفالهم للفرق الجوهري بين الدين الذي يعتمد على التأويل والعلوم الطبيعية، التي تستند إلى العقل وليس النقل وعلى منهج مشاهدة الظواهر الطبيعية والاستقراء بهدف إنجاز النظريات والكشوف العلمية وما ينجم عنها من اختراعات تكنولوجية، قد كان أحد أسباب تعويق خطابهم لعملية النهضة وإدامة التأخر الحضاري.
د. امين حامد زين العابدين
استاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم .
المراجع
1- أبو زيد، نصر حامد، النص والسلطة والحقيقة وإرادة المعرفة، بيروت، 1995.
2- - شحرور، محمد، الكتاب والقرآن، دمشق، 1990.
3- شحرور، محمد، الدين والسلطة: قراءة معاصرة للحاكمية، بيروت، 2015.
4- - سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة حسن حنفي، القاهرة، 2017.
5- سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، بيروت، 2009.
6- طرابيشي، جورج، نظرية العقل، بيروت، 1996.
7- James, W. The Meaning of Truth, New York, 1909.
7-
#امين_حامد_زين_العابدين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟