محمد أحمد الصغير على عيد
الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 08:32
المحور:
ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
بقلم الأستاذ : محمد أحمد الصغير على عيد
باحث مصري مستقل
تنويه منهجي
تعتمد هذه الدراسة على المبادئ التالية: الاقتصار على المصادر العامة القابلة للتحقق؛ التمييز الصريح بين "الظاهرة الموثقة" و"العلاقة السببية التي لم تُثبت بعد" ؛ عدم مساواة أي معتقد ديني أو جماعة عرقية بالجريمة. الهدف هو فهم الظروف البنيوية التي تجعل الاستغلال ممكناً، لا إدانة أي جماعة بعينها.
---
الفصل الأول: تحديد المشكلة
1.1 الظاهرة
نشرت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بالعربية عام 2019 تحقيقاً استقصائياً سرياً استمر أشهراً، كشف عن نمط منهجي للاستغلال الجنسي في المدن الشيعية المقدسة في العراق (كربلاء، ومنطقة الكاظمية في بغداد): يستخدم بعض رجال الدين "الزواج المؤقت" (زواج المتعة) كغطاء شرعي لترتيب ممارسات جنسية بين رجال ونساء وفتيات في وضع هشاشة.
تشمل الحقائق الجوهرية للتحقيق:
· زار الصحفي المتخفي عشرة مكاتب زواج في الكاظمية، فوافق ثمانية منها على ترتيب زواج مؤقت.
· أجاب شيخ في كربلاء، عندما سُئل عن فتاة في التاسعة، بأن "من تجاوزت التاسعة، لا مشكلة"، موضحاً أنه طالما لم تُفضّ البكارة، فكل شيء آخر مباح.
· وافق شيخ في الكاظمية على إجراء مراسم لفتاة قيل له إنها في الثالثة عشرة عبر الهاتف، مقابل 200 دولار، دون أن يرى الفتاة أو أي من أفراد أسرتها.
· قدّم شيخ امرأة للصحفي المتخفي، مقابل 300 دولار للامرأة عن "زواج مؤقت" ليوم واحد، و400 دولار للشيخ نفسه.
روت شابة تُدعى "رسال" تجربتها: تودد إليها رجل، وأخذها إلى مكتب زواج في الكاظمية، حيث أجرى شيخ المراسم وأعطاها عقداً. لم تستطع قراءته لأنها لا تعرف القراءة. بعد أسابيع اختفى الرجل، واكتشفت أنه عقد زواج مؤقت محدد المدة.
1.2 السؤال المركزي
تطرح هذه الدراسة سؤالاً مركزياً: ما هي الظروف البنيوية التي تجعل هذا النمط من الاستغلال ممكناً ومستمراً؟
وتتفرع عنه أسئلة فرعية:
1. كيف ينتج الإطار القانوني والمؤسسي في العراق فراغاً في المساءلة؟
2. كيف تُحوَّل الهشاشة الاقتصادية إلى "عرض" للاستغلال الجنسي؟
3. كيف تُوظَّف المكانة المؤسسية للسلطة الدينية؟
---
الفصل الثاني: الإطار التحليلي
2.1 الاستعمار الداخلي
صاغ بابلو غونزاليس كاسانوفا عام 1965 مفهوم "الاستعمار الداخلي"، واصفاً بنية توجد داخل دولة مستقلة اسمياً، تقوم على علاقة هيمنة واستغلال بين جماعة (لها بنيتها الطبقية الخاصة) وجماعة أخرى (لها أيضاً بنيتها الطبقية الخاصة).
يشدد كاسانوفا على أن الاستعمار الداخلي لا يُختزل في علاقات الطبقة. يتعلق الأمر بـهيمنة منهجية لجماعة عرقية أو ثقافية على أخرى، تُصان عبر الفروق الثقافية واللغوية والاستبعاد المؤسسي.
في السياق العراقي، يحتاج هذا الإطار إلى تطبيق حذر: "المستعمَر" ليس طائفة أو جماعة عرقية بعينها، بل الطبقة المهمشة اقتصادياً، وغير المحمية قانونياً، وغير المسموعة مؤسسياً — بغض النظر عن انتمائها الطائفي.
2.2 العنف البنيوي
طرح يوهان غالتونغ عام 1969 مفهوم "العنف البنيوي"، ويعني عندما تؤدي البنية الاجتماعية نفسها إلى عدم تلبية الاحتياجات الأساسية للناس، فإن العنف يكون كامناً في البنية، حتى دون وجود فاعل محدد.
الحجة المركزية لغالتونغ: عندما يجعل توزيع الموارد والتصميم المؤسسي وترتيبات السلطة جماعات معينة في وضع أدنى بشكل منهجي، وهذا الوضع قابل للتفادي، فإن البنية نفسها عنف.
في هذه الدراسة، يتمثل العنف البنيوي في: قانون لا يحمي، واقتصاد لا يعطي، ومؤسسة لا تساءل.
---
الفصل الثالث: الفراغ المؤسسي في المساءلة
3.1 الإقصاء القانوني
الزواج المؤقت غير معترف به في القانون المدني العراقي، وهذا يعني:
· لا يُسجَّل الزواج في المحكمة، فلا تستطيع المرأة المطالبة بأي حق قانوني
· لا توجد إجراءات طلاق، لعدم وجود زواج قانوني
· لا نفقة، ولا حق إرث، ولا ضمان قانوني لرعاية الأطفال
في فبراير 2025، أقرّ البرلمان العراقي تعديلاً على قانون الأحوال الشخصية. يسمح التعديل للشيعة باختيار تطبيق "مدونة الأحوال الشخصية" الجعفرية بدلاً من قانون الأحوال الشخصية الموحد لعام 1959. أعدّت هذه المدونة "الهيئة العلمية" في الوقف الشيعي، ولم يكن أمام البرلمان سوى 30 يوماً لمراجعتها.
خلص تقييم هيومن رايتس ووتش في مارس 2025 إلى أن النص النهائي أبقى على الحد الأدنى لسن الزواج عند 18 سنة (أو 15 سنة بإذن قاضٍ) ، لكن التعديل مع ذلك "أنشأ فعلياً نظاماً قانونياً موازياً قائماً على الطائفة"، مخالفاً مبدأ المساواة في المادة 14 من الدستور. وحذّرت المنظمة تحديداً من أن التعديل قد يشرّع الزواج المؤقت، لأنه "لا يمنح المرأة أي حقوق اقتصادية أو قانونية بعد انتهاء الزواج".
3.2 فشل إنفاذ القانون
وثّق تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر لعام 2025 عيوباً بنيوية في نظام إنفاذ القانون العراقي:
· قاضي التحقيق يحتكر حق تحديد صفة الضحية: فقط قاضي التحقيق يستطيع، بأمر قضائي، أن يحدد رسمياً أن شخصاً ما ضحية اتجار ويحيله إلى خدمات الحماية
· شهادة الشاهد شرط لبدء التحقيق الجنائي: إن لم تقدّم الضحية شهادة، أو رأى القاضي أن الأدلة غير كافية، فقد يُرفض اعتبار الشخص ضحية اتجار، فيُحرم من خدمات الحماية
· الفساد ومشاركة مسؤولين: يذكر التقرير صراحة أن "الفساد ومشاركة المسؤولين في جرائم الاتجار بالبشر لا تزال مصدر قلق كبير"
في عام 2024، حددت وزارة الداخلية العراقية 223 ضحية اتجار، مقابل 335 في 2023. وفي إقليم كردستان، حُددت 73 ضحية، لكن لم تُحدد أي طفلة كضحية اتجار جنسي.
3.3 نتائج غياب المساءلة
عندما لا يعترف القانون بالزواج المؤقت، ولا يستطيع نظام إنفاذ القانون تحديد الضحايا وحمايتهم بفعالية، ويفلت الجناة من العقاب بسبب الفساد، يصبح فراغ المساءلة شرطاً بنيوياً للاستغلال.
هذه ليست "مشكلة ثقافية"، بل مشكلة تصميم مؤسسي.
---
الفصل الرابع: الهشاشة الاقتصادية كـ"آلية عرض"
4.1 بيانات الفقر البنيوي
في تحقيق BBC، أشار ناشط عراقي في مجال حقوق الإنسان إلى أن نحو مليون امرأة عراقية فقدت أزواجها أو شُرّدت بسبب الحرب، وكثيرات قبلن الزواج المؤقت بسبب الحاجة الاقتصادية.
تعكس حالة "رسال" هذه الآلية: كانت تعيل أختها وحدها، وراتبها لا يكفي، وعندما أظهر رجل "اهتماماً" وعرض الزواج، رأت فيه طريقاً للهروب من الفقر. لم تكن تعلم أن العقد محدد المدة، لأنها لا تعرف القراءة.
4.2 آلية تحويل "الهشاشة إلى استغلال"
الآلية البنيوية الجوهرية هي: تحويل الهشاشة الاقتصادية بشكل منهجي إلى إتاحة جنسية.
لا يحتاج هذا إلى "شبكة تجنيد" منظمة لتعمل. فعندما تفقد أعداد كبيرة من النساء، بسبب الحرب أو التهجير أو تفكك الأسرة، سندها الاقتصادي، ولا يوفّر القانون أي حماية، فإن آلية السوق نفسها تنتج العرض.
في تحقيق BBC، قال رجل متزوج يمارس الزواج المؤقت بانتظام: "الفتاة في الثانية عشرة تُعتبر مكافأة، لأنها صغيرة، لكنها أيضاً **أغلى". وقدّر أن شيخاً واحداً يستطيع أن يكسب من زواج مؤقت واحد ما بين 500 و800 دولار.
هذا ليس "ثقافة فقر"، بل ظروف الفقر البنيوية التي يُستغَلّ وجودها.
---
الفصل الخامس: توظيف السلطة الدينية
5.1 المكانة المؤسسية
في جنوب العراق، تتمتع السلطة الدينية الشيعية (خاصة في النجف وكربلاء) بـقوة اجتماعية مؤسسية. فالشيخ ليس فقط مرجعاً دينياً، بل هو حَكَم ومنفّذ لعقود الزواج.
عندما يتبنى بعض الشيوخ شرعية "الزواج المؤقت"، يُنشأ سوق زواج موازٍ، حيث:
· إبرام العقد لا يحتاج تسجيلاً حكومياً
· الشيخ هو المنفّذ والشاهد الوحيد
· الوضع القانوني للمرأة يعتمد كلياً على حسن نية الشيخ
تكشف سلوكيات الشيوخ التي وثّقها تحقيق BBC — من الموافقة على إجراء مراسم لفتاة في الثالثة عشرة دون رؤية أسرتها، إلى "تقديم" امرأة لرجل مقابل أجر — أن المكانة المؤسسية للسلطة الدينية تُوظَّف كوسيط للاستغلال.
5.2 حدود يجب توضيحها بدقة
يجب إجراء تمييز صارم:
هذه ليست "مشكلة شيعية". فقد أدان مكتب آية الله العظمى السيستاني هذه الممارسات صراحة، ووصفها بـ"الاتجار بالجنس" و"انتهاك كرامة المرأة". كما أصدر مجلس القضاء الأعلى توجيهاً بشأن المدونة الجديدة، مشدداً على عدم تجاوز حدود الشريعة الإسلامية، خاصة في مسألتي الحد الأدنى لسن الزواج وتعدد الزوجات.
هذه مشكلة فساد سلطة: عندما تتحد المكانة المؤسسية للسلطة الدينية مع فراغ المساءلة، يستطيع بعض الأفراد استغلال هذه المكانة، بينما المؤسسة ككل عاجزة عن منعهم أو معاقبتهم لغياب الرقابة.
---
الفصل السادس: إعادة تقييم العوامل الخارجية
6.1 حول "المسؤولية المباشرة لإسرائيل/أمريكا"
لا توجد أدلة قابلة للتحقق على مشاركة إسرائيل أو أمريكا مباشرة في شبكات استغلال الزواج المؤقت في جنوب العراق.
تحقيق BBC، وتقرير وزارة الخارجية الأمريكية، وتقارير هيومن رايتس ووتش لا تذكر أي فاعل أجنبي شارك مباشرة في هذه الظاهرة بعينها.
عزو هذه الظاهرة إلى "مؤامرة صهيونية-أمريكية" لا أساس له في المصادر العامة القابلة للتحقق. هذا العزو ضار تحليلياً، لأنه يُشتّت الانتباه عن الأسباب البنيوية الحقيقية، ويوفر غطاءً لمن يستخدمون السردية الطائفية للتهرب من المساءلة.
6.2 الدور المحدود لكن الحقيقي للعوامل الخارجية
التدخلات العسكرية الخارجية والعقوبات فاقمت الظروف البنيوية التي تجعل الاستغلال ممكناً:
· انهيار الدولة بعد 2003 وسياسة اجتثاث البعث خلقتا فراغاً مؤسسياً
· عدم الاستقرار المستمر والتهجير أنتجا أعداداً كبيرة من النساء الهشّات اقتصادياً
· الآثار الاقتصادية للعقوبات والحروب أضعفت قدرة الأسرة والمجتمع على الحماية
لكن هذه عوامل غير مباشرة وبنيوية، وتختلف جوهرياً عن العلاقة السببية المباشرة. يجب على المنهج الحفاظ على هذا التمييز، وإلا انزلق من التحليل البنيوي إلى نظرية المؤامرة.
---
الفصل السابع: الخاتمة
7.1 تلاقي الظروف البنيوية
الاستغلال الجنسي في إطار الزواج المؤقت في جنوب العراق هو نتاج تلاقي الظروف البنيوية التالية:
1. الإقصاء القانوني: الزواج المؤقت غير معترف به مدنياً، فلا تملك المرأة أي وسيلة قانونية
2. فشل إنفاذ القانون: قاضي التحقيق يحتكر تحديد الضحية، والفساد يُفلت الجناة
3. الهشاشة الاقتصادية: الحرب والتهجير أنتجا أعداداً كبيرة من النساء المحتاجات لوسيلة بقاء
4. توظيف السلطة الدينية: بعض الشيوخ يستخدمون مكانتهم المؤسسية كوسطاء للاستغلال
5. فراغ المساءلة: التصميم المؤسسي نفسه يمنع التدخل الفعال
7.2 دلالات التحليل
فهم هذه الظاهرة كـعنف بنيوي، لا كـ"عيب ثقافي" ولا كنتيجة "مؤامرة"، له دلالات عملية مباشرة:
إذا كانت المشكلة بنيوية، فالحل يجب أن يكون بنيوياً.
وهذا يعني:
· تعديل القانون بحيث تُسجَّل جميع أشكال الزواج في الدولة، وتُمنح المرأة حقوقاً قانونية قابلة للتنفيذ
· إصلاح نظام إنفاذ القانون بحيث لا يعتمد تحديد الضحية على تقدير قاضٍ واحد
· إنشاء شبكات أمان اقتصادي، بحيث لا يعتمد بقاء المرأة على إتاحتها الجنسية
· إنشاء آليات رقابة مؤسسية على السلطة الدينية، بدلاً من الاعتماد على "حسن نية" شيوخ أفراد
7.3 كلمة أخيرة
الموقف الجوهري لهذا التحليل هو: الضحايا — بغض النظر عن أعمارهن أو جنسهن أو خلفياتهن — هم مركز التحليل. أي إطار تفسيري ينتهي إلى تعتيم مسؤولية الجناة، أو وصم جماعة بأكملها، هو إطار فاشل.
فساد السلطة الدينية ليس مشكلة الدين، بل مشكلة غياب المساءلة عن السلطة. الهشاشة الاقتصادية ليست عيباً أخلاقياً للفقراء، بل تعبير عن عنف بنيوي. التدخل الأجنبي ليس جواباً على كل شيء، بل عامل يحتاج إلى تحليل دقيق، لا إلى تفسير وحيد.
---
المراجع
· BBC Arabic, تحت الغطاء مع الشيوخ: تجارة الجنس السرية في العراق (2019)
· Zena Al Safar, Temporary Marriage in Iraq: Views and Perceptions, Minnesota State University, Mankato (2025)
· مجلس القضاء الأعلى العراقي، تحليل تعديل قانون الأحوال الشخصية (2025)
· Human Rights Watch, Iraq: Personal Status Law Amendment Sets Back Women s Rights (2025)
· U.S. Department of State, Trafficking in Persons Report: Iraq (2024, 2025)
· Johan Galtung, Violence, Peace, and Peace Research, Journal of Peace Research (1969)
· Pablo González Casanova, Internal Colonialism and National Development (1965)
· Rudaw Arabic، تحليل تقرير الاتجار بالبشر الأمريكي لعام 2025 (2025)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟