أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عدي حاتم - تفكيك السيادة وتصفية المواطنة: قراءة في المآلات الدستورية والفقهية ل -المدونة الجعفرية-















المزيد.....

تفكيك السيادة وتصفية المواطنة: قراءة في المآلات الدستورية والفقهية ل -المدونة الجعفرية-


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 20:33
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لعل مقولة المفكر الإيرلندي إدموند بيرك : "القانون السيء هو أسوأ أنواع الاستبداد"، هو أبلغ تعبير عن الواقع التشريعي والقانوني الملتبس في عراق تم تفكيكه طائفيا وعرقيا إثنيا. تتجلى هذه الحكمة اليوم بكامل ثقلها وتأثيراتها التاريخية والسياسية في العالم العربي، وبصورة أكثر حرجا بعد أن تحول إقرار ما سمي بـ "المدونة الجعفرية" وتعديلات قانون الأحوال الشخصية، "التي أُقرت ودخلت حيز التنفيذ رسمياً في العراق خلال عام 2025" ، من مجرد مسودات ومساع مثيرة للجدل إلى واقع تشريعي نافذ ومفروض بقوة القانون. فهذه القضية لم تعد مجرد صدمة أخلاقية وإنسانية عنيفة تخلفها نصوص تراثية وفقهية بالية تشرعن انتهاك أقدس ما تملكه المجتمعات إلا ووهي براءة الأطفال عبر فتاوى تسوغ تزويج القاصرات و"الاستمتاع بالرضيعة"،
هذه المسألة أصبحت رسمياً معركة وجودية حُسمت لتبتلع كيان الدولة الوطنية وبنيتها الدستورية الأساسية لإنها إحلال عملي لسلطة المرجع الديني محل سلطة الدولة، وتصفية معلنة لمفهوم المواطنة الموحدة المتساوية لصالح كانتونات مذهبية تديرها مرجعيات عابرة للجغرافيا والسيادة الوطنية ولها خلفيات وجنسيات متباينة تماما.
لقد أستند الذين مرروا هذا التحول التشريعي الخطير من تفكيك وتوظيف غير بريء لبعض البنود الدستورية الملغومة، وعلى رأسها المادة 41 من الدستور التي تنص على أن (العراقيين أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم). وبالعودة إلى الرصد التاريخي الدقيق لكيفية صياغة هذه المادة إبان كتابة الدستور عام 2005، نجد أنها ولدت في لحظة استقطاب سياسي وطائفي حاد، حيث فرضتها قوى الإسلام السياسي الشيعي المتمثلة آنذاك في "الائتلاف العراقي الموحد" بالتوافق مع قوى دينية محافظة أخرى، متأثرة بالرغبة في نقض الإرث القانوني التحديثي للدولة العراقية وتفكيك القضاء المدني الموحد المتمثل في قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959. ومما لا شك فيه فإن تفعيل هذه الأرث الدستوري الملتبس اليوم يضرب في الصميم المادة الـ 14 من الدستور ذاته، والتي تقر صراحة بتساوي العراقيين أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو المذهب. ومن البديهي القول إن منح الشرعية لديواني الوقفين الشيعي والسني بصياغة مدونات قانونية مستقلة ومقرة هو بمثابة تفتيت رسمي للعدالة وإلغاء لمبدأ المواطنة، لاسيما وان حقوق المرأة في الطلاق والحضانة والميراث وحماية جسد الطفلة من الانتهاك أصبحت تحت مسمى الزواج الشرعي، خاضعة لقرار مذهبي مستقل وليس حقا ثابتا ومكفولا من الدولة ومؤسساتها التشريعية والقضائية الموحدة.
وعند تفكيك هذه المدونة التي أصبحت أمرا واقعا بموجب العددين 4814 و4843 من جريدة الوقائع العراقية الرسمية، يظهر حجم الانتهاك الصارخ والمباشر للنصوص الحقوقية والمواثيق العالمية التي وقّعت عليها الدولة العراقية وألزمت نفسها بها أخلاقيا وقانونيا. فمثل هذه التشريعات الدينية المذهبية المقرة تخرق علناً اتفاقية حقوق الطفل الدولية (UNCRC) لعام 1989 وتحديدا المادة الأولى منها التي تعرّف الطفل بأنه "كل إنسان لم يبلغ الثامنة عشرة"، والمادة الثالثة التي تلزم الدول بجعل "المصلحة الفضلى للطفل" اعتبارا أساسيا في جميع الإجراءات التشريعية والقضائية.
كما إن إباحة تزويج القاصرات أو تسويغ الممارسات الاستمتاعية بالرضيعة بموجب المدونة سيئة الصيت النافذة لا يدمر المصلحة الفضلى للطفل فحسب بل يمثل انتهاكا صارخا و مباشرا للمادة الـ 19 من الاتفاقية التي توجب حماية الطفل من كافة أشكال العنف والضرر والاعتداء البدني والجنسي والإهمال أو المعاملة المنطوية على الإساءة أو الاستغلال. كما يمثل هذا التقنين المذهبي تراجعا حادا وخرقا لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) لا سيما المادة الـ 16 منها التي تضمن للمرأة نفس الحقوق في عقد الزواج وفي فسخه وتمنع زواج الأطفال، مما يضع العراق كدولة في عزلة حقوقية وقانونية أمام المجتمع الدولي نتيجة رهنه كرامة أطفاله ونسائه لفتاوى خارجة عن العصر وعابرة للجغرافية الوطنية.
وعند وضع هذا التراجع التشريعي العراقي في ميزان السياسة الإقليمية المقارنة، تبرز معالم الأزمة السيادية بشكل أعمق ففي الحالة المصرية على سبيل المثال يعيش المجتمع تحت وطأة ثنائية مذهبية ودينية ممتدة، حيث يقع المسلمون تحت مظلة الأزهر والمسيحيون تحت سلطة الكنيسة في شؤونهم العائلية وأحوالهم الشخصية الخاصة. ومع ذلك فإن الدولة المصرية احتفظت بزمام السيادة العليا وهيكل المواطنة الحذر عبر إجراءات أمنية وسياسية بالغة الدقة فالمخابرات المصرية وجهاز الدولة السيادي هما الجهتان المنوط بهما إعطاء التوصية المباشرة لتعيين شيخ الأزهر أو بابا الكنيسة، قبل أن يُصدر رئيس الجمهورية مرسوما رئاسيا يكرس التعيين والولاء الكامل لمنطق الدولة وقوانينها السيادية الحاكمة. أما في نمط التعديلات المذهبية التي أُقرت العام الماضي، فإن الدولة العراقية قد تم دفعها نحو تنازل طوعي وخطير عن سلطتها الحمائية والتشريعية وسلمت مواطنيها تسليما مطلقا لرجال دين وفقهاء محليين وإقليميين، تتباين خلفياتهم الفكرية والسياسية وجنسياتهم، ليمارسوا سلطة "الولي المطلق" على الأفراد والأسرة ومن ثم المجتمع وحتى الدولة، وبذلك فانها تضحي بكيانها القانوني المدني لحساب النفوذ المذهبي السائب وتجعل من مواطنيها أدوات في مشاريع إقليمية ودولية.
كما ان هذا التراجع التشريعي الخطير لم يكن يوما محل إجماع داخل الأروقة الدينية ذاتها، فالمرجع الأعلى السيد علي السيستاني كان ضدها ، لكن إيران ومن خلال ضغوط مباشرة من وليها السابق علي خامنئي وتبني من قبل الشيخ محمد اليعقوبي ( يؤمن بولاية الفقيه والاسلام السياسي ومؤسس والمرجع الروحي لحزب الفضيلة الإسلامية )، وجماعة الحكيم وحزب الدعوة بزعامة نوري المالكي وتيار الإسلام السياسي الموالي لولاية الفقيه الإيرانية ، هم من كانوا خلف أصدرا وتبني هذه المدونة، التي واجهت رفضا أخلاقيا وعلمياً صارماً من داخل المؤسسة الفقهية الشيعية المناوئة لولاية الفقيه وللإسلام السياسي التي طالما حذرت من جمود النصوص وانحراف المقاصد الإنسانية.
ومسألة الاستمتاع بالصغيرة وحدود ولاية الأب على أبنته لم يكن محل أجماع من فقهاء الشيعة لاسيما في حوزة النجف التي تعتبر الأم لجميع الحوزات الشيعية في العالم ، ولعل من من أبرز هؤلاء الفقهاء الكبار، الميرزا علي الغروي( إغتاله نظام صدام عام 1998 )، الذي عارض بصرامة علمية فائقة الفتاوى التي تبيح الاستمتاع الجنسي بالصغيرات، مؤكداً في أبحاثه الفقهية أن ولاية الأب أو الولي على القاصر مقيدة ومشرعنة بشرط جوهري واحد لا ينفك عنها، وهو: "تحقيق المصلحة المحضة للصغيرة"، وبما أنه لا توجد أي مصلحة عقلائية أو جسدية أو نفسية في تعريض الرضيعة أو الطفلة للاستمتاع، فإن هذه الأفعال تصبح من المنظور الفقهي السليم أفعالاً "سفهية وحيوانية" تتنزه عنها الطباع السوية وتخرج تماماً عن مراد الشارع. اما المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله وهو من خريجي حوزة النجف ومن طلاب السيد أبو القاسم الخوئي فقد اعتبر أن "عقد الزواج على الصغيرة باطل ومنكر"، مستندا إلى أن "معيار البلوغ ليس بيولوجيا صرفا بل يرتبط بالوعي والرشد العقلي والقدرة على الاختيار". ويذهب السيد فضل الله الة ان " حماية كرامة الفرد وصيانة الطفولة هما عماد المنظومة الأخلاقية للدين".
وعلى الجميع إدراك وفهم حقيقة إن الفقه هو ليس إلا اجتهاد بشري متبدل ونتاج سياقات تاريخية وثقافية بائدة، وليس وحيا سماويا منزلا يملك القداسة المطلقة. لقد صِيغت تلك الفتاوى والمدونات التراثية القديمة في عصور خلت، كانت تنظر للأسرة وعناصرها الأضعف من منظور النفعية والملكية المادية الصرفة. واليوم، فإن الخطر الأكبر الذي يهدد المجتمعات العربية والمسلمة هو بقاء هذه الرؤية الفقهية التقليدية حبيسة جمود المؤسسات الدينية الرسمية وسعيها لابتلاع سلطة الدولة المدنية الموحدة. كما إن أي منظومة تشريعية تعجز بفعل الجمود أو الولاء العابر للحدود عن حماية طفل رضيع من الانتهاك المغلف بالشرعية أو تتقاعس عن صون حقوق المرأة كمواطن كامل الأهلية، لا تفقد أهليتها ومصداقيتها الأخلاقية أمام الضمير الإنساني المعاصر فقط، بل ستعرض وطنها لخطر التفكك والضياع. لذلك فالدول العربية والمسلمة لاسيما العراق تقف جميعها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العودة لشجاعة المراجعة النقدية العميقة وإحكام سيادة القوانين المدنية الموحدة الكافلة لكرامة الفرد عبر ضغط مدني وحقوقي مستمر، أو الاستسلام الكامل لسلطة الاستبداد الفقهي التي ستؤدي حتماً إلى تآكل نسيج المواطنة والانهيار الاجتماعي الشامل.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رومي شنايدر الخسارة التي لم تعوضها السينما العالمية حتى اليو ...
- ما الحب؟ إنه الحب!
- غِراس النار: كيف مهدت -الحملة الإيمانية- في التسعينيات لانفج ...
- مُشرّح الخراب الإنساني: لِمَ فؤاد التكرلي هو المعيار الأقوى ...
- في قبضة العبث: شهادة من قاع المأساة العراقية
- غياب الأمان وظلال الفقد
- معادلة هرمز وباب المندب: هل ينجو -عرّابو طهران- في بغداد من ...
- إلى أبي.. لا أعرف أيُّنا هو الميت
- قيثارة الألم الصامتة: مرآة الأخ المفقود
- العراق بين السيادة الوطنية والوصاية الإيرانية: صراع الدولة و ...
- عقوبة الإعدام في وطن حمورابي ….العراق من نور العدالة الى وحش ...
- كتب ممزقة ومدارس طينية... رحلة انهيار العقل العراقي بين مطرق ...
- المبدعون لا يموتون.. إنهم يرحلون إلى خلودٍ دائم: وداعاً صلاح ...
- سينما فلسفية متمردة ونهايات مفتوحة: كيف حمت باريس كينونة الف ...
- الشماتة: جروح الدونية المكتومة
- الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . الع ...
- مقامرة السيادة وتبديد المقدرات..... قراءة في الإرث الجيوسياس ...
- بين بريق التلفزيون وهجران السينما... لماذا تستحق ميلاني مودر ...
- في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن
- مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صك ...


المزيد.....




- هل ظهر التوحيد مع ظهور الدولة المركزية ولماذا لا ينطبق ذلك ع ...
- بابا الفاتيكان يعلن عن إجراء عملية جراحية لإزالة ورم رئوي.. ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتل ...
- وثيقة تكشف دور الحمائل المحلية في فلسطين في المشاركة والمساه ...
- الإسلامية المسيحية تحذر من خطورة تقويض الحضور الدبلوماسي الأ ...
- -لن نكون أمة تحت محمد-.. مغن أمريكي يهاجم الإسلام بتجمع انتخ ...
- إلغاء زيارة وفد يهودي إلى إيطاليا بعد طلب إدانة جرائم إسرائي ...
- شروط خطبة الجمعة وأهم أحكامها في الشريعة الإسلامية
- البابا يدين عقوبة الإعدام ويعتبرها -انتهاكا لكرامة البشر- وا ...
- ذعر في بنما.. زلزال بقوة 7.7 درجات يضرب البلاد ويتسبب بانهيا ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عدي حاتم - تفكيك السيادة وتصفية المواطنة: قراءة في المآلات الدستورية والفقهية ل -المدونة الجعفرية-