مسعد عربيد
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 10:04
المحور:
القضية الفلسطينية
• متابعة: دور الصهيونية المسيحية في تحول الصهيونية من "فكرة دينية" ... إلى "مشروع استعماري - استيطاني"
• تلاقي البروتستانتية مع الإمبريالية (الجزء الأول)
مدخل
سنتناول في هذا الفصل العلاقة بين البروتستانتية (وتأثيراتها الدينية والسياسية في صياغة وتطور الصهيونية المسيحية) والإمبريالية، ودعم الأولى لأجندة الثانية وأهدافها، سنتناولها من زاويتين:
أ) أثر القيّم البروتستانتية في نشأة الرأسمالية ومراحل تطورها وصولاً إلى المرحلة الإمبريالية في أواخر القرن التاسع عشر. وفي هذا السياق نعرض بإيجاز لآراء ماكس فيبر لما لها من علاقة بهذه المسألة.
ب) دعم البروتستانتية للمصالح الإمبريالية في فلسطين وسورية الكبرى، ودورها منظماتها ومؤسساتها في تبرير السياسات والممارسات الاستعمارية.
ولكن، قبل الدخول في مناقشة العلاقة، يحسن بنا أن نقدم مدخلاَ يمهد للفهم التاريخي والموضوعي لهذه العلاقة، وهو ما نتناوله في العناوين التالية:
- تزامن البروتستانتية مع التوسع الأوروبي
- توظيف الدين في السياسية
- آليات استخدام الدين في الحالة البروتستانتية
- أطروحة ماكس فيبر حول علاقة البروتستانتية بالرأسمالية
▪️▪️▪️
تزامن البروتستانتية مع التوسع الأوروبي
كانت الرأسمالية، في مرحلة المركنتالية (التجارية) المبكرة من التطور الرأسمالي، والتي امتدت تقريباً من القرن الرابع عشر إلى القرن الثامن عشر، كانت موجودة قبل حركة الإصلاح البروتستانتي، فقد امتلكت دويلات المدن الإيطالية، مثل فلورنسا والبندقية، على سبيل المثال، أنظمة مصرفية وتجارية متطورة.
ولكن العلاقة بين البروتستانتية والحكومات الاستعمارية الأوروبية وأطماعها الإمبريالية والتوسعية، أخذت تتشكّل منذ القرن السادس عشر، أي منذ بزوغ الحركة البروتستانتية (لوثر وكالفن) الذي تزامن مع عصر الاكتشافات وانخراط الدول الأوروبية، مثل هولندا وإنكلترا وألمانيا، في الفتوحات والتوسع الاستعماري. وبالتالي، تداخل الدين مع المصالح الاقتصادية والسياسية لهذه الدول، وأخذت البروتستانتية تلعب دورًا داعمًا ومشاركًا في التوسع الإمبريالي في العديد من بلدان العلم خصوصًا في آسيا وافريقيا.
ومنذ انتشار الحركات البروتستانتية ومؤسساتها الدينية، واتساع رقعة طوائفها، وتصاعد تأثيرها في السياسة والمجتمع، عملت هذه على توفير الشرعية الدينية والأخلاقية للاستعمار، واقترنت مشاريع التنصير (اعتناق المسيحية) و"التحضير" (نشر الحضارة) بالتوسع الاستعماري في العديد من المستعمرات.
توظيف الدين في السياسية
بدايةً، لا بد من التنويه إلى أن استخدام القوى الاستعمارية للدين في تبرير التوسع الإمبريالي ودعمه، لم يكن حكراً على البروتستانتية، بل سبقتها في هذا المضمار الكنيسة الكاثوليكية التي دعمت هذه القوى في التوسع الاستعماري بوصفه وسيلة لنشر المسيحية والحضارة بين الشعوب المستعمَرة "المتخلفة"، وبررت جرائمها ومشاريعها الاستعمارية، لا سيما إسبانيا والبرتغال وفرنسا. كما أن الصهيونية اليهودية استخدمت الديانة اليهودية والأساطير والخرافات التوراتية لتبرير مشروعها في استيطان فلسطين وجذب الآلاف من يهود أوروبا للهجرة إليها.
ولكن بغض النظر عن الاختلاف بين هذه الحالات، الكاثوليكية والبروتستانتية واليهودية، لا بدّ من التوضيح أن القوى الاستعمارية تقيم علاقاتها وسياساتها على أسس لا لبس فيها وهي: حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية في سبيل الوصول إلى الثروان الطبيعية والأسواق والأيدي العاملة الرخيصة في البلدان المستعمَرة، أمّا الدين (العقيدة والمؤسسة) فيُستخدم كأداة وذريعة لتبرير هذه المصالح والسياسات.
بيت القصيد أن الدين، في تشابك علاقته مع القوى الإمبريالية الغربية، كان عنصراً واحداً ضمن منظومة أكبر من العوامل والدوافع المتعددة، وعلى رأسها كما ذكرنا المصالح الاقتصادية والسياسية، والتنافس بين الدول الاستعمارية وغيرها من العوامل بما فيها القومية والعرقية والأيديولوجية. ومن هنا فإن توظيف العامل الديني، في حين أنه يعيننا على فهم علاقة المؤسسة الدينية بالإمبريالية ومشاريعها، فإنه لا ينفي العوامل الاقتصادية والسياسية، بل يسخر الدين في خدمتها.
آليات استخدام الدين في الحالة البروتستانتية
استخدمت القوى الإمبريالية وحكوماتها الدين في تبرير سياساتها في فلسطين وغيرها من البلدان المستعمَرة في عدة مستويات أهمها مستويان:
1) المستوى الرسمي: ففي العديد من الدول الاستعمارية كانت الكنائس البروتستانتية الرسمية ترتبط هيكلياً بالحكومة، وكانت المؤسسة الدينية والكهنوت والمدارس تسهم في ترسيخ النظام الاجتماعي الاستعماري وإعادة إنتاجه في المجتمعات الأوروبية.
2) المستوى الشعبي: حيث تنتشر البعثات والجمعيات التبشيرية في مختلف أنحاء الأراضي الخاضعة للدول الاستعمارية، وتعمل من خلال الأنشطة التبشيرية، بالإضافة إلى التعليم والطباعة والرعاية الصحية، ما منحها علاقة مباشرة ووثيقة بالسكان المحليين في تلك البلدان. ومن أمثلة ذلك مثل "جمعية تبشير الكنيسة" (Church Missionary Society) التي تأسست في عام 1799 في لندن على يد مجموعة من الإنجيليين، و"جمعية لندن التبشيرية" (London Missionary Society) التي أسستها في لندن عام 1795 مجموعة من رجال الدين والعلمانيين من مختلف الطوائف المسحية بما فيها الإنجيلية وغيرها.
أطروحة ماكس فيبر حول علاقة البروتستانتية بالرأسمالية
كانت دراسة العلاقة بين البروتستانتية والرأسمالية من أبزر إسهامات عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864-1920) Max Weber الذي فقد طوّر أهم آراءه في كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" (1905). وقد شرح في عمله هذا العلاقة بين البروتستانتية والدوافع الاقتصادية التي ألهمت ظهور الرأسمالية، وأولى اهتماماً خاصاً بتفسير نشأة "الروح" الرأسمالية، وهي منح العمل معنى دينيًا من المنظور البروتستانتي والتوجه نحو تحقيق الربح والتراكم الرأسمالي.
قد لا يتفق الجميع على أطروحة فيبر، ولكنه من المؤكد أنه أثار جدلاً هامًا، تاريخياً واجتماعياً. ففي حين يرى مؤيدوه أن المجتمعات البروتستانتية قد رسّخت عاداتٍ وقيم تتماشى مع مصالح النظام الرأسمالي، يشير منتقدوه إلى أنه بالغ في تقييم دور البروتستانتية، وأن الرأسمالية تطورت في المجتمعات الكاثوليكية والبروتستانتية على حد سواء، وأن العوامل الاقتصادية والتكنولوجية وسياسية من شأنها أن تفسر ذلك.
ولكن، على الرغم من اختلاف الآراء حول تقييم فيبر لدور البروتستانتية في تطور الرأسمالية، إلاّ أن أهميتها تكمن في أنها تقارب بين بعض العقائد والطوائف البروتستانتية من جهة، والمشاريع الاقتصادية الرأسمالية، من جهة أخرى.
الركائز الفكرية لأطروحة فيبر
يمكننا تكثيف جذور أفكار فيبر في عقيدتين أساسيتين:
1) مفهوم "الدعوة" (أو الرسالة): إذ نظر البروتستانت إلى العمل العادي باعتباره دعوة أو رسالة من الله. وبدلاً من اعتبار الحياة الدينية منفصلة عن العمل، أصبح بإمكان الناس إظهار التزامهم الديني من خلال العمل والانضباط والإدارة الحكيمة للموارد والزهد والادخار. وهكذا، اكتسب العمل الاقتصادي دلالة دينية، ولم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد وسيلة لكسب العيش والمال، بل كنشاط ذي قيمة أخلاقية. وقد شددت بعض التقاليد البروتستانتية، ولا سيما الكالفينية، على هذه العقيدة، وكان هناك الكثير من المبشرين البروتستانت الذين اعتبروا الثروة المادية علامة على النعمة الإلهية وأن اكتساب الثروة يعتبر طموحًا يؤيده الله.
2) القدر المحتوم أو المصير الحتمي" (Predestination): وهو اعتقاد سياسي وفكري ظهر في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر، ومفاده أن خلاص البشر (والفرد) مُحدّد مسبقاً من قِبَل الله، أي أن الله قد حدّد مسبقًا مصير البشر من حيث الخلاص والحياة الأبدية. لكن من المهم التوضيح أن البروتستانتية ليست مذهبًا واحدًا متجانسًا، فهناك عدة اختلافات بين الكنائس والتيارات اللاهوتية البروتستانتية في فهم هذه العقيدة، ولا سيما في العلاقة بين إرادة الله وحرية الإنسان.
وقد رأى فيبر أن هذا الاعتقاد قد يولد قلقاً نفسياً لدى الفرد، إذ يمكن تفسير النجاح الاقتصادي على أنه إشارة محتملة للرضا الإلهي، رغم أن فيبر لم يزعم أن جميع الكالفينيين يعتقدون أن "الثراء يعني الخلاص".
أبرز أفكار فيبر
1) رأى فيبر أن البروتستانتية، لا سيما علم اللاهوت الكالفيني، شكّلت حافزًا لصعود الرأسمالية، إذ لاحظ أنها تهتم بالحياة المالية والتجارية، لذا اعتبرها أقرب للرأسمالية من المسيحية الكاثوليكية التي كانت "أكثر انفصالاً عن العالم المادي".
2) لم يزعم فيبر أن البروتستانتية هي التي تسببت في ظهور الرأسمالية، بل كان يدرك أن لتطور الرأسمالية أسباباً اقتصادية وسياسية وتقنية. ولكن جوهر أطروحته يكمن في أن هناك علاقة تاريخية بين أفكار دينية محددة، وبين تطور "الروح الاقتصادية الرأسمالية". بعبارة أوضح، رأى فيبر أن أفكاراً وقيمًا دينية بروتستانتية معينة، أسهمت في خلق بيئة ثقافية مواتية لتعزيز أخلاقيات أو عقلية محددة متوافقة مع تراكم رأس المال ودعم التطور الرأسمالي، وساعدت في بزوغ "روح الرأسمالية" وإضفاء الشرعية على المواقف والممارسات الرأسمالية وأطماعها الجشعة. ومن أهم هذه القيم والمعتقدات تلك المرتبطة بـ الكالفينية والبيوريتانية (التطهرية)، وما تفرضه من أشكال معينة من الانضباط الديني البروتستانتي، لا سيما مفهوم "الدعوة" السابق الذكر والعمل الجاد والانضباط الذاتي والزهد والاقتصاد في النفقات.
3) من وجهة نظر فيبر، أن بعض القيم البروتستانتية في ضبط النشاط الاقتصادي وتحويل العمل إلى دعوة ذات مغزى ديني وأخلاقي، هذه القيّم أثّرت في التنمية الاقتصادية الرأسمالية، ولكن دون أن يعني ذلك أن البروتستانتية كانت سبب نشوء الرأسمالية لمجرد أن "أخلاقًا بروتستانتية" معينة كانت متوافقة مع الرأسمالية الناشئة آنذاك.
4) أدرك فيبر أن الدوافع الدينية، التي ساعدت في خلق سلوك رأسمالي منضبط، قد تتلاشى مع مرور الوقت، بينما يستمر النظام الرأسمالي الذي ساعدت تلك المعتقدات في تطويره. وقد ينتهي المطاف بالناس إلى العمل ضمن هذا النظام لأنهم مضطرون لذلك، لا بدافع المعتقدات الدينية. وما يؤكد هذا الرأي، وهي مفارقة لافتة، أن الشبكات الدينية التي أسستها البروتستانتية البريطانية في البلدان المستعمَرة، بقيت عاملة وفعّالة حتى بعد انهيار الإمبراطورية البريطانية، وتحولت إلى حركات معاصرة تؤثر في صنع القرار السياسي حيال فلسطين والوطن العربي، على سبيل المثال، لا سيما من خلال الدعم الإنجيلي الأميركي والأوروبي.
#مسعد_عربيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟