أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود السلمان - هؤلاء علوني: الرصافي(20)














المزيد.....

هؤلاء علوني: الرصافي(20)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 10:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تعلّمت من معروف الرصافي الشجاعة والإقدام في مواجهة الأفكار السائدة، وتعلّمت منه أن التاريخ ليس نصًّا مقدّسًا لا يجوز الاقتراب منه، ولا روايات تُستقبل بالتسليم المطلق، بل هو مجال واسع للبحث والتمحيص والنقد والتحليل. فالحقيقة لا تُدرك بمجرد تكرار ما قاله السابقون، وإنما بمحاولة فهم الأحداث في سياقاتها، وإخضاع الروايات للعقل، والتمييز بين ما تثبته الأدلة وما رسّخته العادة والتقاليد.

لقد كان الرصافي من أولئك الذين امتلكوا الجرأة على طرح الأسئلة الصعبة، ولم يكتفوا بما استقر في الوعي الجمعي من مسلّمات. وهذه الجرأة لا تعني الرفض لمجرد الرفض، ولا اتخاذ موقف معادٍ للموروث، بل تعني امتلاك الشجاعة الفكرية اللازمة لمراجعته، والبحث في مصادره، والكشف عما قد يعتريه من تناقض أو التباس. فالعقل الذي يخشى السؤال يظل أسيرًا لما ورثه، أما العقل الذي يسأل ويناقش ويحلّل، فإنه يفتح الطريق أمام معرفة أكثر نضجا ووعيا.

ومن هنا تبرز أهمية منهج الرصافي في التعامل مع التاريخ؛ إذ إن قراءة الماضي لا ينبغي أن تكون غايتها تمجيد الأشخاص أو إدانة آخرين، وإنما استخلاص العبر والاعتبار، وفهم الظروف التي صنعت الأحداث، ومعرفة كيف تداخلت المصالح والسياسة والعقيدة والعوامل الاجتماعية في تشكيل الروايات التاريخية. فالتاريخ، حين يُقرأ قراءة نقدية واعية، يتحول من مجرد حكايات عن الماضي إلى أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

وقد تجلّت هذه الروح النقدية بوضوح في كتابه «الشخصية المحمدية»، وهو من أكثر مؤلفاته إثارةً للجدل، ستظل كذلك، طالما هناك من ينبش في الرماد، وهذا ليس قدحا. فقد تناول فيه السيرة النبوية وعددًا من الروايات والموروثات المتصلة بها، وطرح تساؤلات صادمة لكثير من القراء في زمانه، متجاوزا حدود القراءة التقليدية إلى محاولة إخضاع ما تناوله للنقد والتحليل. وبصرف النظر عن الاتفاق مع آرائه أو الاختلاف معها، فإن قراءة هذا الكتاب تضع القارئ أمام قضية جوهرية: كيف نتعامل مع الروايات التاريخية؟ وما المعايير التي نعتمدها في قبولها أو رفضها؟ وهل يكفي شيوع رواية ما لكي تصبح حقيقة لا تقبل النقاش؟.

إن قيمة القراءة النقدية لا تكمن في تبنّي جميع ما يطرحه الكاتب، بل في القدرة على محاورته وفحص أدلته ومناقشة استنتاجاته. فالاختلاف مع الرصافي لا ينتقص بالضرورة من أهمية الأسئلة التي أثارها، كما أن الإعجاب بجرأته لا يعفينا من إخضاع آرائه نفسها للنقد والتمحيص.

لقد تعلّمت من الرصافي أن الشجاعة الحقيقية ليست في مجاراة الجمهور، بل في امتلاك إرادة التفكير المستقل، وأن احترام التاريخ لا يعني إغلاق أبوابه أمام البحث. فالماضي ليس ملكا للرواة وحدهم، والحقيقة ليست حكرا على جيل دون آخر.

وإذا أردنا أن نأخذ من التاريخ العبرة والاعتبار، فعلينا أن نقرأه بعقل متحرر من التعصب، وبمنهج لا يخلط بين الإيمان بالرأي واليقين بصحته. تلك هي الرسالة الأهم التي أجدها في تجربة الرصافي: أن السؤال بداية المعرفة، وأن النقد طريق الوعي، وأن الأمم لا تتقدم بالخوف من مراجعة ماضيها، بل بالشجاعة على فهمه واستخلاص دروسه.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هؤلاء علموني: كارل ماركس(19)
- حصر الدين بيد الله !
- هؤلاء علموني: بوذا(18)
- الله والأديان
- هؤلاء علموني: تولستوي(17)
- هؤلاء علموني: الدكتور قيس هادي(16)
- هؤلاء علموني: غاندي(15)
- هؤلاء علموني: كافكا(14)
- هؤلاء علموني: كولن ولسون(12)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(11)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(10)
- هؤلاء علموني: أريك فروم(9)
- هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)
- هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)
- هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)
- هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)
- هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
- هؤلاء علموني: طه حسين(3)
- هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
- (هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)


المزيد.....




- هل ظهر التوحيد مع ظهور الدولة المركزية ولماذا لا ينطبق ذلك ع ...
- بابا الفاتيكان يعلن عن إجراء عملية جراحية لإزالة ورم رئوي.. ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتل ...
- وثيقة تكشف دور الحمائل المحلية في فلسطين في المشاركة والمساه ...
- الإسلامية المسيحية تحذر من خطورة تقويض الحضور الدبلوماسي الأ ...
- -لن نكون أمة تحت محمد-.. مغن أمريكي يهاجم الإسلام بتجمع انتخ ...
- إلغاء زيارة وفد يهودي إلى إيطاليا بعد طلب إدانة جرائم إسرائي ...
- شروط خطبة الجمعة وأهم أحكامها في الشريعة الإسلامية
- البابا يدين عقوبة الإعدام ويعتبرها -انتهاكا لكرامة البشر- وا ...
- ذعر في بنما.. زلزال بقوة 7.7 درجات يضرب البلاد ويتسبب بانهيا ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود السلمان - هؤلاء علوني: الرصافي(20)