أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نعيم مرواني - تهافت اقتصادنا (18)















المزيد.....

تهافت اقتصادنا (18)


نعيم مرواني

الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 10:05
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في موضوع "الحاجة في نظر الأسلام والرأسمالية" لايعد المؤلف الحاجة في المجتمع الراسمالي من الادوات الايجابية للتوزيع ويرى دورها معاكسا للدور الذي تؤديه في الاسلام. ثم يستكمل انتقاده للرأسمالية بانها تحيل الطاقة الانسانية الى سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب، وكلما زاد العرض انخفضت اجور العمل ويرفض السوق الراسمالي، حسب قوله، استيعاب كل اليد العاملة المعروضة، وحينها يمنى عدد كبير من ذوي الحاجة بالبطالة ويتحتم عليهم أن يفعلوا المستحيل كي يبقوا على قيد الحياة، أو يتحملوا آلام الحرمان والموت جوعا.
في كل الامثلة التي ساقها فيما تناولنا من كتابه حتى الآن، يبالغ الكاتب في شيطنة النظامين الاقتصاديين الراسمالي والشيوعي - ويقيبنا ان فيهما عيوبا كثيرة- وغايته بتصوري من وراء ذلك هو ظنه انه قادرا على تقويض الاسس التي بنيا عليها، فينفض اتباعهما عنهما ويهرعون أفواجا للاحتماء بالاقتصاد الاسلامي الذي تمنى او ظن انه سيكون السراج المنير الذي يهتدي به التائهون الباحثون عن نظام بديل ينظم لهم نشاطاتهم الاقتصادية.
دعونا نعود لنجيب على هجومه اللاذع على الرأسمالية وكيف ان قانون العرض والطلب يخفض الاجور وان العمال الفائضين عن الحاجة يعانون الحرمان والموت جوعا... الخ.
نظام السوق الحر (او الرأسمالية كما يفضل المؤلف تسميتها) مر بمراحل تطور وبعض هذه المراحل عالجت انخفاض الاجور والبطالة ومورست سياسات اقتصادية قبل تأليف المؤلف لكتابه موضوع البحث لمعالجة تينك المشكلتين.
النظام الاقتصادي، اي نظام كان، لم يكتمل في يوم واحد او شهر او سنة أو حتى عقد وهو ليس نظرية يتم وضعها على الورق ثم بعد ان تكتمل يتم تطبيقها على الواقع، انما هو هيكل أو إطار عام تملأ فراغاته التجارب التي قد تأخذ عشرات او مئات السنين، فهو اذن مجموعة من القوانين او الحلول التي توضع لتنظيم عملية او نشاط اقتصادي يمارس فعلا على أرض الواقع او لمشكلة تطرا من جراء ذلك النشاط . هذه القوانين والحلول تتطور وتتعقد كلما تطورت وتعقدت النشاطات الاقتصادية لتشكل بالنهاية نظاما اقتصاديا متكاملا.
بكلمات أخرى، النظرية الاقتصادية ليست نتاج تنظير فلسفي من وحي الخيال يتم تجريبها عمليا لاثبات فاعليتها من عدمها كما هو حال الفيزياء النظرية، انما هي مجموعة حلول لمشاكل تطرأ اثناء عملية او عمليات تبادل اقتصادية، مثلها كمثل كتاب يضع له مؤلفه المقدمة ويعنون الفصول سلفا ثم تملأ متون صفحاته بنتائج التجارب العملية الممتدة على طول السنين. والرأسمالية ليست استثناء لهذه القاعدة، وتاليا فهي منذ نشأتها كنظام أو مذهب اقتصادي تتطور تبعا لتطور النشاطات الاقتصادية.
وقد عمد المؤلف على تناول النظامين الاقتصاديين الرأسمالي والشيوعي بمراحلهما الأولى وتجاهل أو جهل تطوراتهما اللاحقة رغم ان تلك التطورات سبقت تاليفه كتاب اقتصادنا.
فرأسمالية آدم سمث وديفيد ريكاردو في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، على سبيل المثال، ليس هي نفسها رأسمالية جون كينز في القرن العشرين (Keynesian Economics) والاختلاف بينهم يأتي من اضطرار المتأخرين من الاقتصاديين الرأسماليين الى ايجاد حلول لمشاكل تطرأ اثناء تطبيق الاقتصاد الحر وكلما كثرت المشاكل وكثرت حلولها كلما ابتعد النظام الاقتصادي عن مبادئه وقوانينه الاساسية، وبالتالي على الباحث في النظام الرأسمالي ان يتناول كل مراحل تطوره وتحوره ولايقصر بحثه على مرحلة التكوين الاولى فحسب.
ولما عجز السوق الرأسمالي عن استيعاب كل الايدي العاملة نتيجة زيادة العرض وقلة الطلب، لم يدع الاقتصادي البريطاني جون كينز "العمال الفائضين عن الحاجة يعانون الحرمان والموت جوعا" بل عدّل المبدأ الرأسمالي القائل " السوق يصلح نفسه بنفسه" او (the market would fix itself) (بمعنى أن مبدا قانون العرض والطلب سيؤدي حتما الى توازن طبيعي للاسعار والكميات في السوق دون اي تدخل حكومي)، وادرك ان الناس والشركات او الاعمال حالما يتسلل الخوف الى قلوبها تتوقف عن الانفاق وبالتالي يتوقف دوران دولاب الاقتصاد الحر ويتوقف نتيجة لذلك عمل الشركات ويُسَرَّح العمال. فاقترح كينز في ثلاثينيات القرن العشرين في كتابه "النظرية العامة للتوظيف" (The General Theory of Employment) ان تتدخل الحكومة عندما يقل الطلب فتنفق اموالا في مشاريع تطوير بنى تحتية خدمية لخلق فرص عمل تستوعب العاطلين وتكفل ماليا من لم يجد فرصة عمل. وعندما تدعم العاطلين بمبالغ مالية وتنفق على مشاريع خدمية سيبدأ الناس بانفاق مايحصلون عليه وبالتالي سيعود الانتاج والاستهلاك ويستأنف دولاب الاقتصاد دورانه. تبنت الحكومات هذا الحل لمواجهة الكساد الكبير (1929-1939) وكانت قد وضعت بذلك نهاية لاحد اهم قوانين الراسمالية الاساسية وهو (laissez-faire) الذي شرحناه في اعداد سابقة.
ولمنع هبوط اجور العمال الى دون مستوى الحد الادنى لتكاليف المعيشة في حال زيادة العرض وقلة الطلب، شرع الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت عام 1938 قانون معايير العمل العادل، عَرَّف فيه الحد الادنى للاجور ب 25 سنتا للساعة. ثم دأبت الحكومات الامريكية اللاحقة على زيادة الحد الادنى للاجور بين فترة واخرى تبعا لزيادة تكاليف المعيشة كي لايبقى العمال تحت رحمة قانون العرض والطلب.
وأما البطالة فثمة تأمين تبنته الحكومة الأمريكية لمعالجتها عام 1933. وفي هذا الخصوص، قال ستانلي كينغ في مراجعة تشريعات العمل الأمريكية في كانون الأول عام 1933 :"إن الحجة الأساسية لحماية البطالة تكمن في حقيقة مفادها أننا في ظل الشكل الديمقراطي للمجتمع نكون مجبرين على منع أي مجاعة واسعة النطاق. ولابد من توفير الأموال بطريقة أو بأخرى... ومن المنطقي عملياً أن نبني نظاماً قادراً على جمع الأموال في الأوقات اليسيرة وتوزيعها في الأوقات العسيرة."
وتاريخيا يعود ابتداع فكرة تأمين البطالة الى سويسرا عام 1798، إذ تبنت بعض النقابات العمالية الكبرى هناك أولى خطط التأمين ضد البطالة وكانت تعتمد على الاشتراكات المالية. وحتى قبل ذلك التاريخ، كانت هناك صيغة للتأمين ضد البطالة داخل النقابات الحرفية تعتمد على رسوم تجبى من الأعضاء.
وفي الفترة الممتدة بين عامي 1890 و1905، استحدثت عدة مدن في أوروبا خططاً طوعية لتقديم إعانات البطالة. وقد أُطلقت أول خطة من هذا النوع عام 1893 في مدينة برن السويسرية، وتلتها خطط مماثلة في مدن أخرى بسويسرا وألمانيا وإيطاليا.
اذن، اوجد الراسماليون الغربيون حلولا لمنع " إحالة "الطاقة الانسانية الى سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب،" ولم يتحتم على العاطلين عن العمل أن "يفعلوا المستحيل كي يبقوا على قيد الحياة،" ولم يتعرضوا ل "آلام الحرمان" ولا "الموت جوعا،" في ظل النظام الاقتصادي الراسمالي.
تنويه: هذا واحد من سلسلة مقالات نقدية تشخص مكامن الخلل في كتاب "اقتصادنا" لمحمد باقر الصدر. لكي تتكون لديكم صورة مكتملة عن موضوع البحث، أدعوكم، سادتي القراء، لقراءة المقالات السابقة ذات العلاقة.



#نعيم_مرواني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف نجحت المرأة العراقية في صنع واقع بديل لواقع الثقافة الرج ...
- تهافت اقتصادنا -17
- تهافت اقتصادنا- 16
- تهافت اقتصادنا 15
- رسالة الى رئيس مجلس وزراء العراق السيد محمد شياع السوداني
- غزة تكشف عورة وسائل الاعلام التقليدي
- تهافت -إقتصادنا- 14
- تهافت اقتصادنا (13)
- احجيتا الغايات والمقادير
- الى رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني: هل أدلك على تجارة ...
- تهافت -اقتصادنا- (12)
- لامجال للحريات في ثقافة قبائل الاسلام السياسي
- تهافت إقتصادنا (11)
- تهافت اقتصادنا (10)
- مستقبل مشروع اعادة الخدمة العسكرية الالزامية في العراق
- السياسات المتوقعة لحكومة محمد شياع السوداني
- الانسداد السياسي في العراق . . أسبابه وحلوله
- تهافت -اقتصادنا- (9)
- تخلفنا عن ركب عالم الحقيقة..فهل سنقود ركب عالم -الحقيقة البد ...
- تهافت -إقتصادنا- (8)


المزيد.....




- هل ظهر التوحيد مع ظهور الدولة المركزية ولماذا لا ينطبق ذلك ع ...
- بابا الفاتيكان يعلن عن إجراء عملية جراحية لإزالة ورم رئوي.. ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتل ...
- وثيقة تكشف دور الحمائل المحلية في فلسطين في المشاركة والمساه ...
- الإسلامية المسيحية تحذر من خطورة تقويض الحضور الدبلوماسي الأ ...
- -لن نكون أمة تحت محمد-.. مغن أمريكي يهاجم الإسلام بتجمع انتخ ...
- إلغاء زيارة وفد يهودي إلى إيطاليا بعد طلب إدانة جرائم إسرائي ...
- شروط خطبة الجمعة وأهم أحكامها في الشريعة الإسلامية
- البابا يدين عقوبة الإعدام ويعتبرها -انتهاكا لكرامة البشر- وا ...
- ذعر في بنما.. زلزال بقوة 7.7 درجات يضرب البلاد ويتسبب بانهيا ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نعيم مرواني - تهافت اقتصادنا (18)