أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - ثنائيات صناعة الحضارة وانهيارها: من البروتستانت إلى الفرس














المزيد.....

ثنائيات صناعة الحضارة وانهيارها: من البروتستانت إلى الفرس


عبد علي سفيح
باحث اكاديمي


الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 18:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بقلم: عبد علي سفيح

ليست الحضارات الكبرى نتاج عامل واحد، ولا نتيجة عبقرية شعب بعينه، بل هي حصيلة تفاعل قوى تاريخية قد تجتمع في مرحلة معينة فتنتج حضارة، ثم تتغير العلاقة بينها فتفقد قدرتها على إنتاج الشروط التي صنعت صعودها.
ومن هذه الزاوية، أطرح قراءة مختلفة لمسارين تاريخيين كبيرين: نشوء الحضارة الغربية الحديثة، ونشوء الحضارة العربية الإسلامية. وتنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها أن فهم الحضارات لا يتطلب دراسة موروثاتها الدينية والثقافية فحسب، بل يتطلب أيضاً اكتشاف الثنائيات التي اجتمعت داخلها، وكيف تفاعلت، وما الذي حدث عندما تغيرت طبيعة هذا التفاعل.
أولاً: الحضارة الغربية الحديثة بين المذهبية البروتستانتية والعصبية القومية
يمكن قراءة صعود الغرب الحديث من خلال تفاعل بُعدين تاريخيين: النزعة المذهبية البروتستانتية، والنزعة القومية التي ارتبطت، في بعض مراحل التاريخ الأوروبي، بالتنافس بين الدول وبناء الإمبراطوريات والتوسع الاستعماري.
لقد لفت عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الانتباه إلى العلاقة بين بعض القيم البروتستانتية ونشوء روح الرأسمالية الحديثة. فالانضباط في العمل، وترشيد السلوك الاقتصادي، والنظر إلى المهنة بوصفها مسؤولية أخلاقية، كانت عناصر رأى فيبر أنها أسهمت في تهيئة بعض الشروط الثقافية للرأسمالية.
ومن هذا التفاعل خرجت بريطانيا البروتستانتية كأكبر امبراطورية عرفتها البشرية، ثم أصبحت الولايات المتحدة البروتستانتية مركزاً رئيسياً للقوة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية.
ومن هنا، أقترح النظر إلى الحضارة الغربية الحديثة من خلال ثنائية تفسيرية: موروث ديني أسهم في تشكيل بعض أنماط السلوك، ونزعة قومية حوّلت القوة الاقتصادية والعلمية إلى مشروع للتوسع والمنافسة العالمية.
غير أن هذه الثنائية ضعفت مع مرور الزمن. ضعفت النزعة الدينية ووصلت الى شرعنة زواج المثليين، وكذلك ضعفت النزعة العنصرية واعتبرها القانون جريمة. وهذا مما يفسر بداية انهيار الحضارة الغربية.

ثانياً: الفرس والحضارة الإسلامية بين العصبية القومية والنزعة العلمية

إذا انتقلنا إلى التاريخ الإسلامي، وجدنا مساراً مختلفاً يتيح اختبار الفرضية نفسها.
لقد حمل العرب الإسلام، وانتشر الدين في مجتمعات متعددة، لفترة ما يقارب ١٤٠ سنة( من ولادة الاسلام حتى سقوط الدولة العربية الأموية). لكن اتساع الدولة الإسلامية لم يكن، بمفرده كافياً لتحويل المدينة أو دمشق حواضر وعواصم عالمية، ولا لإنتاج النهضة العلمية والثقافية مثل التي شهدها العصر العباسي. في هذه المرحلة أسهم الفرس اسهاما كبيرا في تعزيز النزعة الدينية، يشهد على ذلك قول الامام الذهبي بقوله" وفي هذا الزمان انتشر الاعتزال والضلال في بلاد الشام ومصر حتى وصل الى مكة والمدينة ولم تبقى صامدة لأهل السنة والجماعة الا خراسان؛ وكذلك تعزيز النزعة العلمية، فأصبحت بغداد مركزاً سياسياً وعلمياً، واتساع حركة الترجمة والتأليف، وازدهار علوم اللغة والحديث والفقه والفلسفة والرياضيات والطب والهندسة.
ومن هنا تنطلق قراءتي: إن الثنائية التي تستحق الدراسة في التجربة العباسية ليست الدين والقومية العربية، بل الدين والنزعة العلمية التي لا تحصر إنتاج المعرفة في أصل قومي أو جماعة عرقية.
فحين أصبح المجال الإسلامي أوسع من الانتماءات القومية، أمكن للمعرفة أن تنتقل بين الشعوب، وأن يشارك في إنتاجها أبناء ثقافات مختلفة، وأن تصبح اللغة العربية وعاءً لعلوم تجاوزت حدود الجزيرة العربية وفارس معاً.
أما حين تتحول العصبية القومية إلى معيار لتحديد من يحق له المشاركة في بناء الحضارة، فإنها تضيق المجال الذي تتحرك فيه المعرفة، وتضعف فرص التفاعل بين الخبرات .
عندما نضع التجربتين جنباً إلى جنب، تظهر أمامنا فرضية تستحق البحث.
في التجربة الغربية، يمكن دراسة التفاعل بين الموروث البروتستانتي والنزعات القومية بوصفه أحد العناصر التي شاركت في تشكيل المجتمع الحديث، مع ضرورة الاعتراف بدور العلم والمؤسسات والأسواق والثورات السياسية.
وفي التجربة الإسلامية، يمكن دراسة التفاعل بين الدين والانفتاح العلمي العابر للقوميات بوصفه أحد العناصر التي أسهمت في ازدهار الحضارة العباسية، مع الاعتراف بدور الدولة والاقتصاد والترجمة والتواصل بين الثقافات.
لكن الفارق الذي أريد إبرازه هو أن القومية قد تؤدي وظيفتين مختلفتين: فقد تساعد على بناء الدولة وتنظيم الموارد، وقد تتحول إلى عصبية عنصرية تقصي الآخرين. وكذلك يمكن للموروث الديني أن يكون مصدراً للانضباط والمعنى، لكنه لا ينتج حضارة علمية بمفرده ما لم يتفاعل مع مؤسسات المعرفة وحرية البحث وتراكم الخبرة.
وعليه، فإن المسألة ليست أن الدين يصنع الحضارة دائماً، أو أن القومية تهدمها دائماً؛ بل إن النتيجة تتوقف على طبيعة العلاقة بين المكونات التي تجتمع داخل المجتمع، وعلى قدرتها على إنتاج المعرفة والمؤسسات والتجدد.
ولعل الدرس الأهم هو أن التاريخ الطويل لا يقدم لنا قوانين ميكانيكية تحكم مصائر الشعوب، لكنه يتيح لنا اكتشاف أنماط متكررة، وفهم الكيفية التي يمكن بها لتفاعل مكونات المجتمع أن يفتح طريقاً للنهوض، أو أن يضيّق فرص التجدد.



#عبد_علي_سفيح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين أفلتت الشمس عن الإمبراطورية البريطانية
- حين يبقى اسم الغزاة… انجلترا وفرنسا وروسيا نموذجا
- الإنسان كائن الحياة لا سيدها: من -الحيوان العاقل- إلى -الكائ ...
- كيف تُصنع الأعمال الكبيرة الذاكرة الوطنية وتُخلَّد الهويات؟
- العراق في قرن: أربعة أجيال ولم تكتمل تجربة الدولة
- حين تتكلم اللغة بلسان الطبيعة: من يذكّر الشمس ويؤنّث القمر
- لماذا تحولت الحداثة العربية من مشروع لتحديث الدولة والمجتمع ...
- ايران والعرب في القرن العشرين مرآتان لسؤال واحد
- كربلاء المنشور الحضاري
- كربلاء: حين تكشف الحضارة الرافدينية عن نفسها
- عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مؤسسة لإعادة انتاج المجتم ...
- في الجغرافيا التاريخية يقال إن الأساطير والأديان مرآة لمزاج ...
- من دموع الآلهة الى الصفر والواحد: رحلة العقل البشري بين سحر ...
- الوحش العاقل-: لماذا فشل الانسان في تعريف نفسه عبر التاريخ؟
- الشرق الأوسط...حين يصبح الاختيار مرادفا للكلفة
- من - السدارة- الى -البيرية-...حين يكتب غطاء الرأس تاريخ العر ...
- النسر...حين تتحول المعاناة الى قوة
- عش كالذئب....لا كالقطيع بلا ملامح
- الثعلب والقنفذ
- دولة البلوط وسلطة النخيل


المزيد.....




- شروط خطبة الجمعة وأهم أحكامها في الشريعة الإسلامية
- البابا يدين عقوبة الإعدام ويعتبرها -انتهاكا لكرامة البشر- وا ...
- ذعر في بنما.. زلزال بقوة 7.7 درجات يضرب البلاد ويتسبب بانهيا ...
- -هندسة الروح-.. د. فائق عويس يوظف الذكاء الاصطناعي لبث الحيا ...
- عقوبات أمريكية على الجنائية الدولية.. نتنياهو يتهم نافي بيلا ...
- طعام الروح.. كيف شكّل طهاة سود منسيون المطبخ الأمريكي؟
- مصدر مصري يعلق على التحرك الأوروبي ضد جماعة الإخوان المسلمين ...
- إسرائيلي يتوجه للسعودية متخفيا ويتحدث عن -مهمة سرية- بشأن ال ...
- افتتاح الجامع الأموي في حلب.. عودة الروح لوسط المدينة القديم ...
- سوريا.. فيديو سابق لقوات الأسد بالمسجد الأموي في حلب يبرز بع ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - ثنائيات صناعة الحضارة وانهيارها: من البروتستانت إلى الفرس