|
|
نَاهِض حَتَّر وَمَدِينَةُ مَوْتِهِ.. فِي ذِكْرَاهُ الْعَاشِرَةِ..
سعود قبيلات
الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 16:13
المحور:
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
عَشْرُ سَنَوَاتٍ، وَيَدُ الْقَاتِلِ لَا تَزَالُ مَمْدُودَةً نَحْوَ ضَحِيَّتِهَِا. وَيَقِفُ وَرَاءَهَا تَارِيخٍ كَامِلٍ مِنَ التَّحْرِيضِ اَلْإجْرَامِيّ مَارَسَهُ خُصُومٌ سِيَاسِيُّونَ جُبَنَاءُ مُنْعَدِمُو الضَّمِيرِ وَعَاجِزُونَ عَنْ مُوَاجَهَةِ الْفِكْرَةِ بِالْفِكْرَةِ، ضِدَّ إِنْسَانٍ لَمْ يَكُنْ يَحْمِلُ سِلَاحاً سِوَى قَلَمِهِ وَعَقْلِهِ.
وَالْمَوْتُ الَّذِي جَاءَ غَادِراً، عَلَى دَرَجَاتِ قَصْرِ الْعَدْلِ فِي عَمَّانَ، فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ الْقَاتِمِ لِيَوْمِ 25 أَيْلُول 2016، لَمْ يَسْتَهْدِفْ نَاهِض حَتَّر وَحْدَهُ، بَلِ اسْتَهْدَفَ أَيْضاً الْكَلِمَةَ الْحُرَّةَ، وَالْمُثَقَّفَ الَّذِي يَرْفُضُ الِانْحِنَاءَ، وَالْإِنْسَانَ الْمَبْدَئِيَّ الَّذِي يَدْفَعُ ثَمَنَ قَنَاعَاتِهِ وَلَا يَتَرَاجَعُ عَنْهَا.
عَشْرُ سَنَوَاتٍ، وَلَا يَزَالُ صَدَى الرَّصَاصَاتِ يَتَرَدَّدُ فِي ضَمِيرِ كُلِّ مَنْ عَرَفَ نَاهِض حَتَّر، وَكُلِّ مَنْ قَرَأَ لَهُ، حَتَّى لَوْ سَطْراً وَاحِداً.
عَشْرُ سَنَوَاتٍ، وَكَأَنَّهُ رَحَلَ أَمْسِ.. لَا يَزَالُ مَقْعَدُهُ فَارِغاً فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا يَزَالُ صَوْتُهُ يَعْلُو فَوْقَ ضَجِيجِ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُتَآمِرِينَ وَالْمُتَوَاطِئِينَ، وَلَا تَزَالُ الْأَصْوَاتُ الَّتِي تُشْبِهُهُ نَادِرَةً. لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ كَاتِبٍ أَوْ صَحَافِيٍّ أَوْ نَاشِطٍ سِيَاسِيٍّ؛ بَلْ كَانَ مَشْرُوعاً وَطَنِيّاً كَامِلاً، وَمُنَاضِلاً ثَابِتاً لَمْ يُسَاوِمْ عَلَى مَصَالِحِ الْوَطَنِ وَالشَّعْبِ.
وَالْيَوْمَ، بَعْدَ عَقْدٍ كَامِلٍ عَلَى اسْتِشْهَادِهِ، لَا نَسْتَذْكِرُهُ بِوَصْفِهِ شَخْصاً مِنَ الْمَاضِي، بَلْ بِوَصْفِهِ جُزْءاً مِنَ الْحَاضِرِ أَيْضاً. نَسْتَذْكِرُهُ كُلَّمَا انْتَصَرَتْ كَلِمَةٌ حُرَّةٌ عَلَى الْخَوْفِ، وَكُلَّمَا وَقَفَ إِنْسَانٌ فِي وَجْهِ الظُّلْمِ، وَكُلَّمَا تَمَسَّكَ صَاحِبُ رَأْيٍ بِقَنَاعَتِهِ رَغْمَ الْكُلْفَةِ الْبَاهِظَةِ.
عَشْرُ سَنَوَاتٍ، وَلَا يَزَالُ نَاهِضٌ حَاضِراً.. فِي كُلِّ كَلِمَةٍ كَتَبَهَا، فِي كُلِّ مَوْقِفٍ اتَّخَذَهُ، فِي كُلِّ نِضَالٍ خَاضَهُ. وَلَا تَزَالُ أَفْكَارُهُ وَهَوَاجِسُهُ وَمَخَاوِفُهُ تَتَأَكَّدُ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ. فَهَا هِيَ الْمُقَاوَمَةُ فِي غَزَّةَ، وَفِي الضَّفَّةِ الْغَرْبِيَّةِ، وَفِي لُبْنَانَ، وَفِي الْيَمَنِ، تُوَاجِهُ الْقُوَى نَفْسَهَا الَّتِي وَاجَهَهَا نَاهِض: الْإِمْبِرْيَالِيَّةَ وَالصِّهْيُونِيَّةَ وَالرَّجْعِيَّةَ. وَهَا هِيَ سُورِيَّةُ، الَّتِي أَحَبَّهَا وَدَافَعَ عَنْهَا، تَقَعُ فَرِيسَةً لِلْمُؤَامَرَةِ نَفْسِهَا الَّتِي طَالَمَا حَذَّرَ مِنْهَا.
عَشْرُ سَنَوَاتٍ، وَلَا يَزَالُ طَيْفُهُ يَعْبُرُ بَيْنَنَا. وَلَا يَزَالُ أَصْدِقَاؤُهُ وَرِفَاقُهُ يَشْعُرُونَ أَنَّهُ سَيُطِلُّ مِنْ خَلْفِ بَابٍ مَا، حَامِلاً فِكْرَةً جَدِيدَةً، أَوْ سُؤَالاً مُقْلِقاً، أَوْ مُبَادَرَةً جَرِيئَةً.
وَفِي الذِّكْرَى الْعَاشِرَةِ لِاسْتِشْهَادِهِ، لَا أَسْتَحْضِرُ نَاهِض حَتَّر الْكَاتِبَ الْمَعْرُوفَ أَوِ الْمُفَكِّرَ اللَّامِعَ أَوِ الْمُنَاضِلَ الْمُثَابِرَ فَقَطْ؛ بَلْ أَسْتَحْضِرُ أَيْضاً ذَلِكَ الرَّفِيقَ الشَّابَّ الَّذِي مَشَيْتُ وَإِيَّاهُ عَلَى دَرْبِ النِّضَالِ فِي بِدَايَاتِ الْعُمْرِ، وَتَقَاسَمْنَا مَعاً الْأَحْلَامَ وَالْهُمُومَ وَالْخَيْبَاتِ وَالْآمَالَ.
عَشْرُ سَنَوَاتٍ مَرَّتْ عَلَى اسْتِشْهَادِ رَفِيقِي نَاهِض حَتَّر، وَلَا أَزَالُ، كُلَّمَا تَذَكَّرْتُهُ، أَسْتَعِيدُ صُورَتَهُ الْأُولَى، صُورَةَ ذَلِكَ الْفَتَى الَّذِي الْتَقَيْتُهُ فِي الْجَامِعَةِ الْأُرْدُنِيَّةِ. كَانَ فِي السَّابِعَةِ عَشْرَةَ. وَكُنَّا نَقْضِي سَاعَاتٍ طَوِيلَةً فِي أَرْوِقَةِ الْجَامِعَةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ، نَمْضِي إِلَى رَابِطَةِ الْكُتَّابِ؛ ثُمَّ لَا نَعْرِفُ كَيْفَ يَنْفَتِحُ اللَّيْلُ أَمَامَنَا وَيَنْتَهِي بِنَا الْأَمْرُ أَحْيَاناً فِي بَيْتِ أُسْرَتِهِ فِي وَادِي سُرُور. كَانَتِ السَّهْرَةُ تَبْدَأُ بِحَدِيثٍ عَنْ كِتَابٍ أَوْ فِكْرَةٍ أَوْ وَاقِعَةٍ سِيَاسِيَّةٍ أَوْ اجْتِمَاعِيَّةٍ، ثُمَّ يَجُرُّ الْحَدِيثُ حَدِيثاً آخَرَ.. نَتَجَادَلُ، وَنَخْتَلِفُ وَنَتَّفِقُ، وَنَضْحَكُ، وَلَا نَفْطَنُ إِلَّا وَقَدْ أَصْبَحَ اللَّيْلُ فِي آخِرِهِ.
كَانَتْ حَيَاةً مَلِيئَةً بِالتَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ؛ تَفَاصِيلَ كُنَّا مُنْغَمِسِينَ فِيهَا تَمَاماً كَمَا لَوْ أَنَّهَا الْحَيَاةُ بِكَامِلِهَا. وَلَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ حِينَهَا أَنَّهَا سَتَتَحَوَّلُ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى كَنْزٍ فِي الذَّاكِرَةِ.
كَانَ نَاهِضٌ، آنَذَاكَ، يَبْدُو أَكْبَرَ مِنْ سِنِّهِ بِكَثِيرٍ. كَانَ يَتَحَدَّثُ بِثِقَةٍ لَافِتَةٍ، وَيُجَادِلُ بِحَيَوِيَّةٍ نَادِرَةٍ، وَيُنْصِتُ بِانْتِبَاهٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ يُفَاجِئُكَ بِفِكْرَةٍ لَمْ تَخْطُرْ لَكَ عَلَى بَالٍ، وَيَمْشِي بِخُطَوَاتٍ وَاثِقَةٍ؛ كَأَنَّهُ يَعْرِفُ، مُنْذُ ذَاكَ، الطَّرِيقَ الَّذِي سَيَسْلُكُهُ حَتَّى نِهَايَتِهِ.
مُنْذُ شَبَابِهِ الْمُبَكِّرِ، امْتَلَكَ ذَلِكَ الْمَزِيجَ النَّادِرَ مِنَ الذَّكَاءِ الْمُتَّقِدِ، وَالْخَيَالِ الْخَلَّاقِ، وَالْإِرَادَةِ الْعَنِيدَةِ. وَكَانَتْ رُوحُهُ قَلِقَةً عَلَى الدَّوَامِ، تَبْحَثُ عَنْ تَفْسِيرٍ أَعْمَقَ لِلتَّارِيخِ، وَعَنْ أُفُقٍ أَرْحَبَ لِلْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ وَالتَّحَرُّرِ.
وَمُنْذُ ذَاكَ، كَانَ يَرَى السِّيَاسَةَ مَوْقِفاً مَبْدَئِيّاً وَاجِباً؛ لَا وَظِيفَةً، وَلَا مَنْصِباً، وَلَا مَنَافِعَ وَمَكَاسِبَ شَخْصِيَّةً.
كَانَ يَغْضَبُ بِمِلْءِ إِحْسَاسِهِ، وَيُحِبُّ بِكُلِّ جَوَانِحِهِ. وَكَانَ يَقُولُ مَا يُفَكِّرُ فِيهِ دُونَ أَنْ يُرَتِّبَ الْكَلِمَاتِ لِتَلِيقَ بِالْمَقَامَاتِ.
وَلِهَذَا، أَحَبَّهُ كَثِيرُونَ وَكَرِهَهُ آخَرُونَ، لَكِنْ مَا مِنْ أَحَدٍ كَانَ يَسْتَطِيعُ تَجَاهُلَهُ.
مُنْذُ شَبَابِهِ الْمُبَكِّرِ، كَانَ يَتَعَامَلُ مَعَ الْفِكْرِ بِوَصْفِهِ الْتِزَاماً، لَا تَرَفاً ثَقَافِيّاً؛ وَيَنْظُرُ إِلَى الْكِتَابَةِ عَلَى أَنَّهَا فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ الْمُشَارَكَةِ فِي صُنْعِ التَّارِيخِ، لَا مُجَرَّدَ تَعْلِيقٍ عَلَيْهِ؛ وَيَرَى الْمَعْرِفَةَ بِوَصْفِهَا مَسْؤُولِيَّةً، لَا مُجَرَّدَ سَبَبٍ لِلْمُبَاهَاةِ.
لِذَلِكَ، كَانَ يَعْمَلُ بِلَا كَلَلٍ فِي الثَّقَافَةِ وَالْإِعْلَامِ وَالسِّيَاسَةِ وَالْأَدَبِ، وَاضِعاً كُلَّ ذَلِكَ فِي خِدْمَةِ مَشْرُوعٍ وَاحِدٍ ظَلَّ يَتَمَسَّكُ بِهِ حَتَّى اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ: مَشْرُوعِ التَّحَرُّرِ الْوَطَنِيِّ وَالنَّهْضَةِ وَالتَّقَدُّمِ وَالْعَدَالَةِ.
كَانَ قَادِراً عَلَى أَنْ يُحَوِّلَ جَلْسَةً عَادِيَّةً إِلَى وَرْشَةِ أَفْكَارٍ، وَأَنْ يَمْزِجَ بَيْنَ الْجِدِّ وَالدُّعَابَةِ، وَبَيْنَ الْفَلْسَفَةِ وَالْحِكَايَاتِ الْيَوْمِيَّةِ. وَكَانَ يَمْتَلِكُ قُدْرَةً ساحِرَةً عَلَى إِثْبَاتِ أَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ الْمَأْمُولَ لَا يَزَالُ مُمْكِناً، حَتَّى فِي أَكْثَرِ اللَّحَظَاتِ صُعُوبَةً وَقَسْوَةً.
اكْتَشَفَ مَهْدِي عَامِل بَاكِراً، وَسَارَ عَلَى طَرِيقِهِ. وَاسْتَفَادَ مِنْ أَفْكَارِ أَنْطُونِيُو غْرَامْشِي. وَكَانَ يَعْتَبِرُهُمَا مَعاً ضَمِيراً عِلْمِيّاً يُضِيءُ لَهُ قِرَاءَةَ التَّارِيخِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِلْأُرْدُنِّ فِي إِطَارِهِ الْعَرَبِيِّ. لَقَدْ كَانَ وَاحِداً مِنَ الْقِلَّةِ الْقَلِيلَةِ الَّذِينَ يُمْكِنُ وَصْفُهُمْ بِالْمُثَقَّفِ الْعُضْوِيِّ بِالْمَفْهُومِ الْغْرَامْشِيِّ.
وَظَلَّ نَاهِضٌ، حَتَّى آخِرِ حَيَاتِهِ، يَنْطَلِقُ فِي مَوَاقِفِهِ مِنْ عَدَدٍ مِنَ الثَّوَابِتِ الْمَبْدَئِيَّةِ الْأَسَاسِيَّةِ، وَهِيَ:
أَوَّلاً: التَّمَسُّكُ بِقَضِيَّةِ التَّحَرُّرِ الْوَطَنِيِّ، بِوَصْفِهَا قَضِيَّةً مُرَكَّبَةً مِنَ الْوَطَنِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ وَالثَّقَافِيِّ وَالْجِيُوسِيَاسِيِّ وَالِاسْتِرَاتِيجِيِّ؛
ثَانِياً: أَنَّ فَلَسْطِينَ تَظَلُّ، تَارِيخِيّاً، فَلَسْطِينَ، مَهْمَا طَالَ زَمَنُ الِاحْتِلَالِ الصِّهْيُونِيِّ لَهَا؛
ثَالِثاً: أَنَّ الصِّرَاعَ التَّارِيخِيَّ الْقَائِمَ فِي الْمِنْطَقَةِ هُوَ صِرَاعٌ بَيْنَ الشُّعُوبِ الْعَرَبِيَّةِ وَبَيْنَ الْهَجْمَةِ الصِّهْيُونِيَّةِ، وَكِيَانِهَا الْعُدْوَانِيِّ الْجَاثِمِ عَلَى أَرْضِ فَلَسْطِينَ الْعَرَبِيَّةِ. وَأَنَّهُ صِرَاعٌ لَا مَفَرَّ مِنَ الْقِيَامِ بِوَاجِبَاتِهِ النِّضَالِيَّةِ حَتَّى النِّهَايَةِ؛
رَابِعاً: أَنَّ الْمُقَاوَمَةَ ضَرُورَةٌ، وَلَيْسَتْ خِيَاراً، مِنْ أَجْلِ الدِّفَاعِ عَنِ الْأُمَّةِ وَمِنْ أَجْلِ التَّحَرُّرِ الْوَطَنِيِّ وَالنُّهُوضِ. بَلْ إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ شَرْطاً لِلْوُجُودِ.
وَقَدْ وَقَفَ إِلَى جَانِبِ الْمُقَاوَمَةِ ضِدَّ الْإِمْبِرْيَالِيَّةِ وَالصِّهْيُونِيَّةِ، فِي كُلِّ مَكَانٍ..
وَقَفَ مَعَ الْمُقَاوَمَةِ الْعِرَاقِيَّةِ ضِدَّ الِاحْتِلَالِ الْأَمِيرْكِيِّ، رَغْمَ اخْتِلَافِهِ الْأَيْدِيُولُوجِيِّ مَعَهَا.
وَوَقَفَ مَعَ الْمُقَاوَمَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ (مُمَثَّلَةً بِحِزْبِ اللَّهِ) ضِدَّ الْعَدُوِّ الصِّهْيُونِيِّ، رَغْمَ اخْتِلَافِهِ الْأَيْدِيُولُوجِيِّ مَعَهَا.
وَوَقَفَ مَعَ حِزْبِ اللَّهِ أَيْضاً فِي مُوَاجَهَتِهِ لِلْجَمَاعَاتِ التَّكْفِيرِيَّةِ الْمُتَوَاطِئَةِ مَعَ الْمُخَطَّطَاتِ الْإِمْبِرْيَالِيَّةِ.
وَوَقَفَ مَعَ حَمَاس فِي مُوَاجَهَتِهَا لِلْعُدْوَانِ الصِّهْيُونِيِّ فِي الْعَامِ 2008، رَغْمَ اخْتِلَافِهِ الْأَيْدِيُولُوجِيِّ مَعَهَا.
وَوَقَفَ مَعَ الْمُقَاوَمَةِ فِي بُلْدَانِ أَمِيرْكَا اللَّاتِينِيَّةِ وَفِي بُلْدَانِ الْأَطْرَافِ كُلِّهَا، كَائِنَةً مَا كَانَتْ، مَا دَامَتْ ضِدَّ الْإِمْبِرْيَالِيَّةِ وَضِدَّ الرَّأْسَمَالِيَّةِ.
غَيْرَ أَنَّ ثَبَاتَهُ عَلَى الْمَبَادِئِ لَمْ يَكُنْ جُمُوداً؛ إِذْ أَنَّهُ كَانَ يُرَاجِعُ أَفْكَارَهُ بِاسْتِمْرَارٍ، وَيُعَمِّقُهَا، وَيَبْحَثُ عَنْ صِيَغٍ جَدِيدَةٍ لِفَهْمِ الْوَاقِعِ وَالتَّأْثِيرِ فِيهِ. وَبَيْنَمَا كَانَ آخَرُونَ يَتَغَيَّرُونَ كَيْ يَبِيعُوا أَرْوَاحَهُمْ؛ كَانَ نَاهِضٌ يَتَغَيَّرُ كَيْ يَبْقَى هُوَ نَفْسَهُ.
وَفِي هَذِهِ الظُّرُوفِ الصَّعْبَةِ، أَتَذَكَّرُ شِعَارَ نَاهِض الْمَعْرُوفَ: «إِمَّا سُورِيَّةُ الْكُبْرَى أَوْ إِسْرَائِيلُ الْكُبْرَى». وَكَانَ يَقُولُ: «مُنْذُ طُفُولَتِي، لَمْ أُفَرِّقْ فِي الْحُبِّ بَيْنَ الْأُرْدُنِّ وَسُورِيَا؛ هُمَا، عِنْدِي، كَمَا كَانَا دَائِماً، بَلَدٌ وَاحِدٌ.» (...) وَ«مَا دَامَتْ سُورِيَا بَاقِيَةً، فَكُلُّ شَيْءٍ قَابِلٌ لِلتَّصْحِيحِ.»
سُورِيَا ضَاعَتْ مَعَ الْأَسَفِ، وَلَوْ إِلَى حِينٍ؛ وَمَشْرُوعُ «إِسْرَائِيلَ الْكُبْرَى» هُوَ الَّذِي يَتَحَقَّقُ الْآنَ، وَلَيْسَ مَشْرُوعَ سُورِيَا الْكُبْرَى؛ وَالْجُولَانُ لَا تَزَالُ مُحْتَلَّةً؛ بَلْ إِنَّ الِاحْتِلَالَ أَصْبَحَ أَرْسَخَ وَأَوْسَعَ. وَهَا هِيَ غَزَّةُ تُبَادُ، وَلُبْنَانُ يُهَدَّدُ، وَالضَّفَّةُ تُلتَهَمُ، وَكُلُّ مَا حَذَّرَ مِنْهُ نَاهِضٌ نَرَاهُ الْآنَ يَتَحَقَّقُ أَمَامَ أَعْيُنِنَا.
بَيْدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَذِيرَ شُؤْمٍ؛ بَلْ كَانَ قِنْدِيلَ وَعْيٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَفْقِدُ الْأَمَلَ حَتَّى فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ.
نَاهِضٌ لَمْ يَكُنْ نَبِيّاً. كَانَ صَاحِبَ قَضِيَّةٍ، وَمُثَقَّفاً مُلْتَزِماً، وَوَطَنِيّاً حَقِيقِيّاً. أَخْطَأَ أَحْيَاناً، وَأَصَابَ كَثِيراً. لَكِنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبِ الْخَطِيئَةَ الْكُبْرَى: لَمْ يَخُنْ بَوْصَلَتَهُ الْوَطَنِيَّةَ وَالْقَوْمِيَّةَ وَالْأُمَمِيَّةَ، بِالْوُقُوفِ فِي خَنْدَقِ الْأَعْدَاءِ؛ بَلْ ظَلَّ طَوَالَ حَيَاتِهِ فِي الْخَنْدَقِ الْمُعَادِي لِلْإِمْبِرْيَالِيَّةِ وَالصِّهْيُونِيَّةِ وَأَتْبَاعِهِمَا وَأَذْنَابِهِمَا.
وَلَقَدْ وَاجَهَ قَدَرَهُ بِشَجَاعَةِ الْمُفَكِّرِ الْفِدَائِيِّ الَّذِي يَخُوضُ غِمَارَ الْكِفَاحِ بِجُرْأَةٍ وَلَا تُرْهِبُهُ بَنَادِقُ الْغَدْرِ.
كَتَبَ ذَاتَ مَرَّةٍ: «أَخْجَلُ لِأَنَّنِي لَسْتُ شَهِيداً».
وَهَا هُوَ قَدْ صَارَ شَهِيداً..
وَهَا نَحْنُ نَجْلِسُ عَلَى مَقَاعِدِ الْخَجَلِ، فَنَكْتُبُ عَنْهُ، مَعَ أَنَّنَا نَعْرِفُ أَنَّ الْكَلِمَاتِ لَا تَرْتَقِي إِلَى مُسْتَوَى تَضْحِيَتِهِ.
لَكِنَّنَا نُحَاوِلُ..
نُحَاوِلُ أَنْ نَكُونَ أَوْفِيَاءَ لِلرَّايَةِ الَّتِي طَالَمَا رَفَعَهَا: رَايَةِ الْحُرِّيَّةِ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ وَالْكَرَامَةِ وَالْعَيْشِ الْكَرِيمِ وَالتَّحْرِيرِ وَالتَّحَرُّرِ الْوَطَنِيِّ وَالتَّقَدُّمِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالْوَحْدَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
يَا نَاهِضُ..
نَمْ قَرِيرَ الْعَيْنِ؛ فَالْفِكْرَةُ الَّتِي اسْتُشْهِدْتَ مِنْ أَجْلِهَا لَمْ تَمُتْ، وَالرِّفَاقُ الَّذِينَ أَحَبُّوكَ مَا زَالُوا عَلَى الْعَهْدِ: لِلْمُقَاوَمَةِ، لِلْعُرُوبَةِ، لِلتَّنْوِيرِ، لِلْحُرِّيَّةِ.
فَسَلَامٌ لِذِكْرَاكَ الَّتِي تُوقِظُ فِينَا كُلَّ عَامٍ مَعْنَى أَنْ يَكُونَ الْمُثَقَّفُ مُثَقَّفاً عُضْوِيّاً لَا يُؤَجِّرُ قَلَمَهُ وَلَا يَبِيعُ ضَمِيرَهُ.
يَا نَاهِضُ..
أَنْتَ الْآنَ حَيٌّ..
حَيٌّ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَقِفُ فِيهِ أَحَدٌ فِي وَجْهِ الظُّلْمِ، وَفِي كُلِّ صَوْتٍ يَرْفُضُ التَّطْبِيعَ، وَفِي كُلِّ قَلَمٍ يَكْتُبُ الْحَقِيقَةَ..
أَنْتَ حَيٌّ فِي كُلِّ نَفْسٍ أَبِيَّةٍ تَرْفُضُ أَنْ تَنْكَسِرَ.
فِي الْخِتَامِ..
أَسْتَعِيدُ مَا قَالَهُ نَاهِضٌ فِي دِيوَانِهِ الشِّعْرِيِّ الْوَحِيدِ «عَاشِقٌ مِنْ عَمَّانَ»، عَنْ «مَدِينَةِ (مَوْتِهِ) الْآتِي»، فِي قَصِيدَةٍ بِعُنْوَانِ «الْعُبُورُ إِلَى السَّمَاءِ»؛ حَيْثُ يَحْكِي عَنِ الْحُزْنِ وَالرَّحِيلِ وَالْأَرْضِ الصَّغِيرَةِ وَالْمَسَافَاتِ وَعَنْ طِفْلٍ «مَاتَتْ بِهِ الْأَحْلَامُ»، ثُمَّ يَكْتُبُ: «يَا مَدِينَةَ مَوْتِي الْآتِي»..
كَانَ حِينَهَا فَتًى فِي الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ..
وَنَحْنُ، الَّذِينَ نَقْرَأُ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْآنَ، نَعْرِفُ إِلَى أَيِّ حَدٍّ تَحَقَّقَتْ نُبُوءَتُهُ الْمَأْسَاوِيَّةُ تِلْكَ.
«يَا مَدِينَةَ مَوْتِي الْآتِي».
أَقْرَأُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ، فَأَتْرُكُ الصَّفْحَةَ مَفْتُوحَةً.
وَيَخْتِمُ نَاهِضٌ قَصِيدَتَهُ قَائِلاً: «غَداً لَمَّا تُطِلُّ مَوَاسِمِي – مِنْ رِحْلَةِ الْأَحْزَانْ وَلَمَّا يُشْرِقُ الْوَجْهُ الْمُعَنَّى – مِنْ جَدِيدٍ، فَوْقَ خَارِطَةِ الْجَزِيرَهْ سَأُهْرِقُ طِيبَ عَيْنَيَّ عَلَى شَعْرِكْ وَأَزْرَعُ بَسْمَتِي وَرْداً عَلَى ثَغْرِكْ وَأَعْبُدُ يَا بِلَادِي – هَذِهِ الْأَرْضَ الصَّغِيرَهْ».
أَقِفُ عِنْدَ هَذِهِ الصُّورَةِ طَوِيلاً.
ثُمَّ أُغْلِقُ الْكِتَابَ.
#سعود_قبيلات (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هاشم غرايبة.. رفيقي القديم وكتابتُه
-
في المرَّة الأولى كمأساة، وفي المرَّة الثَّانية كمهزلة..
-
الإرادة الأميركيَّة – «الإسرائيليَّة» ليست قدراً لا يُردّ
-
بخصوص القواعد الأميركيَّة
-
من ترامب إلى ممداني.. أميركا إلى أين؟
-
شُروط نيل جائزة صانع الدِّيناميت
-
-وُلِدنا بسيقان طويلة في غابات قزمة-*
-
أزمة اليسار وحركة التَّحرُّر العربيّ.. إلى أين؟ وما الحلّ؟
-
في ذِكْرَى اغْتِيَالِ صَدِيقِي وَرَفِيقِي الْغَالِي نَاهِض ح
...
-
مشهد مؤلم بارتدادات أكثر إيلاماً
-
وَقْفُ إطلاقِ النَّارِ على وَقْعِ دَويّ الصَّواريخ
-
ابنُ لنكك.. نفسٌ مليئة بالغضب ولسانٌ سليطُ
-
كلمات موجزة عن سُخرية التَّاريخ
-
وْسومها على خْشومها!
-
تنازلاتُ حركةِ التَّحرُّرِ العربيَّةِ الأساسيَّةِ ونتائجُها
...
-
قريباً.. سيعرف الَّذين فرحوا مع مَنْ فرحوا وما الَّذي فرحوا
...
-
يبذلون لغزَّة الكلام فقط.. وأمَّا فعلهم ففي سوريا..
-
وقف إطلاق النَّار ووحدة السَّاحات وإسناد غزَّة
-
أُمَّةٌ حيَّةٌ.. أُمَّةٌ تُقاوِمُ.. كلمة في ملتقى تونس لدعم
...
-
تقرير من الأمين العامّ للحزب الشُّيوعيّ الأردنيّ إلى اللجنة
...
المزيد.....
-
مبعوث ترامب: لا حل وشيكاً في الصحراء وننتظر رد البوليساريو ع
...
-
حالة المغرب يوم انتخاباته
-
منظمة الاشتراكي في ذمار تهنئ الشعب اليمني وقيادة الحزب بالذك
...
-
حزب التقدم والاشتراكية يقيم نتائج تشريعيات 2026 ويؤكد مواصلة
...
-
Empire’s Wake: 9-11 to October 7
-
Tronti in Athens: Reflections on Yavor Tarinski’s Horizons o
...
-
American Hegemony in Action: The Oil Blockade on Cuba
-
Is Israel’s Reign Ending? Macklemore and the Cultural War Ov
...
-
School Deaths and Narco Killings: The UN and US Crimes in In
...
-
Black Lions, Roman Wolves (2026) — Review
المزيد.....
-
[كراسات شيوعية]اغتيال أندريه نين: أسبابه، ومن الجناة :تأليف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
سلام عادل- سيرة مناضل - الجزء الاول
/ ثمينة ناجي يوسف & نزار خالد
-
سلام عادل -سیرة مناضل-
/ ثمینة یوسف
-
سلام عادل- سيرة مناضل
/ ثمينة ناجي يوسف
-
قناديل مندائية
/ فائز الحيدر
-
قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني
/ خالد حسين سلطان
-
الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين
...
/ نعيم ناصر
-
حياة شرارة الثائرة الصامتة
/ خالد حسين سلطان
-
ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري
...
/ خالد حسين سلطان
-
قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول
/ خالد حسين سلطان
المزيد.....
|