أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد القطاونة - الاستحسان الحنفي كإطار إبستمولوجي لتجاوز الجمود والانحياز في الذكاء الاصطناعي














المزيد.....

الاستحسان الحنفي كإطار إبستمولوجي لتجاوز الجمود والانحياز في الذكاء الاصطناعي


محمد القطاونة

الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 21:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


د. محمد عبد الحميد سالم القطاونة
أستاذ مشارك في الفكر والفلسفة الإسلامية
تقف التكنولوجيا المعاصرة اليوم أمام معضلة إبستمولوجية حادة تنبع من طبيعة معالجة البيانات داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ إذ تعتمد الخوارزميات في اتخاذ القرارات وحل المشكلات على منطق استدلالي صارم ومغلق. يقوم هذا المنطق الحسابي على ربط المقدمات بالمخرجات بناءً على اطراد البيانات التاريخية السابقة، وهو ما يُنتج في التطبيق العملي ما يُعرف بـ "الجمود الخوارزمي" وتكرار "الانحيازات الإحصائية". فالآلة حين تُطبق القاعدة الحسابية العامة على الحالات الفردية الجارية دون القدرة على استيعاب السياقات الخاصة أو تقدير المآلات الاستثنائية، تقع في نوع من الظاهرية الرقمية التي قد تؤدي إلى نتائج جائرة وإنسانية قاسية، على الرغم من اتساقها الظاهري مع المقدمات والبيانات المدخلة.
أمام هذه الإشكالية الرقمية، يبرز التراث الأصولي الإسلامي—ولا سيما المنهج الفقهي لدى مدرسة أصحاب الرأي من الحنفية، معززاً بالعمق المقاصدي لدى الشاطبي والتحليل الغزالي—بوصفه زاخراً بأطر منهجية متقدمة عالجت إشكالية جمود القواعد العامة والتطبيق الحرفي للقياس الظاهر. وتعد نظرية "الاستحسان" عند الحنفية النموذج الأبرز لهذه العقلانية المرنة؛ فالاستحسان ليس إلغاءً للقاعدة أو حكماً بالهوى والتشهي كما قد يتبادر لغير المتخصصين، بل هو انتقالة أصولية منهجية من التطبيق الظاهر الشكلي للقاعدة إلى تطبيق أكثر عمقاً يراعي الروح المقاصدية والغايات العدلية للتشريع.
وقد صيغت التعريفات الأصولية للاستحسان لدى أئمة المذهب الحنفي بدقة متناهية تفكك هذه التنسيقية بين الظاهر والباطن. يقول الإمام الدبوسي في تقويم الأدلة: «الاستحسان في الحقيقة هو ترجيح قياس خفي أثرُهُ على قياس جلي أثرُهُ، أو هو تخصيص قياس بدليل أقوى منه مقتضياً للعدل». ويؤكد الإمام السرخسي في المبسوط ذات المعنى بقوله: «الاستحسان ترك القياس، والعمل بما هو أوفق للناس لرجحان دليل أوجب ذلك... والقياس يُترك بالأثر، وبالإجماع، وبالضرورة». إن هذا التأصيل يبيّن أن الاستحسان هو في جوهره ميزان دقيق يمنع طرد العلة وتكرارها إذا كان هذا الاطراد الصارم سيفضي بالضرورة إلى الحرج والجور بدلاً من تحقيق المصلحة.
ولا يقف هذا الوعي بتجاوز الحرفية الصارمة عند الحنفية وحدهم، بل يتقاطع بشكل عميق مع ما قرره حجة الإسلام الغزالي وأبو إسحاق الشاطبي في نقد التطبيق الجاف للنصوص والقواعد. ينبه الإمام الغزالي في المنخول إلى أزمة الانخداع بالظواهر الميكانيكية بقوله: «إنّ الجمود على ظواهر الصيغ من غير نظرٍ إلى مقاصد الشريعة ورعاية مصالحها زيغٌ عن سنن الاستدلال». ويتوج الإمام الشاطبي هذا المعنى في الموافقات بوضع القاعدة المألية الأخلاقية التي تحكم كل قياس واستدلال، حيث يقول: «النظر في مآلات الأفعال معتبرٌ مقصودٌ شرعاً، كان الفعل موافقاً أو مخالفاً... والمجتهد لا يحكم على فعلٍ صادِرٍ عن مكلَّفٍ بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظرهِ في ما يؤول إليه ذلك الفعل». إن نصوص الغزالي والشاطبي تمنح مفهوم الاستحسان أفقاً مقاصدياً واسعاً يرفض أن تُصبح القاعدة العامة سيفاً يقطع العدالة لمجرد الانضباط الصوري.
إن إسقاط هذه الأصول الفقهية على معمارية الذكاء الاصطناعي يُتيح صياغة نموذج مدروس لمعالجة تيبّس الخوارزميات. فـ "القياس الجلي" الحنفي والجمود على الظواهر الميكانيكية التي حذر منها الغزالي يطابقان تماماً "المعاملات الحسابية المباشرة" التي تُجريها الآلة بناءً على الاستدلال الميكانيكي المستند للبيانات المدخلة. وفي المقابل، فإن "القياس الخفي" أو "الترك بالضرورة والمصلحة" والنظر في المآلات عند الشاطبي، يُمثل الإطار الفلسفي لبناء ما يُسمى اليوم في الهندسة البرمجية بـ "خاصية التجاوز الأخلاقي" والسياقي (Ethical & Contextual Override). هذه الخاصية تُتيح للأنظمة الذكية مراعاة المآلات والانعطاف عن الحكم الحسابي الجاف عندما يتبيّن أن تطبيق القاعدة العامة سيؤدي إلى مخرجات انحيازية أو نتائج قاسية تناقض مقصد العدالة الذي أُنشئت الخوارزمية من أجله أساساً.
ختاماً، تُثبت مراجعة منطق الاستحسان الحنفي المطعّم بالقواعد المقاصدية أن الفكر الأصولي الإسلامي يحمل طاقات إبستمولوجية قادرة على إثراء النقاشات الدولية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحوكمته. إن إعادة قراءة الاستحسان في ظل الثورة الرقمية تُقدم نموذجاً متوازناً يجمع بين صرامة البناء المنهجي ومرونة التطبيق الميداني، مؤكدةً أن العدالة لا تتأتى من مجرد الاتساق الشكلي للحسابات والأرقام، بل من المدى الذي تُحقق فيه هذه الحسابات غايات الإنسان ومقاصد وجوده.



#محمد_القطاونة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرونة المعنى وسلطة المقاصد: الاجتهاد الإسلامي في عصر الذكاء ...
- أزمة المعنى والقلق الوجودي في الإنسان المعاصر
- العمارة الإسلامية الروحية: استعادة الإنسان في زمن الهيمنة ال ...
- من رصانة المنهج الشرعي إلى انحراف الفهم العقدي - الخوارج أنم ...
- فقه الأولويات العقدي وأزمة البرهنة في علم الكلام
- أدوات الصراع بين الأنسنة والوحي
- تفكيك البنية المعرفية للإلحاد المعاصر: قراءة نقدية في الأسس ...
- ما العرفان ؟
- التخيل المقاصدي في الفقه الاسلامي في حل الإشكاليات المعاصرة
- الدارونية واشكالية المعرفة
- العقل في محراب الوحي لإبراز دورة الحضاري
- المنهج الشكي في مواجهة اليقين
- اولويات النقد الفكري
- الإسلام وعالمية الأبستمولوجيا التشاركية للمعرفة
- اشكالية الدين والدولة
- حرية الفن الإسلامي من التجسيد الوثني والقيد الكهنوتي
- الفن في الفكر الاسلامي
- قراءات نصية: الوحي في النصرانية وظهور الهرمنيوطقيا
- القراءات الحداثوية للنص المقدس ج1
- الاحتجاجي اليوناني والاحتجاج المقدس


المزيد.....




- الأعياد اليهودية.. سلاح الاحتلال لفرض السيطرة الزمنية والمكا ...
- -ليحاسب الله إسرائيل-.. كلمة محمود خليل في فعالية يهودية تغض ...
- 8 دول إسلامية تدعو إسرائيل لتنفيذ التزاماتها بغزة ووقف الاست ...
- نتنياهو الملاحق بجرائم حرب يتوعد ممداني ويتهمه بـ«التحريض ضد ...
- الأرجنتين توجه اتهامات إلى 7 إيرانيين ولبناني في قضية تفجير ...
- نيويورك.. يهود يحيون ذكرى فلسطينيين قتلوا في غزة بمناسبة -يو ...
- وزراء خارجية 8 دول إسلامية يدعون لتنفيذ المرحلة الأولى من ال ...
- سفير إسرائيل في ألمانيا: الحياة اليهودية في برلين في خطر
- مالي: عشرة أيام دامية وسط البلاد بعد هجمات لجماعة نصرة الإسل ...
- الأرجنتين تتهم سبعة إيرانيين ولبنانيا في تفجير استهدف مركزا ...


المزيد.....

- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد القطاونة - الاستحسان الحنفي كإطار إبستمولوجي لتجاوز الجمود والانحياز في الذكاء الاصطناعي