أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - الجمالية والكمالية والطوباوية















المزيد.....



الجمالية والكمالية والطوباوية


عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 11:38
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


’إلى التراب تنتهي ومن التراب تبدأ الحياة.
وحضارتنا اللعينة يجب أن تنتهي كلها، قبل
أن تدب روح الحياء مجدداً في هذا العالم الفاسد.‘
’مورلان‘، في عائلة تيبو لروجر مارتن دو غارد

هناك تكمن في برنامج أفلاطون مقاربة معينة تجاه السياسية تشكل، على ما أعتقد، خطراً عظيماً، وهو ما يجعل تحليلها ذو أهمية عملية كبيرة من وجهة نظر الهندسة الاجتماعية العقلانية. يمكن وصف المقاربة الأفلاطونية التي أقصدها كنوع من أنواع الهندسة الطوباوية، معارضة بنوع آخر من الهندسة الاجتماعية أعتبره النوع العقلاني الوحيد، والذي يمكن وصفه باسم الهندسة المتدرجة. بينما تعتبر المقاربة الطوباوية أكثر خطورة نظراً لأنها قد تبدو البديل الواضح للتاريخانية المحضة- المقاربة التاريخانية المتطرفة التي تنفي قدرتنا على تبديل مجرى التاريخ؛ لكنها تبدو في الوقت نفسه تكملة ضرورية لتاريخانية أقل تطرفاً، مثل تاريخانية أفلاطون، تجيز التدخل البشري.

يمكن وصف المقاربة الطوباوية كالآتي. يجب أن يكون لأي فعل عقلاني غاية معينة. وهو يكون عقلاني بقدر ما يقتفي غايته بطريقة واعية ودؤوبة، بقدر ما يقرر وسائله وفقاً لهذه الغاية. بالتالي يكون اختيار الغاية هو أول شيء يتعين علينا القيام به إذا أردنا التصرف بعقلانية؛ وعلينا أن نراعي تقرير غاياتنا الحقيقية أو الأخيرة، التي يجب تمييزها بوضوح من الغايات المتوسطة أو الجزئية التي هي فعلياً وسائل فقط، أو خطوات على الطريق، إلى الغاية الأخيرة. إذا أغفلنا هذا التمييز، نغفل عندئذٍ أيضاً السؤال عما إذا كان يرجح أن تعزز هذه الغايات الجزئية الغاية الأخيرة، وبالتالي نعجز عن التصرف بعقلانية. حال تطبيق هذه المبادئ على حيز النشاط السياسي ستتطلب منا تقرير غايتنا السياسية الأخيرة، أو الدولة الفاضلة، قبل الإقدام على أي إجراء عملي. فقط بعد تقرير هذه الغاية الأخيرة، ولو بشكل تقريبي على الأقل، ساعتها فقط يصبح بين أيدينا شيئاً أشبه بمسودة للمجتمع الذي نبتغيه، وساعتها فقط يمكن أن نبدأ النظر في أفضل السبل والوسائل لتحقيقه، وفي وضع خطة للتحرك العملي. تلك هي الأوليات الضرورية لأي تحرك سياسي عملي يمكن نعته بالعقلانية، وعلى وجه التحديد للهندسة الاجتماعية.

تلك، باختصار، هي المقاربة المنهجية التي أدعوها الهندسة الطوباوية. هي مقنعة وجذابة. في الحقيقة، هي بالضبط نوعية المقاربة المنهجية القادرة على اجتذاب جميع هؤلاء الذين هم إما لم تؤثر فيهم التحيزات التاريخانية أو لم ينتفضوا ضدها. الأمر الذي يزيد من حدة خطورتها ويجعل التعجيل بنقدها أكثر إلحاحاً.

قبل المضي إلى نقد تفصيلي للهندسة الطوباوية، أود استعراض مقاربة أخرى للهندسة الاجتماعية، بالتحديد تلك الخاصة بالهندسة المتدرجة. أظن أن هذه مقاربة سليمة من الناحية المنهجية. وقد يحصل، أو لا يحصل، السياسي الذي يتبنى هذه المنهجية على مسودة في مخيلته للمجتمع الذي ينشده، وقد يأمل، أو لا يأمل، في أن تحقق البشرية ذات يوم الدولة الفاضلة، وتبلغ السعادة والكمال على وجه البسيطة. لكنه سيبقى مدركاً أن الكمال، إذا كان ممكناً أصلاً، لا يزال بعيد المنال، وأن كل جيل من البشر، ومن ضمنهم أيضاً الأحياء، مخول إلى حق؛ ربما ليس ما يكفي من الحق لكي تُمنح له السعادة، لعدم وجود وسيلة مؤسساتية لجعل الناس سعداء، لكن حق لكي لا يُصاب بالحزن، حيث يمكن تفاديه. كل فرد له الحق في أن تُمد له يد العون الممكن، عندما يكون في محنة. وبناء عليه يتبني المهندس المتدرج منهجية للبحث عن، والكفاح ضد، أبشع وأحلك شرور المجتمع، عوضاً عن البحث عن، والكفاح من أجل، أعظم الخير الأخير. هذا الاختلاف أكبر كثيراً من مجرد الاختلاف اللفظي. في الحقيقة، هو الأهم على الإطلاق. هو الاختلاف بين منهجية معقولة لتحسين قدر الإنسان، ومنهجية، إذا جربت فعلاً، قد تؤدي بسهولة إلى زيادة لا تحتمل في المعاناة البشرية. هو الفارق بين منهجية يمكن تطبيقها في أي لحظة، ومنهجية قد تتحول الدعوة لها بسهولة إلى وسيلة للتسويف المستمر للعمل الجاد حتى إشعار آخر، حين تصبح الشروط أكثر ملائمة. وهو أيضاً الاختلاف بين المنهجية الممكنة الوحيدة لتحسين الأمور التي قد برهنت حتى الآن على نجاح حقيقي، في كل زمان ومكان (حتى في روسيا، كما سنرى)، ومنهجية لم تُفضي، حيثما جربت، إلا إلى استعمال العنف في مكان العقل، وإذا لم يكن إلى هجرها، على الأقل إلى هجر مسودتها الأصلية.

في صف هذه المنهجية، بمقدور المهندس المتدرج ادعاء أن الكفاح المنظم والدؤوب ضد المعاناة والظلم والحرب قد يجد ارتياحاً وقبولاً أكبر من الناس مقارنة بالكفاح من أجل إنشاء شيء ما مثالي. من الأسهل بالمقارنة إثبات وجود الشرور الاجتماعية، أو الشروط الاجتماعية المتسببة في معاناة الكثيرين من الناس. وهذا ما يستطيع هؤلاء الذين يعانون معرفته بأنفسهم، ولن ينكر الآخرون عدم رغبتهم في تبديل الأماكن. بينما من الأكثر صعوبة بلا حدود تقديم الحجج المعقولة من أجل مجتمع مثالي. تتسم الحياة الاجتماعية بقدر من التعقيد يجعل قلة فقط، أو لا أحد على الاطلاق، هم من يمكنهم معرفة مسودة الهندسة الاجتماعية على النطاق الواسع؛ إذا كانت ممكنة من الناحية العملية؛ إذا كانت ستحدث تحسيناً حقيقياً؛ ما قد تنطوي عليه من معاناة حقيقية؛ وما هي الوسائل المستعملة في سبيل تحقيقها. مقابلة بذلك، تتسم مسودات الهندسة المتدرجة بالبساطة. هي مسودات لمؤسسات منفردة، مثل التأمين على الصحة والبطالة، أو ساحات التحكيم، أو موازنة مكافحة الكساد، أو الإصلاح التعليمي. عندما تضل أي منها الطريق، لن تكون الأضرار جسيمة جداً، أو عملية مراجعتها وتعديلها صعبة جداً. هي أقل مخاطر، ولهذا السبب ذاته أقل إثارة للجدل. لكن إذا كان من الأسهل الوصول إلى اتفاق معقول حول الشرور القائمة ووسائل محاربتها مقارنة بالحال مع الخير المثالي ووسائل تحقيقه، عندئذٍ يوجد أيضاً أمل أكبر في أن نتمكن، باستعمال المنهجية المتدرجة، من تذليل أضخم صعوبة عملية في كل إصلاح سياسي معقول، وهي بالتحديد اللجوء إلى استعمال العقل بدلاً من العاطفة والعنف، في تنفيذ البرنامج. عندئذٍ ستتوفر الإمكانية للتوصل إلى تسوية معقولة ومن ثم إنجاز التحسين عبر الوسائل الديمقراطية. (قد تكون ’التسوية‘ كلمة قبيحة، لكن من المهم أن نعرف استعمالها الصحيح. المؤسسات هي حتماً نتيجة تسوية مع متغيرات الظروف والمصالح الخ، رغم أننا كأشخاص ينبغي أن نقاوم مؤثرات من هذا النوع.)

معارضة بذلك، سنجد أن المسعى الطوباوي لتحقيق دولة فاضلة، باستخدام مسودة للمجتمع ككل، يتطلب حكماً مركزياً قوياً على يد قلة، الذي سوف يؤدي في أغلب الظن إلى الحكم الديكتاتوري. وهو ما يعتبر أحد أبرز عيوب المقاربة الطوباوية؛ ذكرت في الفصل عن مبدأ القيادة أن الحكم السلطوي يعد أحد أبغض أشكال الحكومة. لكن هناك بعض النقاط التي لم نتطرق لها في ذلك الفصل تمدنا حتى بحجج أكثر قوة ضد المقاربة الطوباوية. من المصاعب أمام المستبد العادل هي أن يعرف ما إذا كانت إجراءاته تتفق مع نواياه الطيبة (كما رأى دي توكفيل بوضوح قبل أكثر من مائتي سنة). تنشأ الصعوبة من حقيقة أن السلطوية يجب أن تقمع النقد؛ وبناءً عليه، لن يتمكن الدكتاتور العادل بسهولة من سماع مظالم تخص الإجراءات المتخذة من قبله. ومن دون هذا القيد، لن يستطيع معرفة ما إذا كانت إجراءاته تحقق الغاية العادلة المنشودة. ويصبح الوضع حتى أكثر سوءً بالضرورة بالنسبة للمهندس الطوباوي. حيث تعد إعادة هيكلة مجتمع بأكمله من المهام شبه المستحيلة التي لابد أن تتسبب في أثمان باهظة على كثيرين، وتتطلب مدى زمني طويل للغاية. وبناءً عليه، سيضطر المهندس الطوباوي إلى صم آذانه دون مظلم عديدة؛ في الحقيقة، سيكون جزء من عمله أن يقمع الاعتراضات غير المعقولة. سيقول، كما قال لينين، ’لا يمكنك عمل أومليت من دون كسر البيض.) بجانب ذلك، سيضطر في النهاية إلى قمع النقد المعقول أيضاً. هناك صعوبة أخرى أمام الهندسة الطوباوية تكمن في مشكلة خليفة الديكتاتور. ذكرت في الفصل 7 أوجه معينة لهذه المشكلة. غير أن الهندسة الطوباوية تثير صعوبة مشابهة لكن حتى أكثر جدية من تلك التي تواجه المستبد العادل الذي يحاول إيجاد خليفة عادل مثله (انظر الملحوظة 25 في الفصل 7). كذلك النطاق الضخم ذاته للمشروع الطوباوي سيجعل من شبه المؤكد أن غاياته لن تتحقق خلال أمد حياة مهندس اجتماعي واحد، أو مجموعة من المهندسين. وإذا لم يتابع الخلفاء بأمانة وتفاني نفس النموذج المثالي، قد تضيع هباءً كل تضحيات الناس أملاً في بلوغ تلك الغاية المثالية المفقودة.

يقودنا تعميم هذه الحجة إلى توجيه المزيد من النقد للمقاربة الطوباوية. حيث يتبين أن هذه المقاربة قد تحمل قيمة عملية فقط إذا افترضنا أن المسودة الأصلية، ربما مع بعض التعديلات، ستبقى هي أساس العمل لحين اكتماله. لكن الأمر سيستغرق زمناً. وخلال هذا الزمن ستندلع ثورات، سواء سياسية أو روحية، وتتراكم التجارب والخبرات الجديدة في الحقل السياسي. وعليه يتوقع أن تتغير الأفكار والمثاليات. بالتالي قد يصبح ما بدا الدولة المثالية للأشخاص الذين وضعوا المسودة الأصلية، ليس كذلك لورثتهم. إذا سلمنا بذلك، ستنهار المقاربة رأساً على عقب. وسنكتشف أن إنشاء غاية سياسية نهائية أولاً ثم بدء التحرك باتجاهها هي مقاربة عقيمة إذا عرفنا أن الغاية قد تتغير كثيراً أثناء عملية تحقيقها. وقد يتبين في أي لحظة أن الخطوات المقطوعة حتى الآن تقود بالفعل بعيداً عن تحقيق الغاية الجديدة. فإذا غيرنا وجهتنا وفقاً للغاية الجديدة، عندئذٍ نعرض أنفسنا لنفس المخاطرة مجدداً. ورغم كل ما قدمناه من تضحيات، قد لا نصل أبداً لأي مكان على الإطلاق. لذلك ينبغي على هؤلاء الذين يفضلون خطوة واحدة باتجاه مثالية بعيدة على تحقيق تسوية متدرجة أن يتذكروا دائماً أنه عندما تكون المثالية بعيدة جداً، قد يصبح من الصعوبة حتى القول إذا كانت الخطوة المقطوعة تقودنا فعلاً باتجاهها أو بعيداً عنها. ويصدق ذلك بشكل خاص حين يتخذ المسار خطوات متعرجة، أو بحسب مصطلح هيجل، ’جدلية‘، أو لا يمضي وفق خطة واضحة أصلاً. (لذلك محمل على السؤال القديم والطفولي بعض الشيء حول المدى الذي تبرر إليه الغاية الوسيلة. بمعزل عن الادعاء أن لا غاية يمكن أبداً أن تبرر كل الوسائل، أحسب أن الغاية الملموسة والقابلة للتحقيق يمكن أن تبرر تدابير مرحلية قد لا تستطيع أن تبررها أبداً المثالية الأكثر بعداً.)

نرى الآن استحالة إنقاذ المقاربة الطوباوية إلا بواسطة المعتقد الأفلاطوني في مثالية واحدة مطلقة وغير متغيرة، مدعومة باقتراضين إضافيين، وهما (أ) أن هناك مناهج عقلانية لكي نقرر مرة واحدة وللأبد ما هي هذه المثالية، و(ب) أن بمقدورنا معرفة أفضل الوسائل لتحقيقها. وحدها مثل هذه الافتراضات الجارفة هي القادرة على منعنا من إعلان عقم المنهجية الطوباوية بالكامل. لكن سنجد أن حتى أفلاطون نفسه ومعظم غلاة الأفلاطونيين يعترفون أن (أ) خاطئة بالتأكيد؛ حيث لا توجد منهجية عقلانية لتقرير الغاية النهائية، بل كل ما هناك مجرد نوع من الحس البديهي فقط، إذا وجد شيء على الإطلاق. بالتالي سيؤدي أي اختلاف في الرأي بين المهندسين الطوباويين حتماً، في غياب المناهج العقلانية، إلى استعمال القوة بدلاً من العقل، ما يعني اللجوء إلى العنف. وإذا تحقق أصلاً أي تقدم في أي وجهة محددة، سنجده يتحقق رغم المنهجية المتبعة، لا بفضلها. عندئذٍ يمكننا أن ننسب النجاح إلى براعة القادة؛ لكن علينا ألا ننسى أبداً أن المناهج العقلانية لا تنتج قادة بارعين، مثل هؤلاء لا يجيئون إلا بالصدفة فقط.

من المهم أن نفهم هذا النقد بالصورة الصحيحة؛ أنا لا أنتقد المثالية بالقول أن المثاليات لا يمكن أن تتحقق أبداً، وأنها لذلك يجب أن تبقى دائماً مجرد حلم طوباوي. مثل هذا القول غير صحيح، لأن هناك أشياء عديدة كان يُعتقد في استحالة تحققها قد تحققت بالفعل، مثل إنشاء مؤسسات تضمن السلم الأهلي، أي لمنع الجريمة داخل الدولة؛ وأحسب أنه بالإمكان أيضاً، على سبيل المثال، إنشاء مؤسسات مقابلة لمنع الجريمة الدولية، أي العدوان المسلح أو الابتزاز، رغم وصف ذلك بالطوباوية عادةً. ما أعيبه على الهندسة الطوباوية هو سعيها لإعادة إنشاء المجتمع ككل، ما يعني إحداث تغييرات جارفة يصعب التحسب لعواقبها العملية، بالنظر إلى خبراتنا المحدودة. يدعي المهندس الطوباوي قدرته على وضع خططاً عقلانية لكل المجتمع، رغم أننا في الحقيقة لا نمتلك أي شيء يشبه المعرفة الحقائقية الضرورية حتى نتجرأ ونصدر ادعاءً بهذا القدر من المغالاة في الطموح. نحن لا نستطيع امتلاك هذه المعرفة نظراً لعدم امتلاكنا الخبرة العملية الكافية في هذا النوع من التخطيط، ويجب أن تستند المعرفة بالحقائق إلى التجربة. بكل بساطة، لا توجد في الوقت الحالي المعرفة الاجتماعية الضرورية لهندسة اجتماعية واسعة النطاق.

في ضوء هذا النقد، قد يقر المهندس الطوباوي بالحاجة للتجربة العملية، وللتكنولوجيا الاجتماعية المستندة إلى التجارب العملية. لكنه سيقول أننا لن نعرف المزيد أبداً حول هذه الأمور إذا تقاعسنا عن إجراء تجارب اجتماعية هي وحدها القادرة على إمدادنا بالخبرة العملية المطلوبة. وقد يضيف أن الهندسة الطوباوية ليست سوى تطبيق للمنهجية التجريبية على المجتمع. لكن يجب أن نعلم أن إجراء هذه التجارب ينطوي حتماً على تغييرات جارفة. حيث يجب أن تكون واسعة النطاق، بالنظر إلى طبيعة المجتمع الحديث القائم على تجمعات سكانية ضخمة. سنجد، على سبيل المثال، أن التجريب في الاشتراكية، إذا اقتصر على مصنع، أو قرية، أو حتى مدينة، لن يعطينا أبداً نوعية المعلومات الموثوقة التي نحن بحاجة ماسة لها.

تُظهر هذه الحجج في صف الهندسة الطوباوية تحيزاً يحظى بقبول واسع حتى رغم صعوبة الدفاع عنه، وهو التحيز أن التجارب الاجتماعية يجب أن تتم على ’نطاق واسع‘، أنها يجب أن تشمل المجتمع كله إذا كان يُراد لها أن تجري تحت شروط حقيقية. لكن التجارب الاجتماعية المتدرجة يمكن أن تجري تحت شروط حقيقية، وسط المجتمع، رغم كونها على ’نطاق صغير‘، ما يعني من دون تثوير المجتمع كله. في الحقيقة، نحن نجري هذه التجارب طوال الوقت. تقديم نوعية جديدة من التأمين على الحياة، نوعية جديدة من الضرائب، إصلاح قانوني جديد، كل تلك هي تجارب اجتماعية لها تداعيات عبر المجتمع كله من دون إعادة تشكيل المجتمع ككل. سنجد أن حتى الرجل الذي يفتح متجراً جديداً، أو الذي يحجز تذكرة مسرح، يجري نوعاً من التجربة الاجتماعية على نطاق صغير؛ وأن كل معرفتنا عن الشروط الاجتماعية تستند على التجربة المكتسبة من إجراء تجارب من هذا النوع. صحيح أن المهندس الطوباوي الذي يعترض محق حين يقول أن التجريب في الاشتراكية ليست له قيمة كبيرة إذا أجري تحت شروط مختبرية، على سبيل المثال في قرية معزولة، لأن ما نريد معرفته هو كيف تمضي الأمور في مجتمع تحت الشروط الاجتماعية المعتادة. لكن نفس هذا المثال يظهر أين بالضبط يكمن تحيز المهندس الطوباوي. هو مقتنع أننا يجب أن نعيد صب هيكل المجتمع الكامل، حين نجرب فيه؛ بالتالي هو لا يتصور التجربة الأكثر تواضعاً إلا كتلك التي تعيد صب البنيان الكامل لمجتمع صغير. لكن نوعية التجربة التي يمكن أن نتعلم منها فعلاً هي التعديل في مؤسسة اجتماعية واحدة في كل مرة. لأننا بهذه الطريقة وحدها نستطيع تعلم كيف نُكيف المؤسسات في إطار المؤسسات الأخرى، كيف نعدلها حتى تعمل وفقاً لمقاصدنا. بهذه الطريقة فقط قد نخطئ، ونتعلم من أخطائنا، من دون المخاطرة بتداعيات على قدر من الجسامة تهدد بالخطر حتى إرادة إجراء إصلاحات مستقبلية. أكثر من ذلك، حتماً تؤدي المنهجية الطوباوية إلى تعلق عقائدي خطير بالمسودة التي قد بذلت من أجلها تضحيات لا تحصى. حيث سينشأ حتماً ارتباط بين مصالح متنفذة ونجاح التجربة. كل ذلك لا يساهم في عقلانية التجربة، أو في قيمتها العلمية. في المقابل، تجيز المنهجية المتدرجة التجارب المتكررة والتعديلات المستمرة. وفي الحقيقة قد تؤدي إلى الموقف السعيد حيث يبدأ الساسة التفتيش في أخطائهم بدلاً من محاولة تبريرها للبرهنة على أنهم كانوا دائماً على الصواب. هذا- وليس التخطيط الطوباوي أو النبوة التاريخية- قد يعني تقديم المنهجية العلمية إلى السياسة، نظراً لأن سر المنهجية العلمية الكامل هو الاستعداد للتعلم من الأخطاء.

أعتقد أنه يمكن تدعيم هذه الآراء من خلال المقارنة بين الهندسة الاجتماعية والهندسة الميكانيكية، على سبيل المثل. بالطبع سيدعي المهندس الطوباوي أن المهندسين الميكانيكيين أحياناً يضعون الخطط حتى لماكينات بالغة التعقيد ككل، وأن مسوداتهم وخططهم قد تغطي سلفاً ليس فقط نوعية معينة من الماكينة، بل حتى كامل المصنع المنتج لهذه الماكينة. جوابي هو أن بمقدور المهندس الميكانيكي فعل كل ذلك لتوفر الخبرة الكافية تحت تصرفه، بمعنى النظريات التي تطورت عبر المحاولة والخطأ. لكن هذا يعني أنه يستطيع وضع الخطط لأنه قد اجتاز بالفعل كل أنواع الأخطاء؛ أو، في قول آخر، لأنه يعتمد على الخبرة التي قد راكمها من تطبيق مناهج متدرجة. في الحقيقة ماكينته الجديدة هي محصلة عدد هائل من التحسينات الصغيرة. في العادة يكون لديه النموذج أولاً، ثم فقط بعد عدد هائل من التعديلات المتدرجة على أجزائه المختلفة يمكنه التقدم إلى مرحلة حيث يستطيع وضع خططه النهائية للإنتاج. بالمثل، تنطوي خطته لإنتاج ماكينته على عدد هائل من التجارب، التي كانت عبارة عن تحسينات متدرجة جرت في مصانع أكثر قدماً. هكذا يمكن القول أن المنهجية الكلية أو واسعة النطاق لا تعمل إلا بعد أن تمدنا المنهجية المتدرجة أولاً بعدد كبير من التجارب التفصيلية، وحتى حينئذٍ ضمن نطاق تلك التجارب فقط. لن تجد مصنعين كثر على استعداد للمضي إلى إنتاج محرك جديد على أساس مسودة فقط، حتى لو كانت من وضع أعظم الخبراء، من دون صنع نموذج أولاً ثم ’تطويره‘ بواسطة التعديلات الطفيفة لأقصى حد ممكن.

قد يفيد هنا عقد مقارنة بين هذا النقد للمثالية الأفلاطونية في السياسة وبين نقد ماركس لما يدعوها ’الطوباوية‘. الشيء المشترك بين نقد ماركس ونقدي هو أن كليهما يتطلب واقعية أكبر. حيث يعتقد كلينا أن الخطط الطوباوية لن تتحقق أبداً بنفس طريقة تصورها، لأن أي فعل اجتماعي لا ينتج أبداً النتيجة المتوقعة منه بالضبط. (هذا، في رأيي، لا يبطل المقاربة المتدرجة، لأننا هنا قد نتعلم- أو بالأحرى ينبغي أن نتعلم- وفي أثناء العمل نغير آرائنا.) لكن تبقى هناك اختلافات عديدة. في الاحتجاج ضد الطوباوية، يدين ماركس في الحقيقة كل الهندسة الاجتماعية- وهي نقطة لا أفهمها. هو يشجب الايمان بالتخطيط العقلاني للمؤسسات الاجتماعية باعتباره غير واقعي بالكلية، نظراً لأن المجتمع يجب أن ينمو وفقاً لقوانين التاريخ وليس وفقاً لخططنا العقلانية. ويزعم أن كل ما نستطيع فعله هو مجرد التخفيف من آلام الوضع للعمليات التاريخية. في قول آخر، هو يتبنى نظرة تاريخانية متطرفة، تعترض على كل الهندسة الاجتماعية. لكن يبقى هناك عنصر واحد في الطوباوية يميز مقاربة أفلاطون خصيصاً ولا يعترض عليه ماركس، رغم أن هذا العنصر ربما يكون الأكثر أهمية من تلك التي قد هاجمتها بوصفها غير واقعية. هو تطرف الطوباوية، سعيها للتعامل مع المجتمع ككل، دون أن تترك حجراً واحداً على حاله. الاقتناع أن علينا الحفر وصولاً إلى جذور الشر الاجتماعي ذاته، أن لا شيء أقل من الاستئصال الكامل للنظام الاجتماعي المعيب سيجدي نفعاً إذا كنا نرغب في ’جعل العالم مكاناً أفضل للعيش فيه‘ (على حد قول جو جارد). باختصار، هو تطرفها الذي لا هوادة فيه. (سيلاحظ القارئ أنني أستعمل هذا المصطلح بمغزاه الأصلي والحرفي- ليس مغزاه المعتاد الآن لدى ’التقدمية التحررية‘، لكن لكي أميز توجه ’الوصول إلى جذر المسألة‘.) كان أفلاطون وماركس يحلمان بثورة قيامية تقتلع كل العالم الاجتماعي من جذوره.

أرجح أن هذا التطرف الجامح والجارف في المقاربة الأفلاطونية (والماركسية كذلك) يعود إلى جمالانيتها، بمعنى الرغبة في بناء عالم ليس أفضل وأكثر عقلانية قليلاً من عالمنا فحسب، بل يخلو كذلك من كل قبحه: ليس مجرد لفافة خرقاء، ثوب بالي مهترئ بالرقع، بل ثوب جديد كلياً، عالم جديد جميل بحق. تعبر هذه الجمالانية عن توجه مفهوم تماماً؛ في الواقع، أعتقد أن معظمنا مصاب قليلاً بداء أحلام الكمال من هذا النوع. (ستتضح، على ما آمل، بعض الأسباب التي تدفعنا لذلك في الفصل المقبل.) لكن هذه الحماسة الجمالية لا تكون ذات قيمة إلا عندما يلجمها العقل، يلجمها شعورنا بالمسؤولية، ويلجمها الوازع الإنساني لمد يد العون. خلافاً لذلك تكون حماسة خطرة، عرضة للتطور إلى شكل من العصاب أو الهستيريا.

لن نجد في أي مكان تعبيراً أكثر قوة عن هذه الجمالانية مما نجده لدى أفلاطون. كان أفلاطون فناناً بحق؛ وعلى شاكلة أعظم الفنانين، حاول تجسيم نموذجاً، ’الأصل الإلهي‘ لعمله، وأن يصنع منه ’صورة‘ طبق الأصل. تضمن الفصل الفائت عدداً وجيهاً من الاقتباسات التي تبين هذه النقطة بوضوح تام. سنجد أن ما يصفها أفلاطون جدليات هي في الحقيقة الهام ذهني بعالم من الجمال الخالص. وفلاسفته المدربين هم رجال ’قد انكشفت لهم حقيقة ما هو جميل وعادل، وخير، وبمقدورهم تنزيله من السماء إلى الأرض. وكما رآها أفلاطون، كانت السياسة نوع من الفن الملكي. فن- ليس بالمغزى المجازي الذي قد نتحدث به حول فن التعامل مع الناس، أو فن صنع الأشياء، لكن بالمغزى الحرفي للكلمة. هي فن الإبداع، مثل الموسيقى أو الرسم أو النحت. السياسي الأفلاطوني يبتدع المدن، لغرض الجمال.

هنا أجدني مضطراً لتسجيل اعتراضي على استعمال الحيوات البشرية وسيلة لإشباع رغبات الفنان في التعبير الذاتي. ينبغي إعطاء كل إنسان، عندما يرغب، الحق في عيش حياته كيفما يريد، إلى حد ما لا يعتدي على حياة الآخرين. رغم تعاطفي الأكيد مع الوازع الجمالي، لكنى على قناعة بأنه يجدر بالفنان البحث عن التعبير عن ذاته في مادة أخرى. وأطالب بوجوب أن تُعلي السياسة من المبادئ المساواتية والفردانية؛ وأن تُخضع أحلام الجمال لضرورة مد يد العون للمكروبين والمظلومين، ولضرورة إنشاء المؤسسات التي تصون وتخدم هذه المقاصد.

من الجدير بالملاحظة وجود علاقة وثيقة بين تطرف أفلاطون الجامح ومطلبه بتدابير جارفة وجمالانيته. يتضح كل ذلك في أجلى صورة في الفقرات الآتية. يذكر أفلاطون، في حديثه عن ’الفيلسوف الذي يمكنه الاتصال بالمقدس‘، أنه بداية سوف ’ينغمر بالوازع .. لتحقيق رؤيته السماوية في الأفراد وكذلك في المدينة‘، - مدينة من النوع الذي ’لن يعرف السعادة أبداً ما لم يكن رساموها فنانون يتخذون من المقدس نموذجاً لهم‘. وحين سؤاله حول تفاصيل رسوماتهم، يعطي ’سقراط‘ الأفلاطوني الجواب الغريب الآتي: ’سوف يتخذون كقماشةً لهم مدينة وشخصيات الرجال، وسيقومون، بادئ ذي بدء، بتنظيف قماشتهم- وهي مسألة ليست سهلة أبداً. لكن هذا هو بالضبط المطلوب، كما تعرفون، وهنا يكمن تميزهم على كل الآخرين. لن يبدؤا العمل على مدينة ولا على فرد (ولن يضعوا قوانين) ما لم تُعطى لهم قماشة نظيفة، أو بعد تنظيفها بأيديهم.‘

سنعرف حالاً نوعية الشيء في مخيلة أفلاطون حين تحدث عن تنظيف القماشة. ’كيف يمكن القيام بذلك؟‘ يسأل قولاكن. ويجيب سقراط: ’يجب طرد كل المواطنين فوق سن العاشرة من المدينة وإبعادهم إلى الريف؛ ثم أخذ الأطفال بعد تحريرهم من تأثير آداب وعادات والديهم. عندئذٍ يبدأ تعليمهم بوسائل [الفلسفة الحقة]، ووفقاً للقوانين، كما قد فصلنا سابقاً.‘ (بالطبع لا يندرج الفلاسفة ضمن المواطنين غير المرغوب في بقائهم بالمدينة: هؤلاء يبقون كمعلمين، وعلى ما يفترض سيبقى معهم خدمهم وحشمهم من غير المواطنين للسهر على راحتهم.) بنفس الروح، يتحدث أفلاطون في السياسي عن الحكام الملكيين الذين يحكمون وفقاً لعلم السياسة الملكي: ’سواء كانوا يحكمون بالقانون أو بدون قانون، على رعايا مطيعين أو متمردين؛ ... وسواء طهروا الدولة لخيرها، بقتل أو إبعاد [أو ’نفي‘] بعض من مواطنيها ...- إلى حد ما يمضون وفقاً للعلم والعدل، ويحفظون ... الدولة ويجعلونها أفضل مما كانت، يجب إعلان هذا الشكل من الحكومة الشكل الوحيد الصائب.‘

تلك هي طريقة عمل السياسي الفنان. كل ما يشغله هو تنظيف القماشة. يجب أن يمسح المؤسسات والتقاليد القائمة. يجب أن يطهر ويصفي ويطرد وينفي ويقتل. (’التصفية‘ مصطلح حديث مرعب يرمز لكل ذلك.) في الحقيقة يعرض قول أفلاطون وصفاً دقيقاً للتوجه غير المهادن لكل أشكال التطرف المطلق- توجه الرفض الجمالاني لتقديم أي تنازل. هكذا توصل رؤية وجوب أن يكون المجتمع جميلاً مثل العمل الفني بسهولة تامة إلى انتهاج تدابير عنيفة ودموية. لكنه تطرف وعنف عقيم ودون مبرر. (يتضح ذلك من المثال الذي يقدمه منحى التطور الروسي. عقب الانهيار الاقتصادي الناتج عن تنظيف القماشة مما تسمى ’الشيوعية الحربية‘، قدم لينين ما أسماها ’سياسة اقتصادية جديدة‘، التي لم تكن في الحقيقة سوى نوع من الهندسة المتدرجة، ولو من دون صياغة محكمة لمبادئها أو تقنياتها. بدأ باستعادة معظم ملامح الصورة التي سبق محوها بثمن باهظ من المعاناة البشرية. أعاد فتح الأبواب أمام حركة الأموال، والأسواق، وفروق الدخل، والملكية الخاصة- ولبعض الوقت حتى المشروعات الخاصة في الإنتاج، وفقط بعد إعادة إنشاء هذا الأساس بدأت حقبة جديدة من الإصلاح.)

لكي ننقد الأسس التي أقام فوقها أفلاطون تطرفه الجمالي، نحتاج إلى التمييز بين نقطتين مختلفتين.

إليكم النقطة الأولى. سنلاحظ أن ما يكون في مخيلة بعض الأشخاص أثناء الحديث عن ’نظامهم الاجتماعي‘، وعن الحاجة لاستبداله ’بنظام‘ آخر، يتشابه كثيراً مع الصورة المرسومة على قماشة بعد تنظيفها بمسح كل ما عليها حتى يستطيع المرء وضع رسمته الجديدة. لكن تبقى هناك بعض الاختلافات الهامة. من بينها أن الرسام وهؤلاء المتعاونون معه وكذلك المؤسسات التي تجعل حياتهم ممكنة، وأحلامه وخططه لعالم أفضل، ومعاييره للحشمة والأخلاق، تبقى جميعاً جزء من النظام الاجتماعي، أي من الصورة التي يريدون مسحها. إذا ما أرادوا حقاً تنظيف القماشة، سيتعين عليهم مسح أنفسهم، وخططهم الطوباوية. (وما يتلو ذلك قد لا يكون الصورة المثالية الأفلاطونية الجميلة بل الفوضى.) بطبيعته يطمح الفنان السياسي، من شاكلة أرخميدس، بمكان خارج العالم الاجتماعي يمكنه من الارتقاء بهذا العالم إلى حيث يطمح له . لكن مثل هذا المكان لا وجود له في الحقيقة؛ وسيستمر العالم الاجتماعي في العمل أثناء أي إعادة هيكلة. هذا ببساطة هو السبب الذي يستوجب منا إصلاح مؤسساته قليلاً بقليل، حتى تتراكم لدينا الخبرة بالهندسة الاجتماعية.

يقودنا ذلك إلى النقطة الثانية الأكثر أهمية، إلى اللاعقلانية الكامنة في التطرف. في كل الأمور، نحن لا نستطيع التعلم إلا بالمحاولة والخطأ، بعمل الأخطاء والتحسينات؛ لا نستطيع أبداً الركون على الالهام، رغم أهمية الالهام العظيمة طالما كان محكوماً بالخبرة السابقة. وبناءً عليه، يصبح من غير المعقول افتراض أن إعادة الهيكلة الكاملة لعالمنا الاجتماعي ستقود دفعة واحدة إلى نظام صالح للعمل. بل الأحرى أن نتوقع، على ضوء قلة الخبرة، أن نقع في أخطاء كثيرة لا يمكن تصحيحها إلا من خلال عملية طويلة وشاقة من التعديلات الصغيرة؛ بتعبير آخر، من خلال تلك المنهجية العقلانية للهندسة المتدرجة التي ننصح بتطبيقها. لكن هؤلاء الذين تزعجهم هذه المنهجية لكونها غير متطرفة بالقدر الكافي سيضطرون مجدداً إلى مسح مجتمعهم الذي أنشأوه حديثاً، لكي يعيدوا الكرة على قماشة نظيفة؛ وبالنظر إلى أن البداية الجديدة، للأسباب نفسها، لن توصل هي الأخرى إلى الكمال المنشود، سيضطرون إلى تكرار العملية من دون أن يصلوا أبداً لأي مكان على الإطلاق. هؤلاء الذين يسلمون بذلك ومستعدون لتبني منهجية التحسينات المتدرجة الأكثر تواضعاً، لكن فقط بعد تنظيف متطرف للقماشة أولاً، لا يستطيعون تفادي النقد أن تدابيرهم الجارفة والعنيفة الأولى كانت غير ضرورية تماماً.

تقودنا النزعة الجمالانية والمتطرفة حتماً إلى ركن العقل جانباً واستبداله بالأمل اليائس في تحقق المعجزات السياسية. هذا التوجه اللاعقلاني المنبثق من النشوة حتى الثمالة بالأحلام عن عالم جميل هو ما أدعوه الرومانسانية، التي قد تنشد مدينتها الفردوسية في الماضي أو في المستقبل؛ هي قد تعظنا ’بالعودة إلى الطبيعة‘ أو ’التقدم باتجاه عالم من الإخاء والجمال‘؛ لكنها دائماً تعزف على وتر عواطفنا أكثر من عقولنا. حتى إذا توفرت أصدق النوايا لتحقيق جنة الفردوس على الأرض لكنها لا تنجح إلا في جعل الحياة جحيماً- جحيماً من صنع البشر يكتوي به بشر آخرون.



#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الملك الفيلسوف
- تجميل الهزيمة
- الفساد الناصري
- مبدأ القيادة
- العدالة الشمولية
- الطبيعة والتقليد
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
- نظرية أفلاطون عن الأشكال أو الأفكار
- هيراقليطس
- سحر أفلاطون
- المجتمع المفتوح وأعداؤه
- ضد الاستبداد وأعوانه
- هل يستطيع الإنسان أن يحيا بلا دين؟
- هل الله ذَكَر؟
- نظرة دينية لكن بالمقلوب
- هل صحيح أن المسلمين يقدسون محمداً أكثر من تقديسهم لله؟
- هل صحيح أن القرآن كلام الله؟
- هل صحيح أن ليس في الإسلام كهنوت؟
- هل تُنجب المسلمة من هندوسي؟
- دعوة التوحيد


المزيد.....




- بعد أسعار قياسية للديزل في أمريكا.. ترامب يدعو لإنهاء حرب رو ...
- وزير داخلية باكستان يصل طهران مع تجدد التوترات بين أمريكا وإ ...
- خطة روسية ضخمة للمسيرات.. مادة واحدة قد تدعم تصنيع عشرات الآ ...
- كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في تأمين حماية المنزل؟
- الصحافة الدولية تتساءل: ماذا تعني انتخابات برلين ومكلنبورغ ل ...
- هل تدير صربيا ظهرها لروسيا أم في الأمر سرٌ؟
- ماذا يحدث في مخازن السلاح السورية؟
- شاهد.. الرئيس الإندونيسي يهتف -فلسطين حرة- مرتديا الكوفية أم ...
- مخاوف مصرية من جفاف نهر النيل.. وتهديد لإثيوبيا باللجوء لحلو ...
- قيادي بالجبهة الوطنية: كارت الخدمات الحكومية الموحد خطوة مهم ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - الجمالية والكمالية والطوباوية