أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - اسامة على عبد الحليم - التجاني عبد القادر.. الكتاب الذي علّمني أن أفكر















المزيد.....

التجاني عبد القادر.. الكتاب الذي علّمني أن أفكر


اسامة على عبد الحليم

الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 18:05
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لم أكن أريد أن أكتب عن التجاني عبد القادر فور سماعي خبر رحيله.

بعض الذين نحبهم لا نستطيع أن نكتب عنهم بسهولة؛ لأن علاقتنا بهم لا تختصرها سيرة، ولا تكفيها قائمة مؤلفات، ولا تستطيع كلمات الرثاء المعتادة أن تقول شيئاً عن الأثر الذي تركوه فينا.

والتجاني عبد القادر واحد من هؤلاء بالنسبة إليّ.

كان كتابه «أصول الفكر السياسي في القرآن المكي» واحداً من أهم الكتب التي قرأتها في حياتي.
ولذلك لم تكن علاقتي بالتجاني علاقة قارئ بكاتب فحسب. لقد أحببت الكاتب من خلال كتابه قبل أن أعرفه، وأحببت طريقته في التفكير قبل أن أتعرف إلى سيرته.

بل إن الكتاب كان له أثر مباشر في بداياتي مع الكتابة.
كنت، في كتابات مبكرة، أجد نفسي أميل إلى تقليد أسلوبه. ثم عدت إلى كثير مما كتبت، وألغيت معظمه، لأنني اكتشفت أنني لم أكن أكتب بصوتي تماماً، وإنما كنت أكتب تحت تأثير ذلك الصوت الذي أحببته.

ولم يكن ذلك عيباً في التجاني، ولا فيّ.
كان ذلك هو سحر الكاتب الكبير.
فالكاتب الحقيقي لا يترك فيك أفكاراً فقط؛ أحياناً يجعلك تريد أن تصبح كاتباً مثله.

ثم يأتي الزمن، فتتعلم أن أفضل وفاء له هو ألا تبقى نسخة منه.
تتعلم أن تأخذ منه شغف السؤال، ودقة النظر، وشجاعة الاقتراب من المناطق التي يخشى الآخرون الاقتراب منها، ثم تبحث لنفسك عن صوتك الخاص.
وهذا، في تقديري، هو أحد وجوه عظمة التجاني عبد القادر.
---
ولد التجاني عبد القادر حامد في أم دم بشمال كردفان عام 1951، ودرس الفلسفة في جامعة الخرطوم، ثم حصل على الماجستير في الفلسفة، والدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة لندن. وتولى في شبابه رئاسة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، وكان من القيادات المعروفة في الحركة الإسلامية الطلابية. وقد شهد له من عرفوه بأنه كان خطيباً مفوهاً، عف اللسان، لا يبتذل خصومه ولا يستخف بعقول مستمعيه.

لكن هذه المعلومات، على أهميتها، لا تفسر وحدها قيمة الرجل.

لفهم التجاني علينا أن نقرأ مشروعه الفكري بوصفه مساراً واحداً، لا مجموعة كتب متفرقة.
في «أصول الفكر السياسي في القرآن المكي» كان السؤال الأساسي هو: ماذا يمكن أن نستخرج من القرآن المكي من أصول للفكر السياسي؟

ولم يكن السؤال عنده سؤالاً عن «نظام الحكم» بالمعنى الضيق.
كان أعمق من ذلك.
كان يبحث في العلاقة بين الإنسان والسلطة، وبين الرسالة والمجتمع، وبين القيم والواقع، وبين المثال الذي تدعو إليه العقيدة والأرض التي ينبغي أن يتحقق عليها هذا المثال.

ولهذا ظل الكتاب مهماً بالنسبة إليّ.
لقد شعرت، وأنا أقرأه، أن المؤلف لا يريد أن يضع أمامك مجموعة من النتائج الجاهزة، بل يريد أن يعلمك كيف تنظر.

وهذه من أصعب وظائف الكتاب.
قد تنسى بعد سنوات عشرات التفاصيل التي قرأتها، لكنك لا تنسى كتاباً غيّر طريقة نظرك إلى الأشياء.
وهذا ما فعله بي كتاب التجاني.

---

ثم جاءت كتبه وكتاباته الأخرى لتكشف اتساع ذلك المشروع.

في «الاقتصاد السياسي للفقر في الإسلام» لم يتعامل مع الفقر باعتباره مجرد قضية وعظية أو أخلاقية، بل وضعه داخل علاقات الاقتصاد والمجتمع والسلطة.

وفي كتاباته عن الإسلام والزنوجة وحركات التحرر الآفرو-آسيوية، اتسعت رؤيته لمسألة الإسلام وعلاقته بالتاريخ والجغرافيا وقضايا التحرر.

لكن أهم ما يلفتني في تجربته، وربما أكثرها شجاعة، هو ما كتبه عن الحركة الإسلامية السودانية نفسها.

ففي «نزاع الإسلاميين في السودان: مقالات في النقد والإصلاح» نرى التجاني ينتقل من دراسة الفكر الإسلامي إلى تشريح التجربة السياسية التي شارك فيها أبناء ذلك الفكر.

وهنا يصبح التجاني أكثر من باحث.
يصبح شاهداً وناقداً
والأهم: ناقداً من الداخل.
وهذه نقطة يجب ألا تضيع في الحديث عنه.
لم يكن نقده للإنقاذ نقد خصم سياسي جاء من خارج التجربة، ولا نقد شخص يريد تصفية حساب مع الإسلاميين.
كان نقد رجل يعرف الفكرة، ويعرف الحركة، ويعرف تاريخها ورجالها، ولذلك كان أكثر قدرة على أن يسألها السؤال الأصعب:
ماذا حدث للمشروع عندما وصل إلى السلطة؟

---

كان التجاني من أوائل الذين حاولوا أن ينظروا إلى التحول الذي أصاب الحركة الإسلامية لا باعتباره مجرد أخطاء أفراد، وإنما باعتباره تحولاً في بنية القوة نفسها.
القبيلة.
والمال.
والأمن.
هذه القوى التي كان يفترض أن تكون تحت سيطرة المشروع، بدأت، في قراءته، تتحول إلى عناصر فاعلة في تشكيل المشروع نفسه.
ومن هنا تأتي أهمية كتاباته عن الإسلاميين الرأسماليين، وعن القبيلة، وعن العقلية الأمنية، وعن علاقة التنظيم بالمال.
كان السؤال عنده يتجاوز: من أخطأ؟
إلى سؤال أكثر عمقاً:
كيف يتغير المشروع نفسه عندما تتغير البيئة التي يعمل فيها؟
وكيف يمكن لحركة قامت على فكرة أخلاقية ورسالة دينية أن تحافظ على تلك الفكرة عندما تصبح مسؤولة عن الدولة، وعن المال، وعن الأجهزة الأمنية، وعن المصالح التي تنشأ حول السلطة؟
لقد كان التجاني يرى أن الخطر لا يأتي فقط من فساد بعض الأشخاص.
الخطر الأكبر هو أن تنتج السلطة بنية جديدة تجعل الفكرة نفسها تتكيف مع مقتضيات السلطة.
وهذا، في رأيي، من أعمق ما يمكن أن نستخلصه من نقده للإنقاذ.
---

ولهذا فإن قراءة التجاني اليوم لا ينبغي أن تكون مجرد عودة إلى الماضي.
فبعض كتبه ومقالاته مضى عليه أكثر من عشرين عاماً، لكنها لم تفقد قدرتها على إثارة الأسئلة.
لأن السودان لم يتجاوز تماماً الأسئلة التي كان يطرحها.
سؤال الدولة.سؤال السلطة.سؤال العدالة.
سؤال القبيلة.سؤال المال.سؤال الأمن.
وسؤال العلاقة بين المشروع الأخلاقي والسياسي وبين إغراء السلطة.
وهذه الأسئلة لا تخص الإسلاميين وحدهم.
إنها أسئلة كل حركة سياسية تحمل وعداً بالتغيير ثم تجد نفسها في مواجهة الدولة ومؤسساتها ومصالحها وإكراهاتها.

---

وأظن أن أجمل ما في تجربة التجاني عبد القادر أنه لم يسمح لانتمائه الفكري بأن يحوله إلى مدافع عن التجربة مهما كان الثمن.
لقد فعل شيئاً أصعب:
حاكم التجربة إلى الفكرة التي قالت إنها تمثلها.
وهذا هو النقد الحقيقي.
أن تقول لمن تحب: لقد أخطأت.
وأن تقول لجماعتك: هذا الطريق ليس هو الطريق الذي بدأنا به.
وأن تفعل ذلك وأنت تعرف أن كلامك لن يرضي الجميع.
وقد شهد له من عرفوه بالثبات على المبدأ ونقاء الخصومة، وبأنه كان قادراً على الاختلاف دون أن يحول الخصومة الفكرية إلى إساءة شخصية.
وهذه خصلة نادرة في الحياة السياسية السودانية.
---
رحل التجاني عبد القادر في الدوحة أمس، في لحظة كان لا يزال فيها مشغولاً بالكتابة.
كان يستعد لإخراج كتاب جديد بعنوان «قراءات في السياسة السودانية المعاصرة: السقوط والثورة والحرب»، وكان من المفترض أن يشارك في اجتماع أكاديمي، لكنه لم يحضر. وعندما ذهب أصدقاؤه للاطمئنان عليه وجدوه قد رحل.
أشعر أن هذه النهاية تشبهه بشكل ما.
رجل أمضى حياته يحاول أن يفهم السودان، ورحل وهو لا يزال يكتب عن السودان.
وكأن الكتاب لم ينته بعد..... .
---
أما أنا، فسأحتفظ للتجاني عبد القادر بمكان خاص في ذاكرتي.
ليس فقط لأنه كان عالماً وأستاذاً ومفكراً وكاتباً.
بل لأنه كان واحداً من أولئك الذين جعلوني أفهم أن الكتابة ليست أن يكون لديك رأي.
الكتابة أن يكون لديك سؤال.
وأن تمتلك من الصبر ما يكفي لملاحقته.
وأن تكون شجاعاً بما يكفي لتذهب بالسؤال إلى نهايته، حتى لو قادك إلى منطقة لا تريدها أنت، ولا يريدها منك الآخرون.
وإذا كان من حق القارئ أن يحزن على الكاتب الذي أحبه، فإن من حق الكاتب الأصغر أن يعترف بفضل من سبقه.

ولذلك أقول اليوم، بلا حرج:
لقد أحببت التجاني عبد القادر من خلال كتاباته قبل أن أعرف الرجل.
وأحد أهم الكتب التي صنعت شيئاً في عقلي كان كتابه «أصول الفكر السياسي في القرآن المكي».
ولقد حاولت في بداياتي أن أقلد أسلوبه، ثم أدركت بعد ذلك أن الوفاء الحقيقي للكاتب الذي تحبه ليس أن تصبح مثله.
بل أن تتعلم منه كيف تصبح أنت.

رحم الله التجاني عبد القادر حامد.
رحم الله المفكر الذي لم يكتف بأن يكتب عن السياسة، بل حاول أن يفهم ما الذي تفعله السلطة بالإنسان، وما الذي تفعله السلطة بالفكرة، وما الذي يحدث للمشروع حين يدخل امتحان الواقع.

ورحم الله الكاتب الذي ترك وراءه كتباً، وترك وراء كتبه شيئاً أكبر:
أسئلة لا تزال تبحث عن إجابات.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



#اسامة_على_عبد_الحليم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الله
- تعليق حول اتهام الصحابي الجليل زيد بن ثابت باليهودية فى احد ...
- تعليقات حول قضايا الثوره4
- الكنداكة والنظام العام
- النزعات المادية فى تجربة التدين المسيحى3-6
- ضد الفساد
- توم&جيرى واشياء اخرى
- حول المتغيرات فى تركيبة الطبقة العاملة1
- معركة سامى الذيب
- المسيح والسياسة
- الماركسية هل تصلح القراءات الادبية فى نقدها؟
- مقتطف من روايتى( حكايا الغيبوبة)
- الجدار
- ظل الطاغية
- حول الحرب فى السودان
- اليمين ملة واحدة
- مصباح ديوجين
- حول حوار الرفيق على الكنين بخصوص الطبقة العاملة
- تأملات فى الحالة السودانية1
- تعليقات حول الكتاب المقدس


المزيد.....




- قداسة البابا يدشن الكاتدرائية الجديدة ويفتتح مبنى الخدمات وي ...
- بحضور محافظ بني سويف.. قداسة البابا يضع حجر أساس كاتدرائية ا ...
- مصر.. اكتشاف مقابر أثرية منحوتة في الصخر بتل اليهودية
- حين يُصدر خبير الأمن فتوى في اللاهوت.. عن استحالة الظلم الإل ...
- سبقتني إلى الجنة.. البرش يودع ثاني أبنائه من شهداء الإبادة ا ...
- الأعياد اليهودية تغلق معابر غزة وتفاقم ارتفاع أسعار السلع
- منصة رقمية لرصد الاعتداءات على المساجد في هولندا
- فوق السلطة.. أمريكا تنتظر المسيح الدجال وطحالب مصرية تقطع ما ...
- ألمانيا: دعوات لحماية أكبر لليهود بعد محاولة إحراق كنيس قبيل ...
- عشرات الآلاف يتحدون قيود الاحتلال ويؤدون صلاة الجمعة في المس ...


المزيد.....

- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - اسامة على عبد الحليم - التجاني عبد القادر.. الكتاب الذي علّمني أن أفكر