أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - معارك السلطات على اللغة والتأويل















المزيد.....

معارك السلطات على اللغة والتأويل


عبدالجبار الرفاعي

الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 10:30
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عبد الجبار الرفاعي
تؤلف اللغة سرديات توزع الأدوار بين بطل وخصم، ومؤمن وكافر، ومصلح ومفسد، ووطني وخائن، وثائر ومتمرد، ومحرر ومحتل، ومظلوم وجلاد. تنتقي هذه السرديات من الذاكرة ما يخدم غاياتها، وتصمت عما يربك تماسكها. لا تستمد السردية نفوذها من صدقها دائمًا؛ وإنما تكتسبه من كثافة تداولها، ومن المؤسسات والمنابر التي تتبناها وتضفي عليها الشرعية. حين تستقر سرديات السلطة في الثقافة، وتكرسها مؤسسات التربية والتعليم ووسائل الإعلام والمنابر الدينية، تحدد للمجتمع ما يتذكره وما ينساه، ومَن ينتمي إليه ومَن يقصى منه، وما يستحق التقديس وما يستوجب الإدانة. عندئذ تتحول السيطرة على اللغة إلى سيطرة على الذاكرة والهوية والخيال، فيدافع الإنسان عن تلك السرديات كأنها حقائق مطلقة؛ لأن مساءلتها تهدد نظام إنتاج المعنى الذي يمنح الأمان، وتمس موقعه داخل الجماعة. بذلك تنتقل المعركة من الحدث إلى تسميته، ومن الواقعة إلى تأويلها، ومن الحقيقة إلى صورتها المستقرة في الوعي الجمعي. وتتحول وسائل الإعلام والخطابات والرموز إلى أدوات تنتقي من الواقع ما تظهره وتخفي ما تحجبه، وتصوغ صورته بما يخدم مصالح السلطة.
تتمثل كثير من المعارك بين السلطات في التنازع على المعاجم اللغوية وأنظمة إنتاج المعنى، سعيًا إلى تفسير الواقع وتوجيه إدراك المجتمع له. لا تتصارع السلطات على القوة والثروة والمؤسسات وحدها؛ بل تتصارع أيضًا على امتلاك اللغة والتأويل والذاكرة، والتحكم في منظومة إنتاج المعنى، وتحديد الكلمات المستعملة في وصف المجتمع ذاته وغيره، والمفاهيم التي يفهم في ضوئها الحقيقة والعدالة والحرية والمساواة والحقوق والأمن والوطن والهوية. مَن يمتلك سلطة التسمية ويتحكم في إنتاج المعنى يكتسب قدرة واسعة على توجيه الوعي؛ فالاسم لا يكتفي بالإشارة إلى الواقع، بل يضعه في سياق دلالي يحدد صورته وموقعه وأثره في الوعي. هكذا يتحول النزاع على العالم إلى نزاع على تأويله ورسم صورته في الأذهان، وقد يفوق أثر الكلمة أثر القوة؛ لأن القوة ترغم الإنسان من الخارج، في حين تتسلل الكلمة إلى داخله، وتعمل على تحديد نظرته إلى ذاته والآخرين والحياة.
تتمثل أغلب المعارك بين السلطات في تنازع أنظمة لغوية على تفسير الواقع والتاريخ؛ إذ يسعى كل طرف إلى فرض معجمه وتسمياته وصوره الرمزية، كي يجعل رؤيته للعالم أرسخ حضورًا في الوعي واللاوعي. لا تصل الوقائع إلى الإنسان عارية من اللغة؛ اللغة تعيد تشكيلها داخل شبكة من الألفاظ والمفاهيم والاستعارات، تنتقي عناصرها، وتحدد سياقها، وتمنحها معنى مخصوصًا. تتحول التسمية عندئذ إلى فعل سلطوي يعيد بناء صورة الواقع ويوجه إدراك الإنسان له؛ فكل تسمية تستبطن موقفًا، وتتضمن حكمًا، وتستدعي ذاكرة وصورة وشحنة عاطفية. حين يسمى فعل ما "تحريرًا"، تفتح الكلمة في المخيلة أفق البطولة والخلاص واسترداد الحق، وحين يسمى الفعل نفسه "احتلالًا"، تستدعي صور العدوان والقهر وانتهاك السيادة. وما يقدم تحت اسم "الحماية" قد يكون ستارًا للاستعمار والوصاية، وما يسمى "إصلاحًا" قد يخفي تحجرًا، وما يعلن "حفاظًا على الأمن" قد يستر قمعًا للحريات، وما يوصف بأنه "دفاع عن الهوية" قد يتحول إلى تسويغ للتمييز والتعصب.
لا تعكس اللغة الواقع كما تعكسه مرآة صامتة؛ اللغة تسهم في تشكيل صورته وتنظيم عناصره وحضورها في الوعي. تتركز المعركة في الاسم وما يحمله من معنى؛ لأن الاستحواذ عليه يمهد لتحديد الموقف من المسمى. حين تنجح سلطة في فرض تسميتها لحدث أو جماعة أو فكرة، تفرض تأويلها للواقع، وتقدمه في صورة الحقيقة العامة. يرسم الاسم الحدود بين المقبول والمرفوض، والوطني والخائن، والمؤمن وغيره، وبين مَن يستحق الاعتراف ومَن تهدر كرامته. يبدأ العنف الرمزي حين تختزل السلطة الإنسان في تسمية تمحو فرديته وتعقيد تجربته، وتحوله إلى صورة نمطية مغلقة؛ فتصبح الكلمة تمهيدًا للإقصاء، وغطاءً يسوغ الإهانة والاضطهاد والعنف. قبل أن تستباح حياة الإنسان، تستباح صورته في اللغة، وقبل أن ينفى من المكان، ينفى من فضاء الاعتراف والاحترام في الخطاب.

يتعلم المجتمع معجم السلطة في المدرسة والإعلام والمنابر والمؤسسات الرسمية والاحتفالات العامة، ثم يعيد استعماله في حياته اليومية من دون أن ينتبه إلى ما يختزنه من مصالح وأحكام. ينتقل خطاب السلطة من المؤسسات إلى اللاوعي؛ فيراقب الإنسان لغته وأفكاره، ويخشى تسمية الأشياء كما يراها، ويردد الكلمات المفروضة عليه كأنها صوته الخاص. الإعلام ليس وسيلة محايدة لنقل الحقيقة؛ الإعلام يشارك في صناعة صورتها وترسيخها في الوعي الجمعي. لا تكمن قوته في نقل ما حدث وحده؛ بل تتجلى أيضًا في اختيار ما يعرضه وما يهمله، وترتيب الأخبار، وانتقاء الصور، وصياغة العناوين، وتحديد الأصوات التي يمنحها حق الكلام، وتلك التي يفرض عليها الصمت.
ربما لا تحتاج السلطة إلى إنكار الواقعة؛ إذ يكفي أن تعيد تسميتها، أو تنتزعها من سياقها، أو تغمرها بسيل من الأحداث الثانوية، أو تقرنها بصور عاطفية تحجب دلالتها. تستمد اللغة الإعلامية قوتها أحيانًا من كثافة تكرارها واتساع انتشارها، لا من مقدار مطابقتها للواقع. كلما تكررت الصورة وترسخت التسمية، بدا التأويل كأنه الواقعة ذاتها، وتلاشى الحد الفاصل بين ما حدث وطريقة تقديمه. الصراع اللغوي صراع على التأويل والذاكرة والهوية؛ لأن مَن يفرض روايته للماضي يوجه فهم الحاضر ويرسم أفق المستقبل.
تعيد كل سلطة كتابة الماضي بما يخدم شرعيتها؛ فتنتقي من التاريخ أبطالًا وضحايا، وتحتفي بأحداث وتتجاهل أخرى، وتمنح الأماكن والأعياد والمراحل السياسية أسماء جديدة. لا تستدعي الماضي لمعرفة ما وقع فحسب؛ وإنما توظفه في تفسير الحاضر ورسم صورة المستقبل. مَن يستأثر بسردية الماضي يستطيع أن يقدم وجوده الراهن امتدادًا طبيعيًا للتاريخ، وأن يصور خصومه خارجين على الهوية أو مهددين لها. تتحول الذاكرة إلى ميدان للصراع، ويصبح تعدد الروايات ضرورة تصون المجتمع من احتكار سلطة واحدة لمعنى تاريخه.
لا تكتمل مقاومة الهيمنة بالاعتراض على نتائجها ما لم تمتد إلى تفكيك معجمها، وكشف المصالح الكامنة في مفرداتها، والأحكام المضمرة في تسمياتها، والإقصاء الذي تنطوي عليه صورها الرمزية. قد يرفض الإنسان سلطة ما، وهو يفكر بلغتها ويقاومها بأدواتها ومفاهيمها وشعاراتها، فيعيد إنتاج سلطتها من حيث لا يدري. يقتضي التحرر استعادة الحق في التسمية، والتمييز بين الواقعة والخطاب الذي يصوغ صورتها، وفتح اللغة على تعدد الأصوات والتأويلات. لا تكتمل حرية الإنسان بقدرته على الكلام وحدها؛ إذ يحتاج الإنسان إلى لغة تعبر عن تجربته، وتصون كرامته، وتمكنه من رؤية الواقع خارج الصور التي تفرضها السلطة. حين تتحرر اللغة من احتكار المعنى تصير أفقًا للسؤال، وطاقة لكشف الهيمنة ومقاومتها، ومجالًا للاعتراف بالاختلاف.
نقد اللغة ضرب من نقد الذات والمجتمع والسلطة؛ لأنه يحرر الوعي من الأحكام الجاهزة، ويفتح أمام الإنسان إمكان تسمية عالمه بصوته، ورؤية الآخر خارج قوالب الإدانة والإقصاء. يبدأ التحرر بكشف المسافة بين الواقع وتمثلاته اللغوية، ومراجعة السرديات الموروثة، والإنصات إلى الأصوات المحجوبة بخطابات السلطة والعنف. لا يتحرر الإنسان ما لم يتحرر معجمه من كلمات الضغائن، ويسترد حقه في التعبير عن ذاته كما يراها، ورؤية غيره كما هو، لا كما تصوره خطابات نفي المختلف.



#عبدالجبار_الرفاعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تبديل الاسم يبدّل الحكم على المسمّى
- العالم كما ترسمه اللغة
- اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية
- الشكوك بوصفها منهجًا في التراث العلمي
- في التدين الشعبوي يحتجب الله
- أسلمة الفلسفة أيديولوجيا لا فلسفة
- تعليمُ الفلسفة تعليمٌ للتفكير الفلسفي
- مدينة الشطرة محطة الوعي الأولى
- في الفلسفة شيءٌ من ذات الفيلسوف
- التدين العقلاني الأخلاقي
- انحسار دور العقل إثر تحريم الفلسفة
- الحق في الاختلاف
- المعرفة العلمية بالأديان تخفض التعصب
- في الأمومة تتجلى ذروة التضحية
- الرؤية اللاتاريخية للدين غير علمية
- لم تتوحّد البشرية في دين واحد
- لا محرم في التفكير الفلسفي
- حين تصير الهوية جرحًا مفتوحًا
- في سياق الادخار والتراكم تولد الدولة
- الاغتراب السياسي عن الوطن


المزيد.....




- قداسة البابا يدشن الكاتدرائية الجديدة ويفتتح مبنى الخدمات وي ...
- بحضور محافظ بني سويف.. قداسة البابا يضع حجر أساس كاتدرائية ا ...
- مصر.. اكتشاف مقابر أثرية منحوتة في الصخر بتل اليهودية
- حين يُصدر خبير الأمن فتوى في اللاهوت.. عن استحالة الظلم الإل ...
- سبقتني إلى الجنة.. البرش يودع ثاني أبنائه من شهداء الإبادة ا ...
- الأعياد اليهودية تغلق معابر غزة وتفاقم ارتفاع أسعار السلع
- منصة رقمية لرصد الاعتداءات على المساجد في هولندا
- فوق السلطة.. أمريكا تنتظر المسيح الدجال وطحالب مصرية تقطع ما ...
- ألمانيا: دعوات لحماية أكبر لليهود بعد محاولة إحراق كنيس قبيل ...
- عشرات الآلاف يتحدون قيود الاحتلال ويؤدون صلاة الجمعة في المس ...


المزيد.....

- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - معارك السلطات على اللغة والتأويل