أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خلف علي الخلف - نحو قراءة تاريخية لهويات السريان والآشوريين والكلدان














المزيد.....

نحو قراءة تاريخية لهويات السريان والآشوريين والكلدان


خلف علي الخلف

الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 18:49
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


يثير الحديث عن السريان والآشوريين والكلدان كثيرًا من الالتباس، نتيجة تداخل عناصر دينية ولغوية وتاريخية مع تصورات قومية حديثة. والاقتراب من هذا الموضوع يتطلب فصل المستويات المختلفة: اللغة، والدين، والتاريخ القديم، وبناء الهوية الحديثة، دون إسقاط أحدها على الآخر.
تنتمي السريانية والعربية إلى عائلة اللغات السامية، حيث تعودان إلى أصل أقدم مشترك. والسريانية ليست أصلًا للعربية ولا العكس، بل هي اللهجة الشرقية للآرامية، التي ارتبطت ببيئة الرها، ثم انتشرت مع المسيحية كلغة طقسية وثقافية. ومن هنا فإن القرابة اللغوية لا تعني وحدة عرقية، بل تعكس إطارًا ثقافيًا أوسع.

في هذا السياق، يظهر مصطلح «السريان» بوصفه تسمية نشأت في إطار لغوي–ديني، لا كدلالة على عرق متجانس. فقد ضمّ هذا الاسم، عبر القرون، جماعات متعددة الأصول توحدت باستخدام السريانية وبالانتماء إلى تقاليد كنسية مشتركة. لذلك تبدو هوية السريان بوصفها هوية ثقافية–دينية لغوية، تشكلت تاريخيًا وتطورت، لا امتدادًا عرقيًا بسيطًا لشعب واحد.

أما تسمية «الكلدان» في استعمالها الحديث، فترتبط بسياق كنسي متأخر. فالمصادر المرجعية تشير إلى أن هذا الاسم استُخدم في الغرب اللاتيني لتمييز جماعات من أتباع كنيسة المشرق دخلت في شركة مع روما. ويعود استعمال هذا المصطلح في هذا السياق إلى القرن السادس عشر، ثم ترسخ في القرن السابع عشر مع قيام بطريركية كاثوليكية شرقية. وهذا يعني أن الاسم الحديث يمثل استعمالًا كنسيًا متأخرًا لاسم تاريخي ذي حضور كتابي، ولا يشكل بأي حال استمرارًا مباشرًا لجماعة ظلت عبر العصور تعرف نفسها بهذا الاسم حتى ذلك الوقت.

وفيما يخص التسمية «الآشورية» الحديثة، فإنها أيضًا لا تمثل انتقالًا لجماعة ما من آشور القديمة إلى الحاضر، بل نتاج تطور حديث. وتشير إحدى رسائل غيرترود بيل إلى أن هذا التحول في التسمية كان قائمًا في أوائل القرن العشرين، إذ ذكرت عام 1918، أثناء زيارتها لمخيم اللاجئين في بعقوبة، أن الجماعات التي كانت تُعرف بالنساطرة بدأت تُفضّل إطلاق اسم «الآثوريين» على نفسها. ويشير ذلك إلى أن التسمية نشأت في سياق حديث تداخلت فيه عوامل تبشيرية وسياسية مع تبنٍ داخلي من الجماعة نفسها، ولم تكن امتدادًا تاريخيًا للماضي القديم وإضافة الآشورية لكنيسة المشرق النسطورية هي إضافة حدثت في سبعنيات القرن الماضي.

إن الإشكال لا يكمن في وجود هذه الهويات الحديثة، بل في طريقة ربطها بالماضي. فبلاد بين النهرين شهدت تعاقبًا وتداخلًا بين حضارات متعددة، من السومريين والأكديين إلى بابل وآشور، وصولًا إلى الآراميين، ولم تكن هذه الكيانات أعراقًا بالمعنى الحديث، بل تكوينات سياسية تضم أعراقا متنوعة توحدت في إطار ممالك جامعة وضمن ثقافية متغيرة.

ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الكيانات لم تكن مندمجة في هوية واحدة، بل كانت في كثير من الأحيان متمايزة، بل ومتعارضة. فـ الآراميون وآشور يمثلان مثالًا واضحًا على ذلك، إذ كان الآراميون جماعات سامية منتشرة لغويًا وثقافيًا اجتمعوا حول اللغة الآرامية التي انحدرت منها السريانية، في حين كانت آشور كيانًا سياسيًا إمبراطوريًا ذا بنية مختلفة. وقد شهدت العلاقة بينهما مراحل من الصراع ثم التداخل، دون أن يعني ذلك قيام هوية عرقية واحدة تجمعهما في السياق التاريخي القديم على الأطلاق كما يرد في المزاعم القومية الحديثة.

ولم تكن هذه الكيانات بمعزل عن تحولات أوسع، إذ خضعت بلاد بين النهرين لتعاقب إمبراطوريات كبرى، منها الإمبراطورية الأخمينية، ثم الإمبراطورية المقدونية، تلتها الإمبراطورية الرومانية والفرثية والساسانية. وقد أدى هذا التعاقب إلى تداخل سكاني وثقافي واسع، دخلت فيه عناصر يونانية وفارسية ورومانية ضمن البنية الاجتماعية للمنطقة، كما أن الوجود العربي في سوريا والجزيرة الفراتية يعود إلى ما قبل انتشار المسيحية، حيث أسس العرب مملكة الرها التي كانت أول كيان دولتي يؤمن بالمسيح، وهي مملكة كانت تستخدم الآرامية قبل ولادة السريانية. ومع انتشار المسيحية، انخرطت هذه العناصر جميعًا في الإطار الثقافي السرياني من خلال اللغة والكنيسة، دون أن يعني ذلك تحولها إلى جماعة عرقية واحدة، بل إلى فضاء ثقافي-ديني مشترك متعدد الأصول.

ومع ذلك، لا ينفي هذا الإطار المركب وجود عناصر من الاستمرارية التاريخية، سواء على المستوى اللغوي أو الجغرافي أو الثقافي، غير أن هذه الاستمرارية تخص كل سكان بلاد الرافدين وسوريا ولا تخص جماعة أو دين أو متحدثي لغة، ولا يوجد بأي حال تطابق عرقي مباشر أو حصري بين الجماعات الحديثة والكيانات الإمبراطورية القديمة التي لم تكن عرقا بالأصل بل كيان جامع لأقوام مختلفي المشارب.

إذن، فإرث هذه المنطقة لا يمكن حصره في جماعات دينية بعينها تستولي على مسميات تاريخية عبر التسمية الدينية ذات المنشأ الغربي ثم احتكارها. فالتحولات التي شهدتها بلاد بين النهرين منذ القرن السابع الميلادي لم تُفضِ إلى استبدال سكاني شامل، بل استمرّت الغالبية المحلية في موطنها، ودخلت تدريجيًا في الإسلام عبر مسار طويل. ولم يكن انتشار الإسلام نتيجة إحلل جماعات وافدة محل السكان، بل كان في جانب كبير منه تحولًا دينيًا داخل المجتمع نفسه. وعلى هذا الأساس، فإن تصوير المسلمين في المنطقة بوصفهم جماعة وافدة من «عرب بدو» مخالف لوقائع التاريخ، لأن كثيرًا منهم يمثل امتدادًا لسكان محليين سابقين، مع تحوّل لغوي وثقافي لاحق. ومن ثم فإن الإرث الحضاري لبلاد بين النهرين هو نتاج تراكمي مشترك، شارك في صنعه من بقي على مسيحيته ومن تحول إلى الإسلام على السواء.

خلاصة القول، إن السريان والآشوريين والكلدان في العصر الحديث يمثلون هويات حديثة التكوين نشأت في أطر دينية كنسية، واستعارت تسميات تاريخية قديمة، دون أن تمثل امتدادًا عرقيًا مباشرًا أو حصريًا لتلك الكيانات.



#خلف_علي_الخلف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السريان وتأميم التاريخ والتراث المسيحي السوري
- تاريخ اسم سوريا وتحولات النسبة: من سوري جغرافيًّا إلى سرياني ...
- خلاّط الهويات القومية: كيف نخلط آشورياً وآرامياً وكلدانياً و ...
- قصة نجاح ببلاغة وزير الإعلام السوري
- معركة الويسكي في سوريا: صراع إجتماعي أم صراع على السلطة وداخ ...
- بعد الذكاء الاصطناعي: وداعًا للمدقق اللغوي والمحرر الصحفي وا ...
- رجاءاً لا تأخذوا معلوماتكم من وزير الإعلام السوري
- قرار منع المكياج: دعونا نواجه الحقائق المرة بشجاعة
- الكتاب الأبيض: في الفصل بين حقوق الأكراد و«قسد»
- نظام الرثاثة: سلطة صنعت من القبح وعاشت فيه
- الرُّوع لزهران القاسمي: الوهم بوصفه أداة للتحكم في الوعي
- عن عراقي في باريس: الذي حول سيرة العائلة الى نشيد تسامح
- زميلي ماركس في البادية يورد الإبل
- تهمة الطائفية: حينما تصنع المخابرات التهمة ويكرّسها المثقفون
- تحالف المسعورين: حرب داخليّة ضد السلطة الانتقالية في سوريا
- حماية الدروز في سوريا: شماعة إسرائيلية جديدة لضمان الهيمنة
- عمر سليمان: صوت الجزيرة الذي احتفت به شعوب العالم وأنكره الس ...
- الإيمان والسوط: سيرة الكنيسة القبطية في مواجهة الفكر
- تفكيك الأكاذيب: العرب والمسيحية وحمّى التزييف الأيديولوجي ال ...
- تاريخ المعتزلة وتدليس اليسار العربي


المزيد.....




- شاهد.. حريق هائل يغلق طريقًا سريعًا رئيسيًا في كاليفورنيا
- السيسي: مصر نجت دون غيرها من أحداث 2011 وعلينا الحفاظ على ال ...
- أشجار عمّان: عندما يتعارض توسيع الأرصفة للمشاة مع الغطاء الأ ...
- فوتشيتش يدشن عصر المسيرات في صربيا بمصنع جديد مشترك مع إسرائ ...
- فضيحة في الناتو: أحذية المارينز الأمريكية تتفكك في النرويج.. ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن إسقاط طائرة مسيرة -إم كيو-9- أمري ...
- تقرير جديد يستعرض -أكاذيب- نظام كييف حول أحداث بوتشا
- المغرب يسعى لدمج صواريخ -لورا- الإسرائيلية مع منظومات -هيمار ...
- من انسحاب الإمارات إلى استهداف مكة.. الحوثيون يصعدون.. خيارا ...
- رغد صدام حسين تعلق على استهداف مكة وتوجه رسالة لإيران


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خلف علي الخلف - نحو قراءة تاريخية لهويات السريان والآشوريين والكلدان