أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - في سبتمبر… أمشي على أطراف أصابعي














المزيد.....

في سبتمبر… أمشي على أطراف أصابعي


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 11:55
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial
في حياة كلٍّ منّا، يومٌ أو شهر، حين يحلُّ يمشي الإنسانُ على أطراف أصابعه، كمن يعبر غرفةً ينام فيها طفل، يخشى أن يوقظه. والخوفُ الأعظمُ، ألا يستيقظ. فالشهور والأيام والسنواتُ نقاطٌ على خط الزمن، يمرُّ بها العمرُ، مثلما يمرّ القطارُ بمحطاتٍ صغيرة؛ نلوّح لها من نافذة الحياة، ثم ننساها. إلا شهرًا واحدًا، لا يمضي بسهولة كأقرانه، بل يجبرُ القطارَ على التوقف، ثم يجول بين نوافذه، يطلُّ برأسه ويتفحص المسافرين، مثل مفتش السكة الحديد، بحثًا عن صاحب هذا الشهر. يبتسمُ له ويقدّمُ زهرة، بيضاء أو سوداء. هكذا سبتمبر بالنسبة لي.
في سبتمبر ميلادٌ وفَقد، شموعُ ودموع، فرحٌ وحَزَن، أمومة ويُتم. إذا كانت الشهورُ تختارُ أصحابها، فقد اختار سبتمبر أمي، ثم اختارني بعدها، ليؤكد الاختيار. منحها الميلاد، فأكد وجودها وثبّت جذوري، ثم جاء بي للحياة، ثم استردّها في أحد أيامه. وكأنه يقول إن العطايا الكبرى تأتي دائمًا بإيصال استلام مؤجل. ميلاد أمي في سبتمبر، وميلادي في سبتمبر، ورحيل أمي في سبتمبر، ولعلّي ألتقيها في سبتمبر.
لهذا لا أتعامل مع سبتمبر بوصفه شهرًا مميزًا في التقويم. بل باعتباره غرفة قديمة في بيت الذاكرة، كلما فتحت بابها وجدت أمي لم تغادرها أبدًا. منذ رحيل أمي، كلما كبرتُ سنةً في سبتمبر من كل عام، أتراجع للوراء سنةً، حتى أوشكتُ أن أصبح طفلةً!
هذا العام، في 18 من سبتمبر، سوف أصير تلك البنت التي تراقب الباب إذا تأخرت أمها، وتقفُ في النافذة تتلفّت برأسها مثل عصفور خائف، يمور خيالها بألف كارثة، حتى ترى سيارة الأم تصطف تحت البيت وينزل منها "العالم”. فالأم هي كل العالم لطفلتها. كنت أظن أن الخوف من فقدان الأم شأنٌ طفولي، يختفي حين نكبر. لكنني اكتشفت أنه شأن إنساني، يلازمنا طوال العمر. فقط حين ننضج نتعلم أن نخفي خوفنا.
حين رحلت أمي يوم 5 سبتمبر، كتبتُ في "المصري اليوم" مقالا أواسي به نفسي عنوانه: "صوت أمي لا يطير مرتين”، قلتُ فيه إن أرحم ما في موت الأمهات، أنهن يمتن مرة واحدة، ولن يمتن غدًا أو بعد غد، وبالتالي يختفي من حياتنا رعبُ فقدهن، لأن الفقد وقع بالفعل. ثم اكتشفت أنني كنت أخدع نفسي على نحو ساذج.
فصوتُ أمي لم يطر أصلا، بل موجود حولي يعذبني غيابه عن مسمعي. موجود في جميع تفاصيل حياتي، وحين أحاول تصيّده من الفضاء لا يستجيب. أسمع صوتها في تسجيلات الهاتف والفيديوهات، فأُجنُّ لأنني أريد الدفء الذي تضنُّّ به التكنولوجيا.
كان في بيتها ساعة حائط ضخمة. كل أسبوع تطلب مني أن أملأ زنبركها العصيّ ليعود البندول للحياة. وكنت أتمنّع؛ فأنا عسراءُ، وجميع زنبركات العالم مُصمّمة للدوران باليد اليمنى. كانت يمناي تؤلمني ويسراي تخفق في المهمة. بعد رحيلها صرتُ أملأ الساعة بكلتا يديّ، علّ رنينَها يُعيد صوتَ أمي للحياة، ولو بكلمة واحدة: "برافو. شكرا يا حبيبتي!.”
حتى الآن كثيرًا ما يرن هاتفي فأتوقع صوت أمي. يوم صلاة جنازها في مسجد النور بالعباسية، كنتُ أجلس لا أشعر بمن حولي. فجأة قالت لي صديقتي: “ماما برا في العربية، مش قادرة تدخل وعاوزة تشوفك.” نهضت وركضتُ كالمجنونة وقلبي يرقص فرحًا، فقد عادت أمي. مستحيلٌ أن تتركُ الأمهاتُ أبناءها وتمضي. وقفتُ على باب المسجد أبحث عن أمي وسيارتها، حتى جاءني صوتٌ نسائي من إحدى السيارات: “فافي... تعالي يا حبيبتي! أنا هنا... البقية في حياتك!” التفتُّ لمصدر الصوت، وأدركت أن صديقتي كانت تقصد أمَّها هي. أما أمي فقد أكملت غدرَها بي، وغادرت.
وحده سبتمبر يعرف كل هذا، وأكثر. سبتمبر يعرف بداية العام الدراسي وأمي تشتري الحقيبة والكتب والزيّ المدرسي والأدوات. يعرف نسمات الخريف الأولى ودخول أمي غرفتي لتغلق النافذة لئلا أُصاب بالبرد. يشهد عيد ميلادي وأمي تزين البيت وتعدُّ التورتة. ويحفظُ نظرة الغضب في عينيها الجميلتين حين ضبطت الإلياذة والأوديسة فوق مكتبي أثناء الدراسة. ويعرف نشوة أمي حين تسمعُ "سورة غافر" بصوت "المنشاوي". ثم يأتي الخامس من سبتمبر، فيصمتُ كل هذا، إلى الأبد.
لكن الأمهات عصيّاتٌ على الموت، مثل الهواء والشمس والقمر. فحين يرحلن لا يتركن أبناءهن، بل يختبئن في دروب سرية في السماء، يراقبن أطفالهن ويدعون الرحمنَ أن يحفظهم. صوتُ أمي لم يمت، لكنه اختار لنفسه قانونًا آخر للوجود. اختار أن يسكن سبتمبر.
مقام السؤال:
بعد رحيلك يا أمي، لم يعد سبتمبر مجرد شهر، بل صار هو "مقام السؤال". أُنصتُ إلى سورة "غافر"، وأسمعك تقولين: “هذا مازن وعمر"، حين يقولُ مولانا: “ثم يخرجكم طفلا".
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -لعبة جهنم-… ولصوصُ الوعي
- أذانٌ وجرسٌ… إحنا الكفاتسة!
- -مينا يوسف-... من نسيج النبل المصري
- هَيا… بسملة… جميلتان... وسؤال
- أبي… وأبي… ويدي اليسرى
- -الملك لير- … الملك -يحيى الفخراني-
- -فتاة المترو-… حين تتذكّرُ الحكايةُ كاتبَها
- عن الزلزال… سألوني!
- -مصنع السحاب-… خطيئةٌ اسمُها -الوعي-
- أنا... -ربَّةُ منزل-
- المهرجان القومي للمسرح… -قنصوة- والانحياز للجمال
- هاني شنودة…الذي غنّى للحياة
- أنا أعلمُ كلَّ شيء يا أبي… ربما!
- المونودراما
- انتصرت مصرُ… وغادرتْ
- لغةُ -الأعلام-… وبلاغتُها
- شجرةُ الأقدارِ البديلة… الغصنُ الأعوج
- مقامُ السؤال … أثرُ الفراشة
- 90 دقيقة من الأمل… والهدف الرابع
- الذي أورثني قلبًا عاطلا عن البغضاء


المزيد.....




- الحردلية.. من المدرسة الدينية إلى ساحات الحرب
- تصعيد في الأقصى: 40 ألف مستوطن اقتحموا المسجد منذ مطلع العام ...
- 300 مستوطن يقتحمون الأقصى تزامنا مع بدء موسم الأعياد اليهودي ...
- ألمانيا.. استقالة مفاجئة لنائبة الأمين العام للحزب الديمقراط ...
- كتلة صويانا ترفض تدخل القوى السياسية في الشأن الداخلي للمكوّ ...
- الفاتيكان: تعيين رئيس أساقفة معاون لأبرشية الرباط خلفا للكار ...
- ترمب واليهود المناهضون للصهيونية: هل بدأ يتصدع احتكار إسرائي ...
- المشكلة اليهودية ومشروعات الاستيطان بين إسرائيل -العبرية- وب ...
- تاريخ موجز لإنحسار الوجود المسيحي المعاصر في العراق
- الشيخ عكرمة صبري: جيش الاحتلال يستغل الأعياد اليهودية للانقض ...


المزيد.....

- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - في سبتمبر… أمشي على أطراف أصابعي