أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - جذور تقييد الفكر في ثقافتنا (2) العقل والنقل















المزيد.....

جذور تقييد الفكر في ثقافتنا (2) العقل والنقل


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 11:55
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ما يزال سؤال "لماذا تقدموا وتخلفنا" معلقًا يبحث عن إجابة في ساحة الفكر العربي، حيث يعود واو الجماعة في تقدموا إلى الغرب بشكل أساس. قلما جرؤ المفكرون العرب على تشخيص الداء، وإن فعلوا فإن الأخذ بالعلاج يبدو عسير المنال.
وضع غير طبيعي، لا ريب في ذلك، تدفع أجيالنا ثمنه غاليًا في واقعها الهش المتخلف عن مجاراة الأمم القوية المتقدمة.
التقدم لا يهبط من السماء قطعًا، ولا التخلف قدر مكتوب على جباه أُناس دون غيرهم، وصاحب القرار الحاسم في الحالتين هو الانسان.
فلا أسرار في أسباب تقدم الغرب ولا ألغاز، غير الفكر الحر من أية قيود بحيث لا يخضع إلا للعقل ومنهجه وقوانينه. ولقد نجح رواد النهضة وفلاسفتها هناك في تحقيق هذا الانجاز التاريخي، بعد كفاح مرير وتضحيات جسام.
أما في واقعنا العربي فقد حصل العكس، حيث كَسب النقل المعركة على حساب العقل، منذ القرن الثالث عشر الميلادي، لكنه لم يحسمها وأنَّى له ذلك. فالتاريخ لا ينفك يقدم الكثير من الدروس والعبر، التي تؤكد استحالة أن يكون النقل حليفًا للتقدم.
لا ينكر أنصار العقل مرجعية الوحي، بل ينكرون شموليته في تقديم حلول للنوازل والمستجدات الحاضرة والمستقبلية. من جهتهم،
يرى أنصار النقل أن الوحي لم يترك صغيرة ولا كبيرة من شؤون الحياة إلا وأحاط بها وبيّنها، ولا دور للعقل في منظورهم إلا التبعية للنص والالتزام بمقتضاه.
يلفت النظر في سياق ما نحن بصدده، أن المدافعين عن العقل من الرواد في ثقافتنا إما تراجعوا عن مواقفهم مرغمين، أو وضعوا لها حدودًا لا تتخطاها في التحليق بفضاءاته؛ وهو أمرٌ يشمل الماضي والحاضر على حدٍّ سواء، لا سيما إذا تعلق الأمر بالدين.
فقد دفع فرج فودة حياته ثمنًا لمشروعه الفكري، ومن بعده دفع نصر حامد أبو زيد من حريته واستقراره ثمنًا لرؤاه الداعية إلى تحرير العقل بمفهومه العلمي الابستمولوجي من كل قيد.
الفيلسوف المتصوف أبو حامد الغزالي تُنسب إليه عبارة مشهورة تعبر عن مكانة المنطق في مشروعه الفكري، لا سيما في ضبط التفكير والاستدلال، إذ يقول: " من لا يدرس المنطق، لا يُوثق بعلمهِ".
لكنه تحول إلى التصوف، وأشهر قناعته بأن الحقيقة الإلهية لا تُدرك بالعقل وإنما بنور يقذفه الله في الصدر. وصار العقل بمنظوره "العقل/القلب"، المُستَقبِل للمعرفة تأتيه من الخارج. هذا العقل/ القلب "يحتاج إلى نور يُشرق عليه بالحكمة، حتى يصير مبصرًا، وهذا النور هو الأولى باسم النور من العقل، فعند اشراق نور الحكمة يصير العقل مبصرًا بالفعل، بعد أن كان مبصرًا بالقوة".
من جهته انتقد ابن خلدون المعتزلة، ممثلي التيار العقلي ونعتهم بالمبتدعة، قائلًا في المقدمة: "العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذبَ فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في مُحال".
وكان الفيلسوف الشاعر أبو العلاء المعري من المدافعين عن العقل، كما نجد في قوله:"وينفُرُ عقلي مغضبًا إن تركته سدى واتَّبَعت الشافعي ومالكا". لكنه لم يلبث أن أخذ يتراجع عن موقفه من العقل، مشككًا بقدرته على الإجابة عن أسئلة تدور في رأسه بشأن الحقيقة: "سألت عقلي فلم يُجِب وقلت له سَل الرجال فما أفتوا ولا عرفوا".
وكان الإخفاق مصير محاولات الفلاسفة، مثل الكِندي وابن رشد في الماضي، للتوفيق بين العقل والنقل. وإلى المصير ذاته انتهت جهود رواد ما يُعرف بعصر النهضة، وعلى وجه التحديد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.
العقل والنقل لا يتطابقان منهجاً، ولا يُنقِص ذلك من قدر الدين شيئاً كما يتوهم البعض؛ فلكل منهما مجاله الخاص ودوره.
العقل تجديد وابداع، والنقل تقليد واتباع. العقل تجريب واستدلال وبرهان، بينما النقل إيمان وتسليم ووجدان. بهذا المعنى، الدين لا يخضع للنظر العقلي أو التجريب، وبالتالي ليس مسألة عقل، بل مسألة قلب وعاطفة. العقل لا يركن إلى الحقائق، بل يسائلها باستمرار ويستجوبها وقد يعيد النظر بشأنها، والنقل ثوابت ويقينيات محاطة بهالات التقديس والظن بامتلاك الحقيقة المطلقة.
بينما يواكب العقل حركة الحياة ومتغيراتها متناغمًا مع الواقع، يرتكز النقل على نصوص ثابتة ومحظورات موروثة من أزمنة غابرة سبقت عصر العلم، مما يجعل أي محاولة للاجتهاد فيها محفوفة بالمخاطر وغير مأمونة العواقب.
العقل نسبي متحرك، ينتعش في أجواء حرية الفكر ويزدهر. أما النقل، فدوغمائية وثوقية مطلقة تُكبِّل الفكر وتُقيِّده.
العقل شك وسؤال وحرية رأي، والنقل يمقت هذا الثالوث ولا يطيقه.
العقل مقدمات تفرض نتائج موضوعية من خلال التنظيم المنطقي بين الأفكار، بينما النقل نصوص حمَّالة أوجه وفيها مُحكَم ومتشابه غير متفق بشأن وضع حدود فاصلة بينهما حتى اللحظة.
العقل يؤمن بالانسان وقدراته وفاعليته، والنقل يُلقي به في مربع الإثم والعجز والتواكل.
لربما يستدرك علينا مُستدرك بالعبارة المتداولة في فضاءاتنا منذ مئات السنين، مدفوعة بالعواطف وبالفهم المشوه للعقل والنقل معًا، ونعني الاصرار على نفي التناقض بين العقل والدين.
رداً على ذلك، نؤكد أننا نستخدم لفظة «العقل» بمعناها العلمي الإبستمولوجي، الذي أوجزنا أهم مؤشراته، نظراً لضيق المساحة، عند المقابلة بين العقل والنقل آنفاً.
وتجدر الاشارة إلى أن مفهوم العقل في الثقافة العربية، زمن البعثة، مختلف عما ذكرنا قبل قليل. وقد تلقى العرب مدلول العقل في القرآن الكريم، بما يتفق مع ثقافتهم آنذاك حيث العاطفة مكون رئيس فيها وكذلك العادات والتقاليد وليس الاستدلال والبرهان.
معنى العقل في اللغة العربية يرتبط في الأصل بالسلوك والأخلاق، كما نجد في لسان العرب. وفيه نقرأ:"العقل: الحجر والنهي، ضد الحمق، والعاقل هو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه. وأيضًا: العاقل من يحبس نفسه ويردها عن هواها، أخذ من قولهم اعتقل لسانه إذا حبس ومنع الكلام...وسُمي العقل عقلًا، لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، أي يحبسه".
تأسيسًا على ما تقدم، وكما نشهد في واقعنا، لا يمكن قراءة النص الديني قراءة واحدة مُلزِمَة. وليس بمقدور النص "القديم" الإجابة عن أسئلة الحاضر، أو التعامل بفاعلية مع تحدياته وتحولاته.
وعليه، يتجلى النص الديني في فضاءات العبادة والروحانيات، في حين تظل ميادين بناء الدول، وتحقيق التقدم، والنهوض بمهام الإبداع والابتكار، شأناً خالصاً للعقل العلمي وأدواته التجريبية.



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (13) اشغال الرعية بصفة دائم ...
- جذور تقييد الفكر في ثقافتنا (1)
- اللغة الفُصحى واللهجات العامية
- هكذا تقدموا (3)
- هكذا تقدموا (2)
- هكذا تقدموا (1)
- الاستبداد والنفاق
- العقل أول ضحايا التقديس
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (12) اتباع صفات الثعلب والأ ...
- اللِّحَى وأصحابها
- الشعوذة وبيع الأوهام !
- فن استخدام الكلمة
- عقدة النقص
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (11) الغاية تبرر الوسيلة
- الخيال
- مدخل التأثير في الانسان
- الإيحاء
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين(10). الصداقة مدفوعة الثمن غ ...
- السماء بين العلم والدين
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (9). مزايا الحرب


المزيد.....




- بن لادن القادم بينما يحيي العالم الذكرى الخامسة والعشرين له ...
- حول كذبة -سلاح العقيدة والمذهب-!
- بين الدعم الرسمي وحملات الإلغاء السلفية: حفل أصالة في دمشق ي ...
- -محاربونا يقاتلون ثيوقراطية إسلامية-.. هيغسيث يربط حرب إيران ...
- قضايا الانتخابات البلدية – مع مريم سالم حزب البيئة وماجدة أي ...
- فضيحة قبل مباراة ريال مدريد وإنتر.. هتافات عنصرية ضد الإسلام ...
- بعد ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر، لماذا فشل مشروع أسامة بن لا ...
- إيهود أولمرت لـCNN: ما يجري في الضفة الغربية -تطهير عرقي- وي ...
- -الحرس الثوري- يحمل -انفصاليين- مسؤولية مقتل رجل دين كردي سن ...
- مدير دائرة الإعلام بمحافظة القدس: موسم الأعياد اليهودية من أ ...


المزيد.....

- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - جذور تقييد الفكر في ثقافتنا (2) العقل والنقل