رحيم فرحان صدام
الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 11:52
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
المقدمة
يُعدّ الكذب في الحديث من أخطر الآفات التي أصابت التاريخ الإسلامي، لما يترتب عليها من تزوير للوقائع وقلب للحقائق، ومن الرواة الذين اتُهموا بوضع الحديث عبد الأعلى بن أبي المساور الزهري مولاهم. وقد كان لرواياته المنفردة أثر في تشويه صورة الأحداث الكبرى، لا سيما ما يتعلق بفتنة مقتل عثمان بن عفان.
يهدف هذا البحث إلى كشف حال الراوي، ونقد إحدى أشهر رواياته، وبيان أثرها في التزوير التاريخي.
أولاً: ترجمة الراوي وحكمه عند المحدثين :
هو عبد الأعلى بن أبي المساور الزهري مولاهم، أبو مسعود الجرار، أصله كوفي وكان يسكن المدائن، وقدم بغداد، وتوفي في العقد السابع من القرن الثاني الهجري. (1)
وقد اتفق أئمة الجرح والتعديل على تضعيفه اذ كذبه ابن معين(2) ، وقال البخاري:"منكر الحديث"(3) ، وقال ابن حجر العسقلاني:" ليس بثقة"(4).
وعليه فالرجل ساقط الاعتبار، ولا يحتج بروايته.
ثانياً: من رواياته الموضوعة
انفرد عبد الأعلى برواية عن الشعبي عن زيد بن أرقم قال: "أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عُثْمَانَ فَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ..." إلى أن قال النبي: «إِنَّ اللهَ مُقَمِّصُكَ قَمِيصًا فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ». (5)
علق الهيثمي على هذه الرواية بالقول: "وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور وقد ضعفه الجمهور"(6)، وقال في موضع آخر:" عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ أَبِي الْمُسَاوِرِ، مَتْرُوكٌ كَذَّابٌ." (7)
ثالثاً: نقد المتني والتاريخي للرواية
إن علل هذه الرواية في متنها أشد من عللها في سندها:
1- المخالفة للتاريخ الثابت: وردت هذه الرواية بصيغ مختلفة تتفق في المضمون أصفق على وضعها كذابون تتراوح أسانيدها بين أموي و شامي وبصري، وبين عثماني متحامل على الامام علي عليه السلام، وبين أناس آخرين من ضعيف إلى كذاب إلى متروك إلى ساقط في الرواية . على أن متونها أكثر عللا من أسانيدها فإن الخضوع لصحتها يستدعي الوقيعة بالصحابة كلهم؛ لأن المنصوص عليه فيها: إن الذين أجلبوا على عثمان وأرادوا خلعه أناس منافقون، والحقيقة التاريخية أن الذين تجمهروا عليه هم أغلب الصحابة من المهاجرين والأنصار(8) ما عدا اربعة : زيد بن ثابت، حسان بن ثابت، أسيد الساعدي وكعب بن مالك، وأناس من الأمويين(9).
2- المخالفة للواقع: الثابت في كتب التاريخ أن الذي أشار على عثمان بعدم الخلع هو عبد الله بن عمر، وليس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وان الذي اشار على الخليفة عثمان بعدم خلع نفسه من الخلافة هو عبد الله بن عمر وليس رسول الله . (10)
3- نمط الترتيب المصطنع: لاحظ الشيخ الأميني أن كثيراً من الموضوعات في فضائل الثلاثة جاءت على نسق واحد لا يتغير: أبو بكر أولاً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي إن ورد، ومن أمثلته: حديث التسبيح(11) ، وحديث البستان(12).، وحديث بئر أريس(13) ، وحديث الاستئذان(14)، وحديث التبشير بالجنة(15). وعلق على ذلك بقوله: " فهل هذا حكم القدر يأتي بهم متتابعين؟... أو أنه من مشتهيات الوضاعين الذين يتحرون ترتيب الفضيلة هكذا؟ ولعل القول بالأخير هو المتعين فحسب" (16)
رابعاً: تحريف آخر - روايته في صلاة أبي بكر على فاطمة الزهراء عليها السلام
ومن تحريفات عبد الأعلى بن أبي المساور في فضائل أهل البيت روايته التي انفرد بها حول وفاة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام فقد أخرج ابن سعد بسنده فقال : " أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ أَبِي الْمُسَاوِرِ، عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: « صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا»."(17)
نقد الرواية:
1- التفرد: انفرد بها عبد الأعلى، ولم يروها غيره من الثقات.
2- المعارضة التاريخية: تناقضها رواية السيدة عائشة الصريحة: " فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عَلِيٌّ"(18)
3- المعارضة في الصحيحين: تتنافى مع ما في الصحيحين من أن الإمام علي عليه السلام وفاطمة الزهراء عليها السلام لم يبايعا أبا بكر لمدة ستة أشهر بعد وفاة النبي ﷺ(19) ، فكيف يصلي عليها وهو غير مأذون له بالحضور؟
4- العلة: الرواية فيها ضعف وانقطاع في السند، فضلا عن كون راويها متروكاً كذاباً.
وعليه فالرواية موضوعة ومكذوبة وضعها عبد الأعلى لرفع منزلة أبي بكر على حساب حق أهل البيت، وهي من أوضح الأدلة على وضعه للحديث وتزويره للتاريخ.
الخلاصة
يتضح مما سبق أن عبد الأعلى بن أبي المساور من الرواة المتروكين المتهمين بالوضع، وأن روايته المتعلقة بتبشير عثمان بن عفان بالجنة على بلاء ووصية النبي ( صلى الله عليه وآله) له بعدم خلع (القميص) تعد من الروايات الموضوعة.
ويظهر أن الغرض الأساسي من وضعها هو اتهام الصحابة المتجمهرين على عثمان بالنفاق، خدمة لأغراض سياسية في الصراع على الشرعية التاريخية.
التوصيات
1- رد كل ما تفرد به الضعفاء والمتروكون في فضائل الأفراد، لا سيما إذا خالف المتواتر التاريخي.
2- الاعتماد على نقد المتن إلى جانب نقد السند، فكثير من الموضوعات انكشف كذبها من مخالفتها للواقع.
3- الحذر من النمطية في روايات المناقب التي تسير على ترتيب ثابت، فإنها قرينة قوية على الوضع.
4- مقارنة المتن بالمشهور التاريخي: أي رواية تخالف المتواتر من سيرة أهل البيت يجب التوقف عندها ونقدها.
الهوامش
(1) للمزيد يراجع عنه ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع الزهري مولاهم (ت 230هـ/837 م): الطبقات الكبرى، تحقيق : إحسان عباس، دار صادر، (بيروت ـ د.ت).6/ 399 ؛ الذهبي، شمس الدين: محمد بن أحمد بن عثمان التركماني (ت 748هـ/1357م): سير أعلام النبلاء، أشرف على تحقيق وخرّج أحاديثه: شعيب الأرناؤوط، ، دار الرسالة ، ط9، (بيروت ـ 1993). 9/ 245، تذكرة الحفاظ، دار إحياء التراث العربي، (بيروت-1376هـ/1956م). 1/ 320 .
(2) وللمزيد يراجع عنه: ابن سعد: الطبقات الكبرى 6/ 399 ؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء، 9/ 245، تذكرة الحفاظ، 1/ 320.
(3) البخاري ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي مولاهم (ت 256هـ/862 م): التاريخ الصغير، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي، مكتبة دار التراث، الطبعة الأولى، (القاهرة -1397هـ / 1977م). جـ2، ص69 ؛ العقيلي : أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد المكي (ت 322هـ / 934م): الضعفاء الكبير، المحقق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: دار المكتبة العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1404هـ / 1984م. جـ 2 ، ص61؛ الذهبي ، المُغني في الضُعفاء ، نور الدين زعتر ، بيروت د.ت ، جـ1 ، ص365.
(4) العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر (ت 852هـ/1459م): تهذيب التهذيب، دار الفكر، (بيروت -1984). جـ6، ص98 .
(5) الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد، (ت 360هـ/966م): المعجم الكبير، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، ط2، مكتبة العلوم والحكم، ( الموصل -1983م ).(5/ 192).
(6) الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر (ت 807هـ/1414م): مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الكتب العلمية، (بيروت ـ 1988).ج ٩ص ٥٦.
(7) الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (1/ 76).
(8) ابن خياط، أبو عمرو خليفة بن خياط العصفري الليثي البصري، (ت 240هـ/854 م): تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق وضبط وتوثيق: د. مصطفى نجيب فؤاد، حكمت كشلي فواز، دار الكتب العلمية، (بيروت ـ 1995). (ص: 168) وما بعدها.
(9) ابن خياط: تاريخ خليفة بن خياط (ص: 168) وما بعدها.
(10) ابن خياط، تاريخ خليفة بن خياط (ص: 168) وما بعدها ؛ البلاذري، أحمد بن جابر بن يحيى، (ت 279هـ/885 م): أنساب الأشراف ، تحقيق: سهيل زكار ورياض الزركلي، الناشر: دار الفكر – بيروت، الطبعة: الأولى، 1417هـ / 1996م. 5: 76.
(11) الخلال : أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد(ت 311هـ /923 م) : السنة ، تحقيق : عطية بن عتيق الزهراني ، الناشر : دار الراية ، الطبعة : الثانية ، الرياض- 1994م . (1/ 288).
(12) ابن حنبل، الإمام أحمد بن محمد الشيباني ( ت 241هـ/855 م): مسند الإمام أحمد بن حنبل ، تحقيق شعيب الأرنؤوط ، مؤسسة الرسالة ، الطبعة : الثانية ، (بيروت -1420هـ / 1999م ).ج ١١، ص ١٠٦.
(13) ابن كثير : عماد الدين إسماعيل بن عمر الدمشقي (ت774هـ/1373م): البداية والنهاية، المحقق: علي شيري، الناشر: دار إحياء التراث العربي، الطبعة: الأولى 1408هـ /1988م. (7/ 226).
(14) ابن حنبل : مسند أحمد 1 : 71 ؛ النيسابوري، مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، (ت 261هـ/875 م): صحيح مسلم ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي ، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت. 7 : 117.
(15) ابن كثير : البداية والنهاية. 7 : 202 .
(16) الشيخ الأميني: عبد الحسين أحمد (ت1971م): الغدير في الكتاب والسنة والأدب، دار الكتاب العربي، الطبعة الرابعة، بيروت، ( 1397هـ/ 1977م).ج ١٠ ص ١٠١.
(17) ابن سعد: الطبقات الكبرى(8/ 29).
(18) ينظر: مسلم ، صحيح مسلم (3/ 1380) ؛ ابن شبة ، عمر بن شبة بن ريطة ابو زيد النميري مولاهم البصري ( ت 262هـ/ 875 م): تاريخ المدينة المنورة ، تحقيق : فهيم محمد شلتوت ، دار التراث (بيروت -1990 ). (1/ 197) ؛ ابن حبان ، محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي (ت 354 هـ/ 960م): صحيح ابن حبان، تحقيق: شعيب الأرناؤوط ، مؤسسة الرسالة، ط2، (د. م - د. ت). (11/ 153).
(19) وللمزيد ينظر : البخاري ، صحيح البخاري، دار الفكر، (بيروت - 1981).(4/ 96) ؛ مسلم : صحيح مسلم (3/ 1380).
#رحيم_فرحان_صدام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟