أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 13:26
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
في البداية لم يكن السودانيون هم الذين يصنعون الصورة.
كانت الصورة تأتي إليهم.
جاءت مع المصورين الأجانب، ومع الجيوش، ومع الإدارة الاستعمارية، ومع الرحلات الأوروبية التي كانت ترى السودان موضوعًا للتسجيل والعرض.
ومن المفارقات أن واحدة من أقدم الصور المتحركة المرتبطة بالسودان كانت تصور معركة أم درمان سنة 1898 من وجهة نظر القوة الغازية؛ فقد صوّر جون بينيت-ستانفورد مشاهد للقوات البريطانية قبل المعركة، ثم عُرض الفيلم في بريطانيا.
كان السودان، إذن، يظهر على الشاشة قبل أن يمتلك السودانيون الشاشة.
لكن بعد سنوات قليلة، حدث شيء آخر.
بدأ السودانيون يذهبون إلى السينما.
وهنا تغيرت الحكاية.
لأن السينما لم تكن مجرد فيلم يُعرض في قاعة.
لقد كانت مكانًا جديدًا يجلس فيه السودانيون معًا، ويرون العالم معًا، ويكتشفون أنفسهم والعالم خارج حدود مدينتهم.
الصورة التي جاءت من الخارج
حين دخل الفيلم إلى السودان، لم يدخل بوصفه فنًا سودانيًا.
دخل بوصفه جزءًا من عالم استعماري أوسع.
وتشير الدراسات إلى أن بدايات التصوير السينمائي في السودان ارتبطت بالوجود البريطاني، وبإنتاج مواد دعائية وتوثيقية تخدم أهداف الإدارة الاستعمارية.
وفي أربعينيات القرن العشرين، توسع استخدام السينما المتنقلة، خصوصًا في سياق الحرب العالمية الثانية، لنقل رسائل وأخبار الحرب إلى السودانيين والتأثير في رؤيتهم للأحداث العالمية.
وهذا يضعنا أمام حقيقة ينبغي ألا ننساها:
السينما لم تكن بريئة منذ البداية.
كانت وسيلة للترفيه.
لكنها كانت أيضًا وسيلة للاتصال.
والاتصال في ظل الاستعمار يعني أحيانًا وسيلة للتأثير.
ثم ظهر المتفرج السوداني
لكن الناس لا يستقبلون أي وسيلة إعلامية بالطريقة التي يريدها صانعها دائمًا.
فالفيلم الذي أرادته السلطة وسيلة للتوجيه يمكن أن يصبح عند المشاهد وسيلة للمتعة.
والصورة التي صُممت لتقول شيئًا سياسيًا قد يتذكر منها المشاهد ممثلًا أو أغنية أو قصة حب.
وهكذا بدأت السينما تتحرر، تدريجيًا، من نية من جاء بها.
وأصبح للسودانيين تاريخهم الخاص مع الشاشة.
السينما قبل أن تصبح صناعة سودانية
تشير المصادر إلى أن المقاهي وقاعات العرض المفتوحة سبقت انتشار دور السينما التجارية الحديثة.
وفي عشرينيات القرن العشرين أنشأ مهاجرون يونانيون دورًا لعرض الأفلام الصامتة في الخرطوم، ثم ظهرت دور عرض أكبر في الثلاثينيات. وتشير المصادر إلى افتتاح سينما كلزيوم في الخرطوم سنة 1935، بينما ظهرت دار عرض عُرفت باسم Bramble House في أم درمان بعد ذلك.
وكانت هذه البداية تحمل مفارقة اجتماعية.
ففي البداية كان جمهور السينما أقرب إلى الأجانب والموظفين الاستعماريين والجاليات الأجنبية.
ثم بدأ السودانيون يدخلون بأعداد أكبر.
ومع ازدياد الإقبال، أدرك رجال الأعمال السودانيون أن السينما ليست مجرد فرجة.
إنها سوق.
ومن هنا بدأ الانتقال من السينما بوصفها نشاطًا أجنبيًا إلى السينما بوصفها جزءًا من الاقتصاد السوداني.
برمبل.. سينما في قلب أم درمان
يصعب الحديث عن سينما أم درمان القديمة دون التوقف عند سينما برمبل.
لكن هذه واحدة من الحالات التي تكشف لنا مشكلة الكتابة عن الذاكرة السودانية.
فالروايات المتداولة تختلف في تفاصيل تأسيسها واسمها وتاريخها، بينما تتفق شهادات كثيرة على ارتباطها بميدان البوستة في أم درمان، وعلى حضورها القوي في ذاكرة أهل المدينة.
وتروي إحدى الروايات أن السينما ارتبطت بالمواطن السوداني القبطي قديس عبد السيد، وأن تسميتها جاءت نسبة إلى مفتش أم درمان البريطاني «برمبل» الذي منح التصديق بإنشاء دار العرض. وهذه رواية متداولة في الذاكرة المحلية، لكنها تحتاج إلى وثيقة تأسيسية مستقلة حتى نستطيع اعتماد تفاصيلها كحقيقة نهائية.
وهذه ليست ملاحظة هامشية.
ففي مشروعنا نحن لا نبحث عن أجمل قصة.
نبحث عن القصة التي يمكن إثباتها.
لكن حتى قبل اكتمال التوثيق، فإن موقع السينما نفسه مهم.
لقد ارتبطت بميدان البوستة؛ وهو المكان الذي ارتبط أيضًا لاحقًا بذاكرة الإذاعة والحياة العامة في أم درمان. وتصف شهادات عن أم درمان القديمة هذا الميدان باعتباره فضاءً شهد عروضًا موسيقية وأحداثًا عامة قبل أن ترتبط به السينما.
كان المكان يتغير.
والمدينة كانت تتغير معه.
كلزيوم.. الخرطوم ترى العالم
إذا كانت برمبل جزءًا من ذاكرة أم درمان، فإن كلزيوم كانت من العلامات المبكرة في تاريخ سينما الخرطوم.
افتتحت سنة 1935، وفق المصادر المتاحة، وكانت من دور العرض التي ساهمت في إدخال السينما التجارية إلى المدينة.
والاسم نفسه يحمل ذاكرة مدينة كانت تتغير.
الخرطوم التي بدأت تتوسع.
الموظفون.
الطلاب.
التجار.
الأجانب.
السودانيون الذين بدأوا يكتشفون أشكالًا جديدة من الترفيه.
والفيلم الذي يأتي من مصر أو الهند أو أوروبا أو الولايات المتحدة.
كل ذلك كان يجتمع في مكان واحد.
من الفرجة الأجنبية إلى الاستثمار السوداني
تذكر المصادر أن إقبال السودانيين على دور العرض شجع رجال الأعمال السودانيين على الاستثمار في السينما، وأن مجموعة من رجال الأعمال أسست شركة السينما الوطنية السودانية، الأمر الذي ساعد في انتشار دور السينما في مدن مختلفة من البلاد.
وهنا حدث تحول مهم.
لم تعد السينما شيئًا يأتي به الأجنبي ويشاهده السوداني.
أصبح السوداني أيضًا:
مالكًا.
مستثمرًا.
موزعًا.
صاحب دار عرض.
ثم لاحقًا:
مخرجًا.
مصورًا.
ممثلًا.
منتجًا.
أي أن المجتمع لم يعد مستهلكًا للصورة فقط.
بدأ يدخل صناعة الصورة نفسها.
ماذا كان السودانيون يشاهدون؟
ربما يكون هذا السؤال أهم من سؤال: متى تأسست أول سينما؟
لأن الفيلم الذي يشاهده الناس يخبرنا عن العالم الذي كانوا يريدون رؤيته.
في العقود اللاحقة، كانت دور السينما السودانية تعرض أفلامًا مصرية وهندية وأمريكية وإيطالية، إلى جانب الأخبار والإعلانات والمواد المحلية. وتذكر مصادر تاريخ السينما السودانية أن عدد دور العرض تجاوز السبعين في الستينيات في الخرطوم ومدن سودانية أخرى.
وهذا رقم يكشف حجم الظاهرة.
السودان لم يكن مجتمعًا يشاهد فيلمًا أو فيلمين في السنة.
كانت السينما ثقافة جماهيرية.
وكان الذهاب إلى السينما جزءًا من الحياة الأسبوعية لقطاعات واسعة من السكان.
وتروي شهادات صحفية عن فترة ازدهار السينما أن الصحف اليومية كانت تنشر برامج العرض، وأن الناس كانوا يعرفون مواعيد الأفلام ويذهبون إليها بصورة منتظمة.
السينما المصرية.. الجار الذي دخل الشاشة
لم تكن مصر مجرد دولة قريبة من السودان.
كانت أيضًا منتجًا ثقافيًا حاضرًا بقوة.
الأفلام المصرية كانت تصل إلى السودانيين، ومعها اللهجة والأغنية والممثلون والقصص وأنماط الملابس والحب والزواج والمدينة.
ومن هنا لم تكن السينما المصرية مجرد ترفيه.
كانت جزءًا من التبادل الثقافي المصري السوداني.
لكن السودانيين لم يكونوا مجرد متلقين سلبيين.
لقد أعادوا تفسير ما يشاهدونه وفق بيئتهم الخاصة.
فالفيلم المصري كان مصريًا.
لكن ضحكة الجمهور سودانية.
وتعليقه سوداني.
وذاكرته سودانية.
وهذه نقطة مهمة في دراسة الثقافة:
المتلقي يستطيع أن يعيد صناعة معنى العمل الذي يشاهده.
والهند دخلت السودان أيضًا
ثم جاءت السينما الهندية.
الأغنية.
الرقص.
البطل.
الحب.
المبالغة.
الدراما.
والأبطال الذين أصبحوا أسماء مألوفة لدى أجيال كاملة.
وتذكر المصادر أن الأفلام الهندية كانت من المواد الأساسية التي عرضتها دور السينما السودانية، خصوصًا في مراحل لاحقة، وأنها ظلت حاضرة بقوة حتى مع تراجع الصناعة السينمائية.
ومن الصعب فهم شعبية السينما الهندية في السودان دون دراسة الجمهور نفسه.
فالفيلم الهندي لم يكن مجرد قصة.
كان فرجة كاملة.
صورة وموسيقى وحركة وملابس وعاطفة.
وفي بلد كانت الموسيقى والغناء يحتلان مكانة مركزية في الثقافة الشعبية، كان هذا النوع من السينما يمتلك قدرة خاصة على الوصول إلى الجمهور.
السينما والطبقة الاجتماعية
لكن هل كان كل السودانيين يدخلون السينما بالطريقة نفسها؟
بالطبع لا.
كان هناك تفاوت في أسعار التذاكر.
وتفاوت في مواقع الجلوس.
وتفاوت في نوعية الأفلام التي يفضلها الجمهور.
وتفاوت في صورة السينما نفسها بين الناس.
وتظهر شهادات الذاكرة أن بعض دور العرض كانت تُعد أكثر «رقيًا» من غيرها، وأن جمهورًا معينًا كان يفضل دورًا بعينها بسبب نوعية الأفلام والجمهور.
وهذا يعني أن خريطة السينما كانت أيضًا خريطة للطبقة الاجتماعية.
لم تكن كل السينمات متساوية.
ولم يكن كل الجمهور واحدًا.
وكان يمكن للمرء أن يعرف شيئًا عن الحي والطبقة والذوق من السينما التي يذهب إليها.
السينما والشباب
ربما كان الشباب أكثر الفئات التي أعادت السينما تشكيل علاقتها بالعالم.
فالفيلم يفتح نافذة لا تحتاج إلى سفر.
يمكن لشاب في أم درمان أن يرى نيويورك.
ولفتاة في الخرطوم أن ترى القاهرة.
ولطالب في عطبرة أن يرى الهند.
ولعامل في مدينة صغيرة أن يرى حياة مختلفة تمامًا عن حياته.
كانت الشاشة تختصر المسافات.
ومن هنا أصبحت السينما مدرسة غير رسمية في الخيال.
تعلم الناس كيف يتخيلون حياة أخرى.
وهذا لا يعني أنهم كانوا يقلدونها بالضرورة.
لكنهم عرفوا أن هناك عالمًا آخر.
السينما والمرأة
وجود المرأة في دور السينما موضوع يحتاج إلى بحث مستقل أكثر عمقًا مما تسمح به هذه الحلقة.
لكن مجرد دخول المرأة إلى فضاء المشاهدة العامة كان تحولًا اجتماعيًا.
فالسينما ليست البيت.
وليست المدرسة.
وليست السوق.
إنها مكان عام له نظامه الخاص.
والمرأة التي تدخل السينما لا تشاهد الفيلم فقط.
إنها تشارك في الحياة العامة للمدينة.
وهنا تتقاطع السينما مع ما سنبحثه لاحقًا في هذه السلسلة عن دخول النساء إلى المجال العام.
فالمدينة الحديثة لم تكن تُبنى بالشوارع والمباني فقط.
كانت تُبنى أيضًا بأماكن تسمح للناس أن يروا بعضهم بعضًا.
السينما المتنقلة.. عندما ذهبت الشاشة إلى الناس
لكن السينما السودانية لم تكن محصورة في المدن.
كانت هناك السينما المتنقلة.
وهذه واحدة من أكثر الظواهر أهمية في تاريخ الثقافة السودانية.
ففي أربعينيات القرن العشرين توسع استخدام وحدات السينما المتنقلة، ثم استمرت لاحقًا ضمن نشاط السينما السودانية، بحيث كانت الشاحنات تحمل معدات العرض إلى المناطق التي لا توجد فيها دور سينما ثابتة.
وهنا تنقلب العلاقة:
في المدينة:
الناس يذهبون إلى السينما.
في القرية:
السينما تأتي إلى الناس.
كان يمكن أن تتحول الساحة ليلًا إلى قاعة عرض.
شاشة.
جهاز عرض.
جمع من الناس.
وأطفال يكتشفون أن العالم يمكن أن يظهر فجأة أمامهم في قطعة قماش.
إنها صورة تستحق أن تحفظ.
لأنها تقول إن السينما لم تكن دائمًا ترفًا حضريًا.
لقد كانت أيضًا وسيلة للوصول إلى أماكن بعيدة.
لكن من كان يملك الصورة؟
وهنا نعود إلى السؤال السياسي.
السينما المتنقلة لم تكن محايدة تمامًا.
في الحقبة الاستعمارية، استخدمت السلطات السينما والإعلام لتشكيل تصورات السكان عن الحرب والإمبراطورية والأحداث العالمية. وقد توسعت العروض المتنقلة خلال الحرب العالمية الثانية لهذا الغرض.
وبعد الاستقلال، ورثت الدولة السودانية بعض هذه الأدوات.
فتأسست وحدة الأفلام السودانية لإنتاج أفلام تعليمية قصيرة ومواد إخبارية، وكانت هذه المواد تعرض في دور السينما، كما وصلت عبر السينما المتنقلة إلى مناطق مختلفة من البلاد.
وهكذا أصبحت السينما مرة أخرى أداة للدولة.
لكن هذه المرة، كان السؤال:
أي دولة؟
وماذا تريد أن تقول لمواطنيها؟
من الاستعمار إلى الدولة الوطنية
بعد استقلال السودان سنة 1956، لم تختفِ السينما.
بل دخلت مرحلة جديدة.
كانت الدولة تريد أن تقدم صورة عن السودان الجديد.
التنمية.
التعليم.
الصحة.
المشروعات.
المجتمع.
والحياة الوطنية.
وأصبحت الأفلام الوثائقية وسيلة لتسجيل البلاد وإظهارها.
وهنا ظهرت أهمية السينما باعتبارها أرشيفًا بصريًا للسودان.
لكن المشكلة أن جزءًا كبيرًا من هذا الأرشيف لم يحفظ بالشكل الذي يسمح للأجيال الجديدة برؤيته.
ولهذا فإننا لا نعاني فقط من فقدان الأفلام.
نعاني من فقدان ذاكرة بصرية كاملة.
متى بدأ السودانيون يصنعون أفلامهم؟
بدأت المحاولات السودانية للإنتاج مبكرًا، خصوصًا في مجال الأفلام الوثائقية.
وتشير مصادر تاريخ السينما السودانية إلى فيلم قصير بعنوان «طفولة مشردة» في 1952، ثم تطورت المحاولات بعد الاستقلال، بينما شهدت الستينيات والسبعينيات ظهور مخرجين وصناع أفلام سودانيين بصورة أوضح.
ثم جاء فيلم «آمال وأحلام» الذي يُشار إليه بوصفه أول فيلم روائي طويل معروف في تاريخ السينما السودانية، وأُنجز سنة 1970 بإخراج إبراهيم ملاسي.
لكن الصناعة لم تستطع أن تتحول إلى صناعة مستقرة.
كانت هناك مواهب.
وكان هناك جمهور.
وكانت هناك دور عرض.
لكن التمويل والبنية الإنتاجية والاستمرارية ظلت مشكلات مزمنة.
وهكذا امتلك السودان سينما بلا صناعة سينمائية مستقرة.
السينما التي صنعت مخرجين
مع ذلك، لا يمكن اختزال التجربة السودانية في ضعف الصناعة.
فقد ظهر عدد من صناع الأفلام الذين تركوا أثرًا مهمًا، خصوصًا في الوثائقي.
ومنهم حسين شريف، الذي ارتبط اسمه بأفلام وثائقية ذات حس فني وثقافي واضح.
وكان فيلمه عن طقوس إشعال النار لدى الإنقسنا مثالًا على إمكانية أن تتحول الكاميرا من أداة تسجيل إلى وسيلة لفهم الثقافة السودانية والاحتفاء بها.
وهنا تبدأ السينما السودانية في تغيير السؤال.
لم تعد:
كيف نصور السودان؟
بل:
كيف يرى السودانيون السودان؟
والفرق بين السؤالين كبير.
الشاشة التي صنعت ذاكرة مشتركة
ربما لا نتذكر الفيلم كاملًا.
لكننا نتذكر السينما.
نتذكر الطريق إليها.
الطابور.
التذكرة.
البائع.
المقعد.
صوت جهاز العرض.
الظلام الذي يسبق ظهور الصورة.
ضحكة الجمهور.
وصوت شخص يعلق على مشهد.
وهذه الذاكرة الجماعية هي التي تجعل السينما موضوعًا لتاريخ المجتمع، وليس تاريخ الفن فقط.
فالسوداني الذي دخل السينما في الستينيات أو السبعينيات لم يكن يذهب فقط لمشاهدة فيلم.
كان يذهب إلى حدث اجتماعي.
حين أصبحت السينما جزءًا من المدينة
كل مدينة كبرى تقريبًا بدأت تمتلك خريطتها السينمائية.
في الخرطوم.
في أم درمان.
في بحري.
وفي مدن الأقاليم.
وتشير المصادر إلى وجود دور عرض في مدن مثل عطبرة، حيث بنيت «سينما الخواجة» سنة 1922، ثم توسعت شبكة السينما في المدن السودانية مع انتشار الاستثمار المحلي.
وهكذا أصبحت السينما جزءًا من جغرافيا المدينة.
مثل السوق.
مثل المدرسة.
مثل المقهى.
مثل محطة القطار.
كان اسم السينما وحده يكفي لتحديد مكان.
«نلتقي أمام السينما.»
كانت الجملة تحمل معنى يعرفه الجميع.
ثم بدأ الانطفاء
لم يكن انهيار السينما السودانية مفاجئًا.
بدأ التراجع تدريجيًا، مع الأزمات الاقتصادية والسياسية وتراجع الاستثمار وتدهور البنية الثقافية.
ثم جاءت نقطة التحول الكبرى بعد انقلاب 1989.
تشير مصادر تاريخ السينما السودانية إلى أن شركة السينما السودانية حُلّت، وأن عددًا كبيرًا من دور العرض أغلق أو أعيد استخدامه، بينما أصبح كلزيوم لاحقًا مقرًا لقوات مكافحة الشغب، في مثال صارخ على تحول المكان الثقافي إلى مكان أمني.
وهنا تصبح القصة أكثر من قصة صناعة فنية.
إنها قصة تحول المدينة نفسها.
المكان الذي كان يجلس فيه الناس لمشاهدة فيلم أصبح مكانًا تراقب فيه السلطة الشارع.
الشاشة اختفت.
والقوة حضرت.
من سبعين سينما إلى مدن بلا سينما
في العقود التي تلت ذلك، تقلص عدد دور العرض بصورة كبيرة.
وتذكر تقارير صحفية أنه في منتصف الثمانينيات كانت الخرطوم تضم نحو 15 دار عرض، ثم انخفض العدد إلى ثلاث فقط بحلول 2015، وسط أزمات اقتصادية وسياسية وإجراءات أثرت بشدة في القطاع.
وفي أنحاء السودان، تعرضت دور أخرى للإغلاق أو البيع أو تغيير الاستخدام.
لم تعد السينما جزءًا طبيعيًا من حياة المدينة.
ثم جاءت الحرب الأخيرة لتضيف طبقة جديدة من الخراب إلى ما كان قد تبقى من البنية الثقافية.
وهكذا لا نخسر الأفلام وحدها.
نخسر الأماكن التي كانت تعرضها.
ماذا يحدث عندما تختفي السينما؟
يبدو السؤال بسيطًا:
ماذا يحدث عندما تغلق السينما؟
الإجابة ليست:
«يذهب الناس إلى مكان آخر للترفيه.»
بل يحدث شيء أعمق.
يختفي مكان عام.
تختفي وظيفة اجتماعية.
تختفي مهنة.
يختفي جمهور.
تختفي ذاكرة.
وتختفي فرصة لأن يجلس مئات الأشخاص معًا في الظلام، ويضحكوا على المشهد نفسه، ويخرجوا منه وهم يحملون تجربة مشتركة.
ولهذا فإن إغلاق السينما هو أيضًا إغلاق لجزء من الحياة العامة.
السينما لم تمت تمامًا
ومع ذلك، لم يمت حب الصورة.
ظهرت مبادرات جديدة.
مهرجانات.
عروض مستقلة.
أفلام قصيرة.
مخرجون شباب.
ومحاولات لإعادة اكتشاف التراث السينمائي.
وتشير مبادرات سينمائية سودانية حديثة إلى أن الاهتمام بالفيلم ظل حاضرًا رغم انهيار دور العرض التقليدية.
وهذا يعطينا مفارقة جميلة:
قد تموت السينما كمبنى، لكنها لا تموت بالضرورة كحاجة إنسانية.
فالناس ما زالوا يريدون الحكاية.
ويريدون الصورة.
ويريدون أن يروا أنفسهم.
لكن ماذا خسرنا؟
ربما خسرنا شيئًا لا تستطيع المنصات الرقمية تعويضه بالكامل.
في السينما القديمة، كنت تجلس بجوار مئات الأشخاص.
لا تعرف أسماءهم.
لكنكم تشاهدون الفيلم نفسه.
وتضحكون في اللحظة نفسها.
وتصمتون في اللحظة نفسها.
وتخرجون إلى الشارع بعد النهاية.
كانت الشاشة تصنع جمهورًا.
أما الهاتف فيصنع غالبًا مشاهدًا فرديًا.
وهذا فرق اجتماعي مهم.
السينما كمرآة
حين دخلت السينما السودان، كان السودانيون يرون العالم.
ثم بدأوا يرون أنفسهم.
وهنا تكمن أهميتها الحقيقية.
فالمجتمع الذي لا يصور نفسه يترك الآخرين يصورونه.
والمجتمع الذي لا يحفظ أفلامه يترك ذاكرته البصرية عرضة للنسيان.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط:
أين ذهبت دور السينما؟
بل:
أين ذهبت الأفلام التي كانت تعرض فيها؟
وأين ذهبت أرشيفاتها؟
ومن يحتفظ بها؟
وكم فيلمًا سودانيًا فُقد؟
وكم فيلمًا ما زال موجودًا في بكرات قديمة لا يستطيع أحد الوصول إليها؟
هذه ليست أسئلة فنية.
إنها أسئلة ذاكرة وطنية.
من المقهى إلى السينما
في الحلقة السابقة قلنا إن المقهى كان مكانًا يجلس فيه السودانيون ويتحدثون.
السينما نقلتهم إلى تجربة أخرى.
في المقهى:
نحن نصنع الحديث.
في السينما:
نحن نتلقى الصورة.
لكن الاثنين اشتركا في شيء واحد:
جمع الناس في مكان عام.
المقهى صنع جمهورًا يتحدث.
والسينما صنعت جمهورًا يشاهد.
ثم جاء شيء ثالث سيغير المسألة كلها.
لم يعد الناس بحاجة إلى الذهاب إلى المقهى.
ولا إلى الذهاب إلى السينما.
فقد جاء الصوت إليهم.
دخل إلى البيوت.
دخل إلى الدكاكين.
دخل إلى المقاهي.
دخل إلى السيارة.
دخل إلى القرية.
دخل إلى المدينة.
وأصبح السودان يسمع نفسه.
كان ذلك صوتًا يأتي من مكان صغير في أم درمان.
صوت يقول:
هنا أم درمان.
وهنا تبدأ الحكاية التالية.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟