أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - السودان الذي لم يُكتب (9) المقهى السوداني.. حين أصبح الجلوس معًا جزءًا من الحياة العامة















المزيد.....


السودان الذي لم يُكتب (9) المقهى السوداني.. حين أصبح الجلوس معًا جزءًا من الحياة العامة


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 19:57
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لم يكن المقهى في السودان مجرد مكان تُشرب فيه القهوة.
كان، في أوقات كثيرة، مكانًا يُسمع فيه ما لا يُقال في البيت، وتُناقش فيه الأخبار قبل أن تصل إلى الصحيفة، وتُختبر فيه الأفكار قبل أن تتحول إلى مواقف، ويلتقي فيه العامل بالموظف، والشاعر بالفنان، والطالب بالسياسي، والغريب بابن المدينة.
ولهذا فإن اختفاء المقهى القديم لا يعني اختفاء مكان لبيع المشروبات فقط؛ بل يعني اختفاء واحد من الأماكن التي كانت الحياة العامة السودانية تتشكل فيها بصورة غير رسمية.
وهنا تبدأ الحكاية.

من القهوة إلى المجال العام

في المدن الحديثة، لا تُصنع الحياة العامة كلها داخل المؤسسات الرسمية.
هناك دائمًا أماكن وسيطة بين البيت والدولة: السوق، النادي، الصحيفة، المسجد، المدرسة، الصالون، والمقهى.
وقد درست أدبيات المجال العام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هذه الوظيفة للمقاهي بصورة واسعة؛ فالمقهى لم يكن مجرد فضاء للراحة وتبادل الأخبار، وإنما أصبح في بعض البيئات مكانًا للنقاش الثقافي والسياسي، خصوصًا مع نشوء طبقة متعلمة وموظفين وكتبة ارتبطوا بالاقتصاد والإدارة الحديثة.
وليس السودان استثناءً من هذه القاعدة.
بل إن خصوصية المقهى السوداني تكمن في أنه ظهر عند تقاطع عدة عوالم: السوق، والمدينة، والهجرة، والصحافة، والفن، والسياسة.
ولذلك كان يمكن للمرء أن يدخل المقهى من أجل فنجان قهوة، لكنه لا يعرف بالضرورة ما الذي سيخرج به منه.
خبر.
أغنية.
قصيدة.
وظيفة.
صداقة.
خصومة سياسية.
أو حتى فكرة جديدة عن السودان.

الخرطوم: حين دخلت «القهوة» المدينة

توجد رواية صحفية متداولة تضع قهوة علي أبو زيد في الخرطوم في سنة 1905، وتصفها بأنها من أقدم المقاهي المعروفة في المدينة.
وبحسب الرواية التي نقلتها صحيفة «الصيحة»، كان علي أبو زيد من الجهادية الذين شاركوا في حملة عبد الرحمن النجومي نحو مصر، ثم عاد إلى السودان بعد سنوات الأسر، وأنشأ مقهاه في الخرطوم، في المكان الذي يقع فيه اليوم ما يعرف بقهوة الصنايعية قرب القنصلية المصرية.
وكان رواد المكان، وفق هذه الرواية، من الصنايعية والعاملين في السوق والعازبين.
لكن هذه المعلومة تحتاج إلى قدر من التحفظ.
فنحن أمام رواية تاريخية صحفية، لا أمام سجل تأسيس محفوظ أو وثيقة بلدية منشورة تثبت أنها كانت «أول قهوة في السودان».
وهنا تظهر أهمية المنهج الذي اخترناه لهذه السلسلة:
لا ينبغي أن نحول الرواية الشعبية إلى حقيقة لمجرد أنها تكررت.
يمكننا أن نقول:
««تروي مصادر صحفية سودانية أن قهوة علي أبو زيد تأسست سنة 1905، وتصفها بأنها من أقدم المقاهي في الخرطوم.»»
وهذا أكثر أمانة من القول الجازم:
««كانت هذه أول قهوة في السودان.»»
فالفرق بين العبارتين هو الفرق بين التوثيق والذاكرة.

لماذا كان السوق مكانًا طبيعيًا للمقهى؟

ليس من المصادفة أن تظهر المقاهي القديمة حول الأسواق.
السوق هو المكان الذي يجتمع فيه الناس لأسباب تتجاوز البيع والشراء.
التاجر يحتاج إلى الانتظار.
العامل يبحث عن عمل.
المسافر ينتظر وسيلة نقل.
الموظف يريد قراءة الصحيفة.
والسياسي يريد أن يلتقي بأشخاص خارج قاعة الاجتماع.
والشاعر يحتاج إلى جمهور.
والغريب يحتاج إلى شخص يعرف المدينة.
ولهذا يصبح المقهى امتدادًا طبيعيًا للسوق.
وتقدم لنا إحدى الروايات الصحفية عن قهوة المحطة الوسطى في الخرطوم صورة لافتة: كان المثقفون والباحثون عن العمل يرتادونها، وكان بعضهم يكتب طلبات التوظيف هناك ويقرأ الصحف.
إذا صحت هذه الشهادة، فإن المقهى لم يكن مكانًا للترفيه فقط؛ لقد كان يؤدي وظيفة اجتماعية عملية: مكانًا للحصول على المعلومات والاتصال بالفرص.
وهذا جانب كثيرًا ما تغفله الكتابة عن المقاهي.

أم درمان.. عندما صار المقهى جزءًا من المدينة

إذا كانت الخرطوم قد عرفت مقاهيها مبكرًا، فإن أم درمان أعطت المقهى وظيفة أكثر التصاقًا بالحياة الثقافية والسياسية.
كان قلب أم درمان القديم يجمع السوق، والبريد، ودور الصحف، والمنتديات، ونادي الخريجين، ومراكز النشاط السياسي والثقافي.
وفي هذا المحيط ظهرت مجموعة من المقاهي التي بقيت أسماؤها في الذاكرة السودانية.
من بينها:
قهوة شديد.
قهوة ود الأغا.
قهوة جورج مشرقي.
قهوة يوسف الفكي.
وتورد مصادر محلية أن هذه المقاهي كانت تقع في نطاق سوق الموية، وأن بعضها ارتبط بالشعراء والفنانين والمسرحيين والمثقفين والسياسيين.
لكن الأهم من الأسماء هو الوظيفة التي أدتها هذه الأماكن.
فالمقهى هنا لم يعد مجرد محل.
لقد أصبح جزءًا من خريطة المدينة.

قهوة شديد.. مقهى العمال

تقدم شهادة منشورة عن أم درمان القديمة صورة مختلفة للمقهى.
تذكر أن قهوة شديد كانت مكان تجمع العمال منذ الصباح الباكر؛ يأتي العامل بأدواته وينتظر من يطلبه للعمل.
هذه الصورة، إن وضعناها بجانب الصورة التي نعرفها عن المقاهي الثقافية، تغير فهمنا للمقهى السوداني.
فالمقهى لم يكن دائمًا مكان المثقف والسياسي.
كان هناك مقهى العامل أيضًا.
العامل الذي يأتي قبل بداية يومه.
الرجل الذي ينتظر فرصة عمل.
الناس الذين لا يملكون مكتبًا ولا ناديًا ولا صالونًا.
وهنا يصبح المقهى نوعًا من سوق العمل غير الرسمي.
لا عقود.
لا مكاتب توظيف.
لا منصات إلكترونية.
فقط رجل يحمل أدواته ويجلس منتظرًا أن يأتيه العمل.
إنها صورة صغيرة، لكنها تقول شيئًا كبيرًا عن الاقتصاد الحضري في السودان.

جورج مشرقي.. عندما أصبح المقهى ناديًا

ربما لا يوجد اسم ارتبط بذاكرة المقاهي الأم درمانية مثل جورج مشرقي.
وفي مقابلة صحفية أجريت معه في سنواته المتأخرة، قال إن مقهاه بدأ سنة 1950، وإنه كان يعرف أيضًا باسم قهوة سوق الموية.
وتذكر المقابلة أسماء من رواده، من بينهم طلاب ومدرسون وفنانون وشعراء وسياسيون، وتروي أن إسماعيل الأزهري كان من الذين يرتادون المكان.
والأهم أن المقابلة تقدم لنا صورة عن كيفية تحول المقهى إلى مساحة تتجاوز وظيفته التجارية.
فبحسب شهادة جورج مشرقي، كان الفنانون والشعراء والممثلون يجتمعون فيه.
ويذكر أن الأزهري، بعد اجتماع للخريجين، وجد عددًا من الخريجين مجتمعين في المقهى، فقال لهم مازحًا إنهم تركوا النادي وحولوا مكان جورج مشرقي إلى نادٍ لهم.
قد تبدو الحكاية بسيطة.
لكنها تكشف شيئًا شديد الأهمية:
المقهى كان قادرًا على منافسة النادي نفسه باعتباره مساحة للاجتماع.
وهذا هو جوهر الحكاية.

لماذا كان المثقف يحتاج إلى المقهى؟

كان السودان في النصف الأول من القرن العشرين يشهد اتساعًا تدريجيًا في التعليم والصحافة والأندية والجمعيات.
لكن المؤسسات الثقافية الرسمية كانت محدودة.
لم يكن لكل شاعر منتدى.
ولم يكن لكل كاتب صحيفة.
ولم يكن لكل سياسي حزب.
ولم تكن لكل جماعة ثقافية مؤسسة.
لذلك احتاج الناس إلى أماكن رخيصة ومفتوحة نسبيًا يستطيعون فيها أن يلتقوا.
وهنا أدى المقهى وظيفته.
كان منتدى بلا لائحة داخلية.
مؤسسة بلا مدير.
منبرًا بلا منصة.
وصحيفة شفوية تتغير أخبارها من طاولة إلى أخرى.
ومن هنا يمكن فهم لماذا ارتبطت المقاهي القديمة بالصحافة والشعر والموسيقى والسياسة.

المقهى والصحيفة

كان وصول الصحيفة إلى المقهى حدثًا اجتماعيًا.
ليس لأن الجميع قادرون على شراء الصحيفة.
بل لأن صحيفة واحدة يمكن أن يقرأها عدد كبير من الأشخاص.
أحدهم يقرأ الخبر.
والثاني يعلق.
والثالث يعارض.
والرابع ينقل الخبر إلى شخص آخر.
وهكذا تتحول الصحيفة من مادة مطبوعة إلى حديث عام.
وهذا يلتقي مباشرة مع ما قلناه في الحلقة السابعة عن الصحافة السودانية.
فالصحيفة كانت تصل إلى المقهى.
والمقهى كان يعيد الصحيفة إلى الناس.
ومن هنا لم يكن المجال العام السوداني مصنوعًا من الورق وحده.
كان مصنوعًا من الورق والكلام.

المقهى والفن

ولأن المقهى مكان للجلوس الطويل، فقد كان مناسبًا بصورة خاصة للفنانين والشعراء.
وتذكر المصادر المحلية أن قهوة جورج مشرقي كانت مجالًا للشعراء والفنانين والعازفين والمسرحيين، خصوصًا منذ أربعينيات القرن العشرين.
وهنا نلمس علاقة مهمة بين المكان والإبداع.
الفن لا يعيش دائمًا في المسرح.
والشعر لا يعيش دائمًا في الكتاب.
والأغنية لا تبدأ دائمًا في الاستوديو.
أحيانًا تبدأ الفكرة على طاولة.
ويأتي شاعر.
ويجلس إلى جواره موسيقي.
ويمر ثالث.
ثم تتحول الجلسة إلى نقاش.
ومن النقاش يولد نص.
ومن النص أغنية.
ومن الأغنية ذاكرة مدينة.
لهذا فإن دراسة المقاهي قد تكون، في جوهرها، دراسة لبنية إنتاج الثقافة السودانية خارج المؤسسات الرسمية.

المقهى والسياسة

وهنا نصل إلى الجانب الأكثر حساسية.
هل كانت المقاهي السودانية أماكن سياسية؟
الإجابة تحتاج إلى التفريق.
ليس معنى أن سياسيًا جلس في مقهى أن المقهى أصبح مؤسسة سياسية.
لكن بعض الشهادات التاريخية والمحلية تشير إلى أن المقاهي القريبة من نادي الخريجين والأسواق كانت تستقبل نقاشات ومناظرات سياسية، وأن الأخبار والمواقف كانت تنتقل بينها وبين الأندية والصحف.
وهذا أمر منطقي من ناحية بنية الحياة العامة نفسها.
فحين تكون السياسة في طور التشكل، لا تبقى داخل الاجتماعات.
تنتقل إلى الشارع.
ثم إلى السوق.
ثم إلى المقهى.
ثم إلى البيت.
ثم تعود مرة أخرى إلى الشارع.
ولهذا يمكن النظر إلى المقهى باعتباره أحد مسارات انتقال السياسة من النخبة إلى المجتمع.

خليل فرح والمقهى الذي كان يتحدث فيه الشعر والسياسة

وهناك شهادة تاريخية أكثر دلالة على العلاقة بين المقهى والسياسة.
في دراسة عن الأدب والقومية في الشرق الأوسط، يرد وصف لخليل فرح ورفاقه في الخرطوم خلال عشرينيات القرن العشرين، حيث كانوا يجتمعون في مقهى بعد العمل، يتبادلون الشعر والموسيقى ويتحدثون في السياسة حتى ساعات الصباح الأولى، وفي سياق الحركة الوطنية كانت بعض النصوص والخطابات المناهضة للاستعمار تُعد وتنتقل إلى المجال العام.
هذه ليست مجرد حكاية عن شاعر جلس في مقهى.
إنها تكشف كيف يمكن أن يلتقي الفن والسياسة في المكان نفسه.
خليل فرح لم يكن شاعرًا فقط.
كانت أغنيته جزءًا من تشكل الحس الوطني.
والمكان الذي يجتمع فيه الشعراء والموسيقيون والسياسيون يصبح، بالضرورة، مكانًا مهمًا في دراسة كيف تتشكل الأفكار.

المقهى ليس ديمقراطيًا تمامًا

لكن علينا ألا نقع في فخ الحنين.
فالمقهى لم يكن فضاءً حرًا ومفتوحًا للجميع بالمعنى الحديث.
كان في الغالب فضاءً ذكوريًا.
وكانت القدرة على الجلوس فيه مرتبطة بالوقت والمال والمكانة الاجتماعية والعمل.
بل إن المقاهي نفسها كانت متفاوتة في جمهورها.
فبعضها كان يرتاده العمال.
وبعضها المثقفون.
وبعضها الموظفون وكبار التجار.
وتصف مصادر محلية قهوة يوسف الفكي بأنها كانت أكثر رقيًا، ويرتادها كبار الموظفين والمثقفون.
وهذا يعني أن المدينة لم تكن تملك مقهى واحدًا.
كانت تملك مقاهي متعددة، ولكل مقهى جمهوره وشبكته ومزاجه.
وكما كانت الأحياء تعكس طبقات المجتمع، كانت المقاهي تفعل الشيء نفسه.

والمقهى كان أيضًا مكانًا للغرباء

المدينة الحديثة لا تصنعها فقط الأسر التي ولدت فيها.
تصنعها أيضًا الهجرات.
والخرطوم وأم درمان وبحري كانت مدنًا تتقاطع فيها جماعات سودانية وغير سودانية.
وقد ساهم وجود اليونانيين والقبارصة والشوام والهنود والمصريين وغيرهم في تشكيل بعض الأنشطة التجارية والخدمية في المدن السودانية الحديثة، ومنها المقاهي.
وهنا يصبح المقهى مساحة للقاء المختلفين.
ليس بالضرورة لقاءً متساويًا.
ولا خاليًا من التوترات الاجتماعية والطبقية والعرقية.
لكنه لقاء.
والمدينة تحتاج إلى مثل هذه الأماكن لكي تتعرف جماعاتها إلى بعضها.

من المقهى إلى «ست الشاي»

ربما يكون أكبر خطأ في الحديث عن المقاهي السودانية أن نعتقد أن ظاهرة المقهى اختفت ثم لم يبق شيء.
الحقيقة أكثر تعقيدًا.
فمع تراجع المقهى التقليدي، ظهرت أنماط أخرى من فضاءات الشاي والقهوة.
ومن أهمها بائعات الشاي.
وهنا تحدث مفارقة تاريخية مثيرة:
المقهى القديم كان في الغالب فضاءً ذكوريًا.
لكن فضاءات الشاي الحديثة حملت النساء إلى المجال العام من موقع مختلف تمامًا: موقع العمل.
وتوضح دراسة ماكسيم كورش عن «نساء الشاي» في أم درمان أن المقاهي الصغيرة على جوانب الطرق، خصوصًا على شارع الأربعين، أصبحت مؤسسة حضرية مهمة، وأن النساء العاملات فيها ينتمين في الغالب إلى فئات فقيرة ومهاجرات من مناطق هامشية أو متأثرة بالحرب. كما تقرأ الدراسة هذه المقاهي باعتبارها شكلًا من أشكال النشاط النسائي غير الرسمي في المدينة.
وهكذا لم تختفِ فكرة المكان الذي يجلس فيه الناس حول الشاي.
بل تغير صاحب المكان، وشكل المكان، وعلاقته بالمجتمع.
من المقهى الرجالي إلى فضاء الشاي الذي أصبحت المرأة جزءًا أساسيًا من اقتصاده.
وهذه قصة تستحق مقالًا مستقلًا يومًا ما.

عندما أصبحت الدولة تخاف من المقهى

إذا كان المقهى مساحة للكلام، فإن السلطة التي تخشى الكلام ستراقبه.
وتورد شهادات صحفية عن المقاهي القديمة أن الرقابة الأمنية اشتدت في بعض الفترات، وأن بعض المقاهي تعرضت للإغلاق بسبب طبيعة النقاشات السياسية التي كانت تدور بين روادها.
ولا يمكننا أن نعمم هذه الروايات على كل المقاهي أو كل الفترات دون وثائق إضافية.
لكن الفكرة نفسها جديرة بالتوقف:
لماذا تهتم السلطة بمكان يشرب فيه الناس الشاي؟
لأن السلطة لا تخاف دائمًا من المكان.
أحيانًا تخاف مما يحدث بين الناس داخل المكان.
المشكلة ليست في الفنجان.
المشكلة في الحديث.

ماذا كان يحدث عندما يجلس السودانيون؟

ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه.
ماذا كان يحدث عندما يجلس عشرة أشخاص حول طاولة واحدة؟
كان شخص يحمل صحيفة.
وآخر يحمل خبرًا.
وثالث يعرف موظفًا في الحكومة.
ورابع يعرف شاعرًا.
وخامس يبحث عن عمل.
وسادس لديه موقف سياسي.
وسابع جاء من مدينة أخرى.
وفي خلال ساعتين، تتبادل الطاولة معلومات لا تستطيع مؤسسة واحدة جمعها.
وهكذا كان المقهى يعمل كنوع من شبكة اجتماعية قبل عصر الشبكات الاجتماعية.
لم يكن «فيسبوك» موجودًا.
لكن كان هناك المقهى.
لم يكن «واتساب» موجودًا.
لكن كان هناك شخص يعرف شخصًا يعرف شخصًا.
ولم تكن الأخبار تنتشر بضغطة زر.
كانت تنتشر من طاولة إلى أخرى.

المقهى كأرشيف غير مكتوب

وهنا تعود بنا الحلقة إلى عنوان سلسلتنا:
السودان الذي لم يُكتب.
كم حدثًا سياسيًا بدأ حديثه الأول في مقهى ولم تسجله محاضر الأحزاب؟
كم شاعرًا كتب قصيدته بعد جلسة لم يكتب عنها أحد؟
كم عامل وجد فرصة عمل من شخص جلس إلى جواره؟
كم خبر انتقل من الصحيفة إلى الناس عبر مقهى؟
كم صداقة نشأت؟
وكم خصومة؟
وكم فكرة اختفت لأن أحدًا لم يكتبها؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بسهولة.
وهذا بالضبط هو سبب حاجتنا إلى دراسة المكان.
فالوثائق الرسمية تحفظ قرارات الحكومة.
والصحف تحفظ الأخبار.
والكتب تحفظ الأحداث الكبرى.
لكن المقهى يحفظ الحياة التي حدثت بين الأحداث.
وهذه الحياة هي التي تضيع أولًا.

من أم درمان إلى السودان كله

ولا ينبغي أن نحصر قصة المقاهي السودانية في أم درمان والخرطوم وحدهما.
فالشهادات المتاحة تشير إلى وجود حياة مقاهٍ في مدن أخرى مثل بحري والدامر وغيرها، وكانت لهذه المقاهي وظائف ثقافية واجتماعية وسياسية متفاوتة.
وفي الدامر مثلًا، تصف شهادات محلية المقاهي بأنها أماكن ارتادها الأدباء والشعراء والسياسيون والرياضيون، وأنها ارتبطت بالذاكرة الثقافية للمدينة.
وهذا يفتح سؤالًا أكبر:
هل كانت لكل مدينة سودانية «قهوة» لعبت دورًا يشبه المنتدى؟
إذا كان الأمر كذلك، فنحن لا نتحدث عن ظاهرة أم درمانية أو خرطومية.
نحن أمام مؤسسة اجتماعية سودانية واسعة الانتشار، بأشكال مختلفة.
وهذا يحتاج إلى بحث آخر أكثر اتساعًا.

لماذا اختفى المقهى القديم؟

لا توجد إجابة واحدة.
تغيرت المدينة.
وتغيرت وسائل الإعلام.
وتغيرت أنماط العمل.
ظهرت الكافتيريات والمطاعم الحديثة.
تغيرت حركة المرور.
دخل التلفزيون إلى البيوت.
ثم دخل الهاتف.
ثم الإنترنت.
ثم وسائل التواصل الاجتماعي.
وأصبح الناس قادرين على الاجتماع والكلام دون أن يجلسوا في المكان نفسه.
لكن هناك فرقًا جوهريًا.
في المقهى القديم، كنت تجلس بجوار شخص لا تعرفه.
أما في العالم الرقمي، فإنك غالبًا تختار من تتحدث إليهم.
المقهى كان يفرض عليك مجاورة المختلف.
وهذه إحدى وظائف المدينة التي يصعب استعادتها عبر الشاشة.

المقهى الذي لم يعد موجودًا

لهذا فإن فقدان المقهى القديم ليس مجرد فقدان محل تجاري.
إنه فقدان إيقاع اجتماعي.
فقدان الجلسة الطويلة.
فقدان الشخص الذي يعرف الجميع.
فقدان الصحيفة المشتركة.
فقدان النقاش الذي يبدأ بالرياضة وينتهي بالسياسة.
فقدان الشاعر الذي يظهر بلا موعد.
فقدان العامل الذي ينتظر فرصة.
فقدان الغريب الذي يجد من يحدثه.
وفقدان المكان الذي لم يكن أحد يذهب إليه خصيصًا لصناعة التاريخ، لكنه كان يفعل ذلك من حيث لا يدري.

من المقهى إلى الشاشة

ربما لهذا تبدو المقاهي القديمة اليوم كأنها جزء من عالم انتهى.
لكنها في الحقيقة كانت إحدى حلقات انتقال السودان من مجتمع تقليدي إلى مجتمع مديني حديث.
السوق جمع الناس.
المقهى علّمهم الجلوس معًا.
الصحيفة علّمتهم قراءة الشأن العام.
المدرسة صنعت جيلًا جديدًا من المتعلمين.
ثم جاءت السينما لتجمعهم أمام الصورة.
ثم جاءت الإذاعة لتدخل إلى بيوتهم.
وبذلك يمكن أن نقرأ تاريخ السودان الحديث ليس فقط من خلال الحكومات والانقلابات والأحزاب، بل من خلال الأماكن التي تعلم فيها السودانيون كيف يكونون مجتمعًا عامًا.
ولهذا فإن المقهى يستحق مكانه في الذاكرة.
ليس لأنه كان يبيع القهوة.
بل لأنه كان يبيع، من دون أن يدري، شيئًا أكثر أهمية:
الوقت المشترك.

خاتمة: قبل أن تختفي الطاولة

ربما لن نستطيع إعادة المقاهي القديمة.
ولا ينبغي أن نحاول تحويلها إلى أسطورة.
فقد كانت لها حدودها، وكانت ذكورية في معظم صورها، وكانت الطبقات الاجتماعية حاضرة فيها، وكانت بعض رواياتها بحاجة إلى مزيد من الوثائق والتحقق.
لكنها كانت جزءًا حقيقيًا من المدينة.
وكانت، في لحظات كثيرة، أحد الأماكن التي التقى فيها السودان بنفسه.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تصبح أسماء مثل شديد، ود الأغا، جورج مشرقي، يوسف الفكي، الزيبق وأتني أكثر من مجرد أسماء تجارية في الذاكرة السودانية.
إنها أسماء أماكن.
والأماكن، أحيانًا، تحفظ من تاريخ الناس أكثر مما تحفظه الكتب.
لكن السؤال الذي يظل مفتوحًا هو:
ماذا حدث عندما لم يعد السودانيون يكتفون بالجلوس حول الطاولة، وأصبحوا يجلسون في قاعة مظلمة أمام شاشة تعرض لهم عالمًا آخر؟
هناك بدأت حكاية جديدة.
حكاية السينما.
وهذا هو السودان الذي لم يُكتب.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قبل أن تفتح الأرشيف... اسأل: لماذا أوثّق؟
- السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجو ...
- التوثيق ليس سردًا للماضي... بل إعادة إحياء له
- السودان الذي لم يُكتب (7) الصحيفة التي كانت تصنع شارعًا.. حي ...
- حين تصبح الشخصية جزءًا من حياتك
- السودان الذي لم يُكتب (6) بورتسودان.. المدينة التي وُلدت من ...
- الكتاب الذي لا يُكتب على عجل
- السودان الذي لم يُكتب (5) مشروع الجزيرة.. حين دخلت المياه إل ...
- حين تكتب عن إنسان... فأنت تكتب عن زمن كامل
- السودان الذي لم يُكتب (4) وادي حلفا.. المدينة التي غمرها الن ...
- السودان الذي لم يُكتب (3) عطبرة.. حين صنعت السكة الحديد مدين ...
- الحقيقة لا تنتظر الباحث... بل تختبئ عنه
- السودان الذي لم يُكتب (2) السوق الذي صنع المدينة.. حين لم يك ...
- لم يكن يبحث عن الشهرة... ولذلك كتبت عنه
- السودان الذي لم يُكتب (1) أم درمان التي صنعتها الحياة اليومي ...
- لماذا أكتب عن الذين لم يكتب عنهم أحد؟
- ليس البحث عن الإجابة... بل عن السؤال الصحيح
- لسنا بحاجة إلى مزيد من المؤرخين... بل إلى مزيد من الموثقين
- الولاء في القصر: من يحب الحاكم ومن يحتاج إليه؟
- الحاكم والحاشية: أخطر عدو هو الذي يبتسم لك


المزيد.....




- السفارة الروسية في كوبنهاغن تقدم مذكرة احتجاج للخارجية الدنم ...
- موسكو: -أساطير- التهديد الروسي المزعوم غطاء لزيادة الدعم الأ ...
- قبل هجوم 7 أكتوبر .. هل تجاهل نتنياهو تحذير محمد بن زايد؟
- بعد موافقة الرياض.. مشروع فضائي مصري سعودي ضخم يدخل مرحلة ال ...
- الخارجية الإماراتية تصدر بيانا ردا على تقارير إسرائيلية حول ...
- -عار عليك-.. وعد رئيسة المفوضية الأوروبية الجديد لزيلينسكي ي ...
- الجامعة العربية تصعد ضد الحوثيين.. ماذا قالت عن أمن السعودية ...
- لافروف: بوتين قبل مبادئ التسوية الأمريكية كما نقلها ويتكوف د ...
- الدفاع المدني السعودي يطلق الإنذار المبكر في 3 مناطق
- لافروف: أوروبا تفضح نفسها بالحديث عن حماية كييف لـ -القيم ال ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - السودان الذي لم يُكتب (9) المقهى السوداني.. حين أصبح الجلوس معًا جزءًا من الحياة العامة