|
|
سبتة: من محو أسماء الأمكنة إلى تغيير أسماء الأسر
محمد عبد المومن
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 00:15
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
مقدمة لا تنحصر وظيفة الاسم في تحديد الأشخاص والأمكنة وتمييزها، بل يتجاوز ذلك ليؤدي دورا أساسيا في حفظ الذاكرة الجماعية واستحضار مكونات الهوية التاريخية والاجتماعية للمجتمعات. فالاسم المكاني، بما يحمله من دلالات لغوية وتاريخية واجتماعية، يختزن جانبا من علاقة الإنسان بالمجال الذي عاش فيه واستقر به، في حين يشكل الاسم العائلي وعاء للذاكرة الأسرية، يحيل على النسب والأصل والانتماء ومسارات الاستقرار الاجتماعي. ومن ثم، فإن دراسة الأسماء لا تقتصر على بعدها اللغوي، وإنما تفتح مجالا لقراءة التحولات التي عرفتها المجتمعات والمجالات، ولا سيما في السياقات التي ارتبطت بتغيرات سياسية وإدارية ومجالية عميقة. وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في حالة مدينة سبتة ومجالها المحيط، بالنظر إلى ما عرفه هذا المجال من تحولات تاريخية متعاقبة أعادت تشكيل علاقاته السياسية والمجالية والديموغرافية. فقد ظل المجال المحيط بالمدينة يحمل، إلى جانب معالمه الطبيعية والعمرانية، شبكة من الأسماء ذات الأصول المغربية والعربية والمحلية، ارتبطت بالأودية والعيون والجبال والمداشر والمباني والأضرحة وغيرها من مكونات المجال. وتكشف الخريطة الطبوغرافية الإسبانية التي أنجزها القبطان إنريكي أمادو سالازار، على سبيل المثال، عن حضور لافت لهذه الأسماء ضمن التمثيل الكارتوغرافي الرسمي للمجال، بما يجعلها وثيقة ذات قيمة خاصة في دراسة الذاكرة الطوبونيمية المغربية في سبتة ومحيطها. غير أن حضور هذه الأسماء في الوثائق والخرائط لا يعني ثباتها واستمرارها؛ إذ تكشف مقارنة وضع عدد منها عن مسارات مختلفة تراوحت بين الاستمرار، والتحوير في الصياغة والنقل، ثم الاختفاء من التمثيل الكارتوغرافي أو من الاستعمال المتداول. ويطرح هذا التحول سؤالا يتجاوز مجرد تغير التسميات، ليتصل بطبيعة العلاقة بين الاسم والسلطة والذاكرة؛ ذلك أن الخريطة لا تكتفي بتصوير المجال، وإنما تسهم، من خلال اختيار الأسماء وتثبيتها أو تعديلها أو إسقاطها، في إنتاج صورة رسمية عنه وفي تحديد الأسماء التي تصبح جزءا من الذاكرة المكانية الموثقة. ولا يقتصر هذا التحول على أسماء الأمكنة، بل يمكن رصده، في سياق مختلف، على مستوى الأسماء العائلية لدى السكان المسلمين في سبتة. فالاسم العائلي لا يمثل مجرد وسيلة إدارية للتعريف بالفرد، وإنما يحمل في كثير من الحالات إشارات إلى الأصل والنسب والمجال الذي ارتبطت به الأسرة. ومن هنا تكتسب التحولات التي طرأت على بعض الألقاب العائلية، ولا سيما في سياق عمليات التسجيل والإدماج الإداري، أهمية تتجاوز بعدها القانوني والإجرائي، لتلامس مسألة استمرارية الذاكرة الأسرية والاجتماعية وقدرتها على الاحتفاظ بمؤشرات الأصل والانتماء. وانطلاقا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى مقاربة الاسم بوصفه مجالا للذاكرة، من خلال الجمع بين مستويين متمايزين ومتكاملين: أولهما يتمثل في الطوبونيمية المغربية التي حفظت أسماء المجال في سبتة ومحيطها، ثم تعرضت أجزاء منها للتحوير أو التراجع أو التغييب من التمثيل الرسمي؛ وثانيهما يتعلق بالأسماء العائلية وما يمكن أن تكشفه تحولاتها عن مسارات إعادة تنظيم الهوية الاجتماعية والإدارية للسكان. ولا يفترض المقال بالضرورة وجود آلية واحدة أو سياسة موحدة حكمت كلا المستويين، وإنما ينطلق من المقارنة بينهما للكشف عن أوجه التشابه والاختلاف في الآليات التي أسهمت في إعادة تشكيل حضور الاسم المغربي في المجال وفي السجل الإداري. وعليه، تتمحور إشكالية الدراسة حول السؤال الآتي: إلى أي حد يمكن قراءة التحولات التي عرفتها الطوبونيمية المغربية والأسماء العائلية في سبتة باعتبارها مظاهر لإعادة تشكيل الذاكرة المغربية، وما الأدوار التي اضطلعت بها الكارتوغرافيا والإدارة في هذا المسار؟ ويتفرع عن ذلك عدد من الأسئلة المرتبطة بكيفية انتقال الاسم المغربي من التداول المحلي إلى التمثيل الرسمي، وآليات تحويره أو تغييبه، ومدى انعكاس ذلك على استمرارية الذاكرة المكانية، ثم طبيعة التحولات التي مست الأسماء العائلية وعلاقتها بالانتماء والذاكرة الاجتماعية. وتعتمد الدراسة، في تناول هذه الإشكالية، على مقاربة تجمع بين التحليل الطوبونيمي والقراءة التاريخية للكارتوغرافيا وتحليل الأسماء العائلية، مع الاستفادة من الخرائط والوثائق التاريخية، إلى جانب الذاكرة المحلية، بما يسمح بالتمييز بين اختفاء الاسم من الوثيقة الرسمية وبين اختفائه الفعلي من التداول الاجتماعي. وبذلك يصبح الاسم مدخلا لقراءة أوسع لتحولات المجال والمجتمع في سبتة، ليس باعتباره مجرد تسمية، وإنما بوصفه أثرا من آثار الوجود التاريخي ووسيلة من وسائل حفظ الذاكرة وإعادة إنتاجها. أولا: الاسم بوصفه ذاكرة: الطوبونيمية والأسماء العائلية في سبتة لا تمثل أسماء الأماكن مجرد علامات وظيفية تستعمل لتحديد المواقع وتمييزها، وإنما تشكل طبقة من طبقات الذاكرة التاريخية للمجال، إذ تختزن في بنيتها اللغوية دلالات متعددة تحيل إلى طبيعة المكان، أو إلى الأشخاص والجماعات التي ارتبطت به، أو إلى أنشطة وممارسات اجتماعية واقتصادية ودينية وعسكرية عرفها عبر الزمن. ومن هذا المنظور، تكتسب الطوبونيمية أهمية خاصة بالنسبة إلى دراسة المجالات التي عرفت تحولات سياسية ومجالية متعاقبة، لأنها تتيح تتبع آثار الجماعات البشرية التي أسهمت في تشكيل المجال حتى بعد تغير الأوضاع السياسية والإدارية التي حكمته. وتقدم سبتة ومحيطها نموذجا دالا في هذا السياق؛ فقد احتفظ المجال المحيط بالمدينة، إلى حدود أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بشبكة واسعة من التسميات ذات الأصول العربية والمغربية والمحلية. وتكشف خريطة سالازار الطبوغرافية عن حضور مجموعة من هذه الأسماء، من قبيل عين الشرفا، عين الحوش، واد الطلبة، واد أويات، ظهر البراح، ظهر سيدي إبراهيم، سيدي امبارك، سيدي حجاج، سيدي برياش، قصبة أفراك، دار البارود، دار البيضا، دار القايد علي، وفندق الشاعر.... ولا تبدو هذه الأسماء في الخريطة باعتبارها ألفاظا معزولة، وإنما باعتبارها مؤشرات مرتبطة ببنية المجال ومكوناته الطبيعية والبشرية والتاريخية. وتكشف القراءة الدلالية لهذه التسميات عن تنوع واضح في مصادر التسمية؛ فبعضها يرتبط بالمكونات الطبيعية للمجال، مثل العين والوادي والظهر والكدية والجبل، بينما يحيل بعضها الآخر إلى أشخاص أو شخصيات ذات حضور في الذاكرة المحلية، كما هو الشأن بالنسبة إلى الأسماء التي تتضمن لفظ سيدي، في حين ترتبط أسماء أخرى بالسكن أو النشاط البشري أو الوظائف العسكرية، مثل دار البارود وقصبة أفراك وكدية المدفع. وبذلك يمكن النظر إلى الطوبونيمية المحلية باعتبارها نوعا من الأرشيف المكاني الذي يسمح بإعادة بناء جوانب من تاريخ المجال حتى عندما تتعرض بعض معالمه المادية للزوال. وتبرز أهمية هذا المعطى بصورة أكبر عندما نضعه في سياق الخريطة الطوبوغرافية إذ إن تسجيل هذه الأسماء داخل وثيقة كارتوغرافية رسمية يدل على أن جزءا من الذاكرة المحلية المغربية انتقل، ولو بصيغ صوتية وكتابية محورة أحيانا، إلى التمثيل الكارتوغرافي الإسباني. فالاسم المحلي لم ينتقل دائما كما كان متداولا شفهيا، وإنما خضع في عدد من الحالات لعملية نقل صوتي وكتابي وفق قواعد الكتابة الإسبانية، وغيرها من الصيغ التي تكشف عن التفاعل بين الاسم المحلي ونظام الكتابة الكارتوغرافي الإسباني. ومن ثم، فإن الخريطة لا تقدم لنا الاسم المحلي في صورته "الأصلية" بالضرورة، وإنما تقدم أثره كما جرى التقاطه وتثبيته داخل نظام تمثيل أجنبي. ومن هنا تبرز مسألة منهجية أساسية: ينبغي التمييز بين الاسم المحلي بوصفه عنصرا من الذاكرة الشفوية، وبين الصيغة التي اتخذها الاسم داخل الوثيقة الكارتوغرافية. فاختلاف الصياغة لا يعني بالضرورة اختلاف الاسم أو انقطاع صلته بأصله المحلي، وإنما قد يكون نتيجة للنقل الصوتي أو التكيف الإملائي مع اللغة الإسبانية. ولذلك فإن قراءة الخريطة تقتضي استعادة الصيغة المحلية المحتملة ومقارنتها بالصورة التي سجلها رسامو الخرائط، بما يسمح بفهم الكيفية التي انتقلت بها الذاكرة الطوبونيمية المغربية من التداول المحلي إلى الوثيقة الرسمية. إذا كانت الطوبونيمية تحتفظ بذاكرة الإنسان في علاقته بالمجال، فإن الاسم العائلي يؤدي وظيفة موازية على المستوى الاجتماعي؛ فهو يحمل في كثير من الحالات آثار النسب والأصل ومجال الاستقرار والروابط العائلية، وقد يحيل بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تاريخ الأسرة ومسارها داخل المجال. ومن ثم، فإن الاسم العائلي لا يمكن اختزاله في وظيفته الإدارية المتمثلة في تعريف الفرد، لأنه يمثل أيضا أحد العناصر التي تنتقل من خلالها الذاكرة الأسرية من جيل إلى آخر. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في حالة مسلمي سبتة، حيث ارتبطت بعض الألقاب والأنساب بذاكرة محلية مغربية وبأصول اجتماعية ومجالية متعددة. وتورد المادة التي يعتمد عليها البحث أن عمليات التسجيل والإدماج الإداري التي عرفها السكان خلال القرن العشرين أسهمت، في بعض الحالات، في فقدان أو تغيير صيغ بعض الأسماء العائلية الأصلية، ولا سيما في سياق تسوية الوضعية القانونية والإدارية خلال ثمانينيات القرن العشرين. وتكمن أهمية هذه التحولات في أن تغيير الاسم لا يمس بالضرورة الصيغة اللغوية وحدها، بل يمكن أن يؤدي إلى إضعاف بعض الروابط التي يحملها الاسم مع النسب والأصل والذاكرة الأسرية. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الاسم العائلي باعتباره ذاكرة اجتماعية موازية للذاكرة الطوبونيمية. فالطوبونيمية تخبرنا بمن عاش في المكان وكيف جرى إدراكه وتسميته، بينما يكشف اللقب العائلي عن بعض الشبكات الاجتماعية والأسرية التي تشكلت داخله. وكلاهما يحتفظ، بدرجات مختلفة، بأثر الماضي داخل الحاضر: الأول على سطح المجال، والثاني داخل البنية الاجتماعية. وهنا تبرز أهمية المقارنة بين المستويين. فإذا كان تغييب اسم مكان مغربي من الخريطة يحرم المجال من إحدى العلامات التي تحيل إلى تاريخه المحلي، فإن تغيير اسم عائلي أو فقدانه يمكن أن يؤدي، على المستوى الاجتماعي، إلى إضعاف إحدى العلامات التي تحفظ ذاكرة الأسرة وأصلها. وبذلك يصبح الاسم وحدة مشتركة بين جغرافية الذاكرة وذاكرة المجتمع، وإن اختلفت الآليات والظروف التي تحكمت في تحول كل منهما. يكشف الجمع بين الطوبونيمية والأسماء العائلية عن مسألة أوسع تتعلق بالانتقال من الاسم المتداول اجتماعيا إلى الاسم المثبت رسميا ففي الحالة الأولى تتدخل الخريطة في اختيار الأسماء وتثبيتها ونقلها إلى نظام كارتوغرافي محدد، بينما تتدخل الإدارة في الحالة الثانية في تسجيل الأفراد وتعريفهم داخل نظام قانوني ومدني. وفي الحالتين لا يكون الاسم مجرد معطى لغوي، بل يصبح جزءا من عملية إنتاج المعرفة الرسمية بالمجال والسكان. ومن هنا يمكن صياغة الفكرة المركزية لهذا المحور في العبارة الآتية: إذا كانت الخريطة تحدد كيف يسمى المكان، فإن الإدارة تحدد كيف يسجل الشخص. غير أن التشابه بين الحالتين ينبغي ألا يقود إلى افتراض تطابق آلياتهما؛ فالتحولات التي عرفتها الطوبونيمية ارتبطت بسياق كارتوغرافي ومجالي، بينما ارتبطت تحولات الأسماء العائلية بالسياق الإداري والقانوني والاجتماعي. وتتمثل أهمية المقارنة إذن في الكشف عن النتيجة المحتملة لهذه التحولات في افتراض وجود سياسة واحدة حكمتها جميعا. وعليه، فإن دراسة الاسم في سبتة تتيح الانتقال من مجرد رصد الاختلافات في التسميات إلى مساءلة العلاقة بين الاسم والسلطة والمجال والذاكرة والهوية. فالاسم الذي يثبت على الخريطة، والاسم الذي يسجل في الوثيقة الإدارية، كلاهما يساهم في تحديد الصورة الرسمية التي يعرف بها المكان وسكانه، بينما يمكن أن يؤدي غياب الاسم المحلي أو تحويره أو استبداله إلى إعادة تشكيل جزء من الذاكرة التي يحملها المجال والمجتمع. ثانيا: من الحضور إلى التغييب: آليات تحوير واختفاء الأسماء المغربية في سبتة يكشف تتبع الأسماء المغربية الواردة في الخرائط التي تمثل مجال سبتة ومحيطها عن مسار تاريخي لم يكن خطيا، إذ انتقلت بعض التسميات من وضع الحضور والتداول المحلي إلى وضع التثبيت الكارتوغرافي، قبل أن تتعرض لاحقا للتحوير أو التراجع أو الاختفاء من التمثيل الرسمي. وتكتسي هذه العملية أهمية خاصة لأنها تكشف أن تحول الطوبونيمية لا يرتبط فقط بالتغير اللغوي الطبيعي، وإنما يتصل كذلك بالأنظمة التي تتولى إنتاج المعرفة بالمجال وتسجيل أسمائه وتداولها. ومن ثم، فإن الانتقال من الاسم المحلي إلى الاسم المثبت في الخريطة يمثل لحظة أساسية في تاريخ الطوبونيمية، لأنه يحوله من تسمية متداولة داخل المجتمع إلى تسمية تدخل ضمن نظام رسمي للتمثيل المجالي. وتمثل الخريطة الطبوغرافية المنجزة من طرف سالازار خلال ستينيات القرن التاسع عشر مصدرا أساسيا لإثبات حضور عدد كبير من الأسماء المغربية في المجال المحيط بسبتة. فقد سجلت الخريطة أسماء ذات دلالات طبيعية وبشرية وتاريخية ودينية متعددة، من بينها عين الشرفا، عين الحوش، واد الطلبة، واد أويات، سيدي امبارك، سيدي حجاج، سيدي إبراهيم، دار البارود، دار البيضا، دار القايد علي، كدية المدفع، وفندق الشاعر وغيرها. ويكشف هذا التنوع أن الطوبونيمية المغربية لم تكن ظاهرة هامشية أو مقتصرة على نوع واحد من المعالم، وإنما كانت ممتدة إلى مختلف مكونات المجال. وتنبع أهمية هذه الخريطة من كونها توثق مرحلة كان فيها الاسم المغربي قادرا على الانتقال من التداول المحلي إلى الوثيقة الكارتوغرافية الرسمية. غير أن هذا الحضور لم يكن بالضرورة نقلا حرفيا للأسماء المتداولة؛ فالخريطة سجلت عددا منها بصيغ لاتينية تخضع لقواعد الكتابة الإسبانية، وغيرها من الصيغ التي تعكس عملية نقل صوتي للاسم المحلي إلى نظام كتابي مختلف. ومن ثم، فإن حضور الاسم في الخريطة لا يعني احتفاظه بصيغته الأصلية، وإنما يكشف عن مرحلة أولى من إعادة صياغته داخل النظام الكارتوغرافي الإسباني. وهنا ينبغي التمييز بين مستويين وجود الاسم المحلي من جهة، والصيغة التي اختارها الجهاز الكارتوغرافي لتسجيله من جهة أخرى. فالتحوير الإملائي أو الصوتي قد لا يعني في حد ذاته إلغاء الاسم، لكنه يمثل انتقالا من المجال الشفهي والمحلي إلى مجال كتابي رسمي تحكمه قواعد لغة أخرى. وبذلك يمكن اعتبار الخريطة فضاء للتفاوض بين الاسم المحلي ونظام التمثيل الإسباني، قبل أن تصبح لاحقا إحدى الآليات التي تحدد الأسماء القابلة للاستمرار داخل الذاكرة الكارتوغرافية. إذا كان تسجيل الاسم المحلي في الخريطة يمثل مرحلة من مراحل حفظ الذاكرة الطوبونيمية، فإن تتبع وضع هذه الأسماء لاحقا يكشف عن تفاوت كبير في مصائرها. فقد استمرت بعض التسميات في الاستعمال، بينما تعرضت أخرى للتحوير، في حين اختفت أسماء أخرى من التمثيل الكارتوغرافي أو تراجعت من التداول. وتشير المعطيات الواردة في الدراسة إلى استمرار بعض الأسماء، مثل سيدي امبارك وخادو وواد أويات، مقابل اختفاء أو تراجع أسماء أخرى، من بينها دار البارود، دار البيضا، دار قريرة، دار القايد علي، الدار المزيانة، كدية المدفع وفندق الشاعر... ولا ينبغي فهم هذا الاختفاء باعتباره دليلا آليا على زوال الاسم من الذاكرة الاجتماعية في اللحظة نفسها؛ فالاسم قد يختفي من الخريطة بينما يستمر في الذاكرة الشفوية أو في الاستعمال المحلي، كما أن العكس ممكن أيضا. ولذلك فإن مفهوم التغييب هنا ينبغي أن يحيل، قبل كل شيء، إلى تراجع حضور الاسم في التمثيل الرسمي للمجال، وليس بالضرورة إلى محوه الكامل من الذاكرة الجماعية. تكشف هذه التحولات عن الدور الذي يمكن أن تؤديه الكارتوغرافيا في إنتاج صورة المجال وليس مجرد وصفه. فالخريطة حين تختار اسما وتثبته، أو تغير صيغته، أو تستبدله، أو تتوقف عن إدراجه، فإنها لا تتعامل مع الاسم باعتباره عنصرا محايدا؛ بل تسهم في تحديد الأسماء التي تصبح مرئية وقابلة للتداول ضمن التمثيل الرسمي للمجال. وتزداد أهمية هذه الملاحظة في حالة سبتة، حيث تحمل الأسماء المغربية دلالات تتجاوز الوظيفة الجغرافية إلى استحضار تاريخ الاستقرار والعلاقات الاجتماعية والدينية والاقتصادية التي تشكلت في المجال. ولذلك فإن تراجع حضور هذه الأسماء في الخرائط اللاحقة لا يعني بالضرورة اختفاء تاريخها، لكنه يؤدي إلى إضعاف حضورها في الذاكرة المكانية الرسمية، خصوصا عندما تحل محلها تسميات أخرى أو عندما تتوقف الخرائط عن تسجيلها. ومن هنا يمكن القول إن الخريطة تعمل في اتجاهين متعارضين: فهي من جهة تحفظ الذاكرة عندما تثبت الاسم المحلي وتمنحه حضورا وثائقيا، لكنها من جهة أخرى قد تسهم في إعادة تشكيل هذه الذاكرة عندما تعيد صياغة الاسم أو تستبدله أو تسقطه. وهذا ما يجعل الخريطة الطبوغرافية ذات أهمية استثنائية؛ فهي لا تقدم فقط قائمة من الأسماء المغربية، وإنما تحفظ لنا صورة عن مرحلة تاريخية كان فيها هذا المعجم الطوبونيمي حاضرا في المجال وفي الوثيقة الكارتوغرافية معا. يكتسب مفهوم التغييب دلالة أوسع عندما نضع التحولات الطوبونيمية في علاقتها بالأسماء العائلية التي سنتناولها لاحقا. ففي الحالتين يتعلق الأمر باسم يحمل ذاكرة سابقة، غير أن المجال الذي يتحرك فيه الاسم مختلف: فالطوبونيم يرتبط بالمكان، بينما يرتبط اللقب العائلي بالشخص والأسرة. وبذلك يمكن الانتقال من سؤال: كيف تغيرت أسماء الأماكن؟ إلى سؤال أكثر اتساعا: ماذا يحدث للذاكرة عندما تتغير الأسماء التي تحملها؟ فالاسم المكاني الذي يختفي من الخريطة يفقد جزءا من حضوره في التمثيل الرسمي للمجال، كما أن الاسم العائلي الذي يتغير في السجل الإداري قد يفقد بعض دلالاته المرتبطة بالنسب والأصل والذاكرة الأسرية. ولا يعني ذلك أن الآليتين متماثلتان، وإنما أن المقارنة بينهما تسمح بفهم أوسع لـ سياسة الاسم باعتبارها أحد المداخل التي يمكن من خلالها دراسة علاقة السلطة بالذاكرة والهوية. وهكذا، فإن مسار الأسماء المغربية في سبتة لا يمكن اختزاله في ثنائية بسيطة قوامها «وجود» و«غياب»، وإنما يتخذ أشكالا متعددة تبدأ من الحضور، مرورا بالنقل والتحوير، وصولا إلى التراجع أو الاختفاء من السجل الرسمي. وتسمح هذه المستويات بفهم أكثر تركيبا للتحولات التي عرفتها الذاكرة المكانية، كما تمهد للانتقال إلى المستوى الآخر من الدراسة، أي الاسم العائلي باعتباره حاملا للذاكرة الاجتماعية والأسرية. ثالثا: الاسم العائلي بين التسجيل الإداري والذاكرة المغربية في سبتة إذا كان الاسم المكاني يمثل إحدى أهم العلامات التي تحفظ ذاكرة الإنسان في المجال، فإن الاسم العائلي يؤدي وظيفة مماثلة على مستوى الذاكرة الاجتماعية، إذ يحمل في بنيته آثار النسب والأصل والانتماء، ويشكل وسيلة لانتقال الذاكرة الأسرية من جيل إلى آخر. ومن ثم، فإن التحولات التي تطال الأسماء العائلية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد تغيرات في صيغ التعريف الإداري بالأفراد، وإنما يمكن أن يكون لها أثر مباشر في علاقة الفرد بماضي أسرته وبالرموز التي تحيل إلى أصولها ومجال استقرارها. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في حالة مسلمي سبتة، بالنظر إلى خصوصية وضعهم التاريخي والقانوني، وإلى التحولات التي عرفتها المدينة خلال القرن العشرين، والتي رافقها انتقال تدريجي من أنماط التعريف الاجتماعي والمحلي إلى أنظمة أكثر انتظاما في التسجيل المدني والإداري. وفي هذا السياق، أصبح الاسم العائلي جزءا من عملية أوسع لإعادة تعريف الفرد داخل المؤسسات الرسمية، بما جعل السجل الإداري أحد المجالات التي يمكن من خلالها تتبع التحولات التي مست الأسماء والأنساب والذاكرة الاجتماعية. ارتبطت الأسماء العائلية، في السياقات المحلية المغربية، بوظائف متعددة تتجاوز مجرد التعريف بالفرد. فقد تحيل إلى النسب العائلي، أو إلى مكان الأصل والاستقرار، أو إلى الانتماء القبلي والمجالي، كما قد ترتبط بمهنة أو صفة أو شخصية دينية أو اجتماعية. ولذلك فإن اللقب يمكن أن يمثل، في حد ذاته، مصدرا تاريخيا يسمح بقراءة جانب من تاريخ الجماعات والأسر ومسارات استقرارها.
ومن هذه الزاوية، فإن إدخال الاسم في منظومة التسجيل المدني لا يمثل مجرد إجراء تقني، بل يعني انتقاله من فضاء التداول الاجتماعي إلى فضاء الوثيقة الرسمية. وفي هذه اللحظة قد تحدث تحولات في الصيغة أو في طريقة تثبيت الاسم، خصوصا عندما تتباين قواعد التسجيل الإداري مع أنماط التسمية المحلية. وهنا يصبح السجل الإداري، مثل الخريطة في حالة أسماء الأماكن، أداة لتثبيت صورة معينة للاسم وإضفاء صفة رسمية عليها. تفيد المعطيات بأن مرحلة تسوية الوضعية القانونية والإدارية لبعض السكان المسلمين في سبتة خلال ثمانينيات القرن العشرين ارتبطت، بحسب ما يورده المصدر، بتحولات مست بعض الأسماء العائلية الأصلية؛ إذ تشير المادة إلى حالات جرى فيها اعتماد أسماء الآباء أو الأجداد بدلا من بعض الألقاب التي كانت متداولة سابقا، وهو ما أدى، في بعض الحالات، إلى فقدان الصيغة الأصلية للاسم العائلي أو تراجع حضورها في الوثائق الرسمية. وتكتسب هذه المعطيات أهميتها من كونها تكشف عن الفرق بين الاسم بوصفه معطى اجتماعيا متوارثا والاسم بوصفه معطى إداريا مثبتا في الوثيقة. فقد يستمر الاسم في الذاكرة الأسرية أو في التداول الشفهي، في حين تتخذ الوثائق الرسمية صيغة مختلفة؛ وبذلك ينشأ نوع من الازدواجية بين الاسم الذي تتذكره الأسرة والاسم الذي تعترف به الإدارة. وهذه الملاحظة مهمة منهجيا، لأنها تمنعنا من مساواة التغيير الإداري للاسم بـ اختفاء الاسم من الذاكرة. فقد يكون الاسم قد فقد حضوره في الوثيقة الرسمية، لكنه استمر داخل الأسرة، أو ظل معروفا لدى كبار السن، أو احتفظت به الذاكرة المحلية. ومن ثم، فإن دراسة هذه الظاهرة تقتضي الجمع بين الوثيقة الإدارية والرواية الشفوية والمصادر العائلية كلما أمكن ذلك. تكمن الأهمية التاريخية للاسم العائلي في أنه يسمح بربط الفرد بسلسلة من الأجيال السابقة. وعندما يتغير هذا الاسم أو يستبدل باسم آخر، فإن التحول لا يمس الفرد المعني وحده، بل قد يؤثر في إمكانية تتبع الروابط العائلية عبر الوثائق. فكلما أصبح الاسم الجديد هو الصيغة الوحيدة المعترف بها إداريا، ازدادت صعوبة استعادة بعض الصلات التي كان الاسم القديم يحيل إليها، خصوصا بالنسبة إلى الأجيال اللاحقة التي لم تعاصر مرحلة التغيير. ومن هنا يمكن الحديث عن انقطاع جزئي في الذاكرة الاسمية؛ أي ذلك الوضع الذي تصبح فيه العلاقة بين الاسم الحالي والتاريخ العائلي أقل وضوحا، ليس لأن الماضي اختفى بالضرورة، وإنما لأن إحدى أهم الوسائط التي كانت تسمح باستحضاره ــ أي الاسم ــ تعرضت للتغيير. وهذا يكتسب بعدا أكبر عندما يكون اللقب مرتبطا بأصل جغرافي أو قبلي أو عائلي. فالاسم الذي يحيل إلى جماعة أو مجال معين لا يحمل تعريفا فرديا فقط، وإنما يختزن جزءا من تاريخ الانتساب. ولذلك فإن فقدان هذه الدلالة يمكن أن يؤدي إلى إضعاف بعض عناصر الذاكرة الجماعية المرتبطة بالأسرة. يظهر هذا المسار أن الاسم العائلي يوجد عند تقاطع ثلاثة مستويات: الفرد، والأسرة، والإدارة. فهو بالنسبة إلى الفرد وسيلة للتعريف، وبالنسبة إلى الأسرة حامل للذاكرة والنسب، وبالنسبة إلى الإدارة أداة للتصنيف والتسجيل القانوني. ولذلك فإن أي تحول في الاسم داخل السجل الرسمي يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز الجانب الإداري إلى المجال الاجتماعي والرمزي. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم النقاش الذي ظهر في سبتة حول استعادة بعض الألقاب العائلية الأصلية باعتباره مؤشرا على استمرار الاسم داخل الذاكرة الاجتماعية حتى بعد تراجع حضوره في بعض الوثائق. فالمطالبة باستعادة الاسم لا تتعلق بالصيغة اللغوية وحدها، وإنما يمكن أن تعبر عن رغبة في استعادة جزء من السلسلة التاريخية التي يمثلها الاسم وربط الحاضر بالماضي العائلي. وجود نقاش حديث حول آليات استعادة بعض الألقاب الأصلية، وهو معطى ينبغي عند صياغته النهائية في المقال تدعيمه بمصادر قانونية وإخبارية مباشرة، خصوصا ما يتعلق بالتطورات التي تعود إلى سنة 2026. يتيح لنا هذا المحور العودة إلى الفكرة المركزية للمقال. فالطوبونيمية والاسم العائلي ينتميان إلى مجالين مختلفين، لكنهما يشتركان في وظيفة أساسية تتمثل في حفظ آثار الماضي داخل الحاضر. فالاسم المكاني يقول شيئا عن المجال ومن عاش فيه وكيف أدركه وسماه، بينما يقول الاسم العائلي شيئا عن الأشخاص والأسر وعلاقات النسب والانتماء. وإذا كان تغييب الطوبونيمية من الخريطة يقلل من حضوره في الذاكرة المكانية الرسمية، فإن فقدان اللقب العائلي من السجل قد يضعف حضور بعض عناصر الذاكرة الأسرية في الوثائق الرسمية. وبذلك يمكن صياغة العلاقة بين المستويين في المعادلة الآتية: الطوبونيمية = ذاكرة المكان اللقب العائلي = ذاكرة المجتمع الخريطة = سجل رسمي للمكان السجل المدني = سجل رسمي للسكان لكن المقارنة لا تعني أن الآليتين متماثلتان؛ فالتغييرات التي مست الطوبونيمية تمت عبر مسارات كارتوغرافية ومجالية، في حين ارتبطت الأسماء العائلية بمسارات إدارية وقانونية. وتكمن قيمة الجمع بينهما في أن كليهما يكشف، من زاوية مختلفة، عن كيفية انتقال الاسم من الذاكرة المحلية إلى التمثيل الرسمي، وعن الآثار التي يمكن أن تترتب على تغيير هذا الاسم أو تحويره أو إسقاطه. وهنا تظهر إحدى أهم خلاصات المقال: لا تختفي الذاكرة بالضرورة عندما يختفي الاسم من الوثيقة، لكنها تصبح أقل ظهورا وأشد اعتمادا على الذاكرة الشفوية والعائلية لاستعادتها. ومن ثم، فإن دراسة الأسماء في سبتة لا ينبغي أن تقتصر على رصد ما اختفى، بل عليها أيضا أن تبحث فما بقي، وأين بقي، وكيف استمر، ومن حمله إلى الأجيال اللاحقة. رابعا: الاسم والسلطة: الكارتوغرافيا والإدارة وإعادة تشكيل الذاكرة المغربية في سبتة تكشف دراسة التحولات التي مست الأسماء المكانية والعائلية في سبتة عن أن الاسم يوجد في نقطة تقاطع بين المجال والسلطة والذاكرة والهوية. فالاسم، سواء تعلق بمكان أو بشخص، لا يكتسب أهميته من وظيفته التعريفية وحدها، وإنما من كونه وسيلة لتثبيت حضور تاريخي واجتماعي داخل منظومة معينة من التمثيل. ولذلك فإن انتقال الاسم من التداول المحلي إلى الوثيقة الرسمية، سواء كانت خريطة أو سجلا مدنيا، يمثل انتقالا من مجال الذاكرة الاجتماعية إلى مجال الاعتراف الإداري والمؤسساتي. تظهر المقارنة بين الطوبونيمية والأسماء العائلية أن لكل منهما مجالا مؤسساتيا مختلفا لتثبيت الاسم. فالخريطة تتولى تسجيل المكان وتسميته وتمثيله، بينما يتولى السجل المدني تسجيل الشخص وتعريفه قانونيا. وفي الحالتين، ينتقل الاسم من فضاء التداول الاجتماعي إلى فضاء الوثيقة الرسمية، حيث يصبح أكثر قابلية للاستمرار والتداول، لكنه يصبح في الوقت نفسه خاضعا لقواعد المؤسسة التي تقوم بتسجيله. وتكشف خريطة سالازر بوضوح عن هذه المفارقة، فقد احتفظت بعدد كبير من الأسماء ذات الأصول المحلية والعربية، لكنها سجلتها في صيغ إسبانية خضعت للنقل الصوتي والتكييف الإملائي. وبالتالي، فإن الكارتوغرافيا لم تمح الاسم المحلي منذ البداية، وإنما استوعبته داخل نظام جديد للكتابة والتمثيل. وتبرز أهمية هذه الملاحظة في أن التحوير يمثل أحيانا مرحلة وسيطة بين حضور الاسم المحلي وبين تراجعه أو اختفائه لاحقا. أما على مستوى الأسماء العائلية، فتقدم المادة المتعلقة بمسار التسجيل والتجنيس خلال ثمانينيات القرن العشرين صورة مختلفة من حيث الآلية، لكنها متقاربة من حيث أثرها على الاسم؛ إذ تشير إلى حالات فقدت فيها أسر ألقابها الأصلية أثناء التسجيل المدني، واعتمدت بدلا منها أسماء الآباء أو الأجداد بوصفها ألقابا رسمية. أدى ذلك إلى ظهور فجوة بين الأسماء المتداولة داخل بعض الأسر والأسماء المثبتة في الوثائق الرسمية. تكمن أهمية المقارنة بين الحالتين في أن الكارتوغرافيا والإدارة تؤديان وظيفتين متوازيتين في إنتاج المعرفة الرسمية: الخريطة تعرف المكان من خلال اسمه، والسجل المدني يعرف الشخص من خلال اسمه. ومن هنا يمكن صياغة إحدى الأفكار المركزية للمقال: إذا كانت الخريطة تحدد كيف يسمى المكان، فإن الإدارة تحدد كيف يسجل الشخص. غير أن هذه المقارنة لا تعني أن الآليتين متماثلتان أو أنهما نتاج سياسة واحدة بالضرورة. فالتغير في الطوبونيمية ارتبط بإعادة تمثيل المجال وبالتحولات الكارتوغرافية، في حين ارتبط تغير الأسماء العائلية بإجراءات التسجيل المدني والتجنيس والإدماج القانوني. لكن النتيجة المشتركة المحتملة تتمثل في انتقال الاسم من مرجعية محلية ذات حمولة تاريخية إلى صيغة تحددها المؤسسة الرسمية. وبهذا المعنى، فإن السلطة لا تتحكم في المجال من خلال الحدود والمنشآت والإدارة فحسب، وإنما تمارس جانبا من سلطتها من خلال تنظيم اللغة التي يعرف بها المجال والسكان. فالاسم يصبح بذلك جزءا من عملية أوسع لإنتاج التصنيف الرسمي للمكان والإنسان. تكتسب هذه المسألة أهميتها بصورة أكبر عند النظر إلى مصير الأسماء المغربية التي وثقتها خريطة سالازار. فقد أظهر تحليل المعجم الطوبونيمي أن بعض الأسماء استمر، مثل سيدي امبارك وخادو وواد أويات، في حين تعرضت أسماء أخرى للتحوير أو لم تعد متداولة، ومن بينها دار البارود، دار البيضا، دار قريرة، دار القايد علي، دار المزيانة، كدية المدفع وفندق الشاعر. وتؤكد المقارنة مع خريطة 1932 أن عددا مهما من الأسماء المغربية التي كانت حاضرة في خريطة سالازار لم تعد يظهر فيها، وهو ما يكشف عن تحول في التمثيل الرسمي للمجال. ويظل من الضروري، منهجيا، ألا نفسر هذا الاختفاء باعتباره دليلا قطعيا على محو الاسم من الذاكرة المحلية؛ فالاختفاء من الخريطة قد يسبق اختفاء الاسم من التداول الاجتماعي أو قد يحدث دون أن يؤدي إليه. ولذلك فإن الأدق هو الحديث عن تغييب كارتوغرافي أو تراجع في الحضور الرسمي للاسم، ما لم تؤكد المصادر الميدانية أو التاريخية اندثاره اجتماعيا. وهنا تتحول الخريطة من مجرد أداة لتحديد المواقع إلى وثيقة تكشف عن ما اختارت المؤسسة الكارتوغرافية أن تراه وتثبته وما لم تعد تراه أو تثبته. ومن ثم، فإن دراسة الخرائط المتعاقبة تسمح ليس فقط بتتبع تغير المجال، وإنما كذلك بتتبع تغير الذاكرة التي يجري تمثيلها رسميا. لا تسير الذاكرة الرسمية والذاكرة الاجتماعية بالضرورة في الاتجاه نفسه. فقد يختفي الاسم من الوثيقة بينما يظل حاضرا في الذاكرة المحلية، كما يمكن أن يستمر الاسم العائلي داخل الأسرة رغم تغير الصيغة المعتمدة في الوثائق الرسمية. وهذه الثنائية مهمة جدا في حالة سبتة، لأنها تجعل من الذاكرة الشفوية والعائلية مصدرا مكملا للوثيقة الكارتوغرافية والإدارية. وقد استفادت الدراسة الأصلية بالفعل من الذاكرة المحلية في تفسير عدد من المواضع وضبط مواقعها، بما يؤكد أن الوثيقة الرسمية لا تستنفد تاريخ الاسم. ومن ثم، فإن تغييب الاسم لا يعني بالضرورة القضاء على الذاكرة التي يحملها؛ فقد تنتقل هذه الذاكرة من الخريطة أو السجل إلى الأسرة والرواية الشفوية. وهنا تظهر المفارقة: قد يغيب الاسم من الوثيقة، لكنه يستمر في الذاكرة؛ وقد تستعيد الذاكرة الاسم بعد عقود من غيابه عن التمثيل الرسمي. وتتضح هذه الدينامية أيضا في قضية الألقاب العائلية، حيث لم يؤد فقدان بعض الأسماء في الوثائق إلى اختفائها الكامل من الذاكرة الأسرية، بل أصبح استرجاعها لاحقا جزءا من نقاش حقوقي وسياسي يتعلق بالاعتراف بالتاريخ العائلي والهوية.إن انتقال القضية من المجال العائلي إلى المجال السياسي، مع ظهور مطالب بإعادة الألقاب الأصلية عبر آليات قانونية خاصة. إذا كان التغييب يمثل أحد أوجه علاقة السلطة بالاسم، فإن الاستعادة تمثل الوجه المقابل لهذه العلاقة. فالجهود الرامية إلى استعادة اسم مكان قديم، أو لقب عائلي فقد حضوره الرسمي، لا تعبر فقط عن الرغبة في العودة إلى صيغة لغوية سابقة، وإنما يمكن أن تعكس رغبة في استعادة علاقة معينة بالماضي. وفي هذا السياق، يصبح استرجاع الاسم فعلا من أفعال إعادة بناء الذاكرة. فاستعادة الطوبونيمية المغربي تعيد إلى المجال علامة من علامات تاريخه المحلي، بينما تعيد استعادة اللقب العائلي إلى الأسرة جزءا من سلسلة نسبها وذاكرتها. ولذلك فإن الصراع حول الاسم لا يدور فقط حول ماذا نسمي المكان أو الشخص؟ وإنما حول سؤال أعمق: أي ماض نريد أن يظل حاضرا في تعريف المكان والمجتمع؟ وهذه الفكرة تجد ما يسندها في الجزء المتعلق بالأسماء العائلية، إن النقاش حول استعادة الألقاب الأصلية لا يتعلق بمجرد تصحيح بيانات في الوثائق، بل بمحاولة إعادة وصل الأفراد بتاريخهم العائلي والجماعي، وبالاعتراف بالحقوق الثقافية والرمزية المرتبطة بالهوية. تسمح المقارنة بين الطوبونيمية والأسماء العائلية، في النهاية، بالنظر إلى سبتة باعتبارها مجالا تتقاطع فيه الذاكرة المحلية مع أنظمة التمثيل الرسمية. فالاسم المكاني يحمل آثار الجماعات التي شكلت المجال، والاسم العائلي يحمل آثار الأسر التي استقرت فيه، بينما تعمل المؤسسات الحديثة على إعادة تنظيم هذين النوعين من الأسماء وفق منظوماتها الخاصة. ومن ثم، لا يمكن فهم مظاهر تغييب الذاكرة المغربية في سبتة من خلال البحث عن فعل واحد أو قرار واحد أدى إلى اختفاء الأسماء، بل من خلال تتبع مسارات متعددة لتغيير حضور الاسم: النقل والترجمة والتحوير الكارتوغرافي، إعادة التسمية، تراجع التداول، التسجيل الإداري، والتغير في صيغ الألقاب العائلية. وعلى هذا الأساس، يصبح «الاسم» مدخلا تاريخيا لفهم العلاقة بين السلطة والذاكرة فالسلطة تستطيع أن تعيد تنظيم المجال والسكان ماديا وإداريا، لكنها تستطيع أيضا أن تؤثر في الطريقة التي يسمى بها المكان ويعرف بها الإنسان. وفي المقابل، تستطيع الذاكرة الاجتماعية أن تحتفظ بما غاب عن الوثيقة، وأن تعيد إنتاجه واستعادته عبر الرواية العائلية والمحلية. وبذلك تكشف حالة سبتة أن تغييب الاسم لا يساوي بالضرورة محو الذاكرة، لكنه قد يؤدي إلى إضعاف حضورها في المجال الرسمي؛ كما أن استعادة الاسم لا تعني مجرد استعادة لفظ، وإنما قد تمثل محاولة لإعادة بناء الصلة بين الحاضر وماضيه. وهذه هي النقطة التي تلتقي عندها الطوبونيمية والأسماء العائلية، رغم اختلاف السياقات والآليات التي حكمت تحول كل منهما. خاتمة أظهرت هذه الدراسة أن الاسم في سبتة لا يمثل مجرد أداة للتعريف بالأمكنة والأشخاص، وإنما يشكل أحد الأوعية الأساسية التي تحفظ آثار الماضي وتربط الحاضر بتاريخ المجال والمجتمع. فمن خلال تتبع الطوبونيمية المغربية المثبتة في الخريطة الطبوغرافية التي أنجزها القبطان سالازار، أمكن الكشف عن معجم مكاني غني حمل في مكوناته دلالات طبيعية وبشرية ودينية وتاريخية وعسكرية، وعكس جانبا من الذاكرة المحلية للمجال الذي ألحق بسبتة عقب حرب تطوان. وقد أظهرت هذه الأسماء أن الوجود المغربي لم يكن حاضرا فقط في البنية السكانية أو في أنماط الاستقرار، وإنما كان منقوشا أيضا في أسماء المواضع ومكونات المجال. كما بينت الدراسة أن انتقال الأسماء المغربية إلى الخرائط الإسبانية لم يكن عملية نقل محايدة دائما؛ فقد خضعت بعض الأسماء للتحوير الصوتي والإملائي والتكييف مع النظام اللغوي الإسباني. ثم كشفت مقارنة هذه الأسماء بالخرائط اللاحقة عن تفاوت في مصائرها بين الاستمرار والتحوير والاندثار، حيث اختفى عدد مهم من التسميات التي كانت مثبتة في الخريطة سالفة الذكر. غير أن اختفاء الاسم من الخريطة لا يعني بالضرورة زواله الفوري من الذاكرة المحلية، وإنما يدل، في المقام الأول، على تراجع حضوره داخل التمثيل الكارتوغرافي الرسمي للمجال. وانتقلت الدراسة، من خلال الأسماء العائلية، من ذاكرة المكان إلى ذاكرة المجتمع، لتبرز أن اللقب العائلي يؤدي بدوره وظيفة تتجاوز التعريف الإداري، إذ يمكن أن يحمل مؤشرات على الأصل والنسب والانتماء الجغرافي أو القبلي، ويؤدي دورا في حفظ استمرارية الذاكرة الأسرية. وتكشف قضية الألقاب لدى المسلمين في سبتة، عن التوتر الذي يمكن أن ينشأ بين الاسم المتوارث داخل الأسرة والاسم المثبت في الوثيقة الرسمية، خاصة في سياق عمليات التسجيل والتجنيس التي شهدتها المدينة خلال ثمانينيات القرن العشرين. ومن خلال الجمع بين المستويين، يتضح أن الطوبونيمية واللقب العائلي، رغم اختلاف مجالهما ووظائفهما، يشتركان في كونهما حاملين للذاكرة؛ فالطوبونيمية تحفظ أثر الجماعة في المكان، بينما يحفظ اللقب أثر الأسرة في المجتمع. وإذا كانت الكارتوغرافيا قادرة على تثبيت الاسم أو تحويره أو إسقاطه من تمثيل المجال، فإن الإدارة قادرة، من خلال أنظمة التسجيل، على تثبيت صيغ معينة للأسماء العائلية وإقصاء صيغ أخرى من الوثائق الرسمية. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود سياسة واحدة تحكم الظاهرتين، وإنما يكشف عن مسارين مختلفين يمكن أن تكون لهما نتائج متقاربة على مستوى حضور الذاكرة في المجال الرسمي. وبذلك تكشف حالة سبتة أن الاسم يمثل مجالا من مجالات العلاقة بين السلطة والذاكرة. فالسلطة لا تعيد تشكيل المجال من خلال الحدود والمنشآت والمؤسسات فحسب، وإنما تسهم أيضا في تحديد الأسماء التي تثبت في الخرائط والسجلات، والصيغ التي تنتقل بها إلى الأجيال اللاحقة. وفي المقابل، لا تتوقف الذاكرة عند حدود الوثيقة الرسمية؛ إذ يمكن أن تستمر الأسماء المغيبة داخل الذاكرة الشفوية والعائلية، وهو ما تؤكده أهمية المعرفة المحلية في استعادة عدد من الأسماء والمواضع التي لم تعد حاضرة بالوضوح نفسه في الوثائق. وعليه، فإن تغييب الاسم لا يعني بالضرورة محو الذاكرة، بقدر ما يعني إضعاف حضورها في المجال الرسمي وإعادة ترتيب شروط ظهورها وتداولها. ومن هنا تكتسب استعادة الأسماء المغربية، سواء تعلق الأمر بأسماء الأماكن أو بالألقاب العائلية، قيمة تتجاوز التصحيح اللغوي أو الوثائقي، لتصبح فعلا من أفعال استعادة الذاكرة وإعادة وصل الحاضر بماضيه. ويظل هذا المسار مفتوحا أمام دراسات أوسع تستثمر الخرائط والوثائق الإدارية والمصادر التاريخية والذاكرة الشفوية، من أجل التمييز بدقة بين ما اندثر من الاستعمال، وما غيب من الوثيقة، وما بقي حيا في ذاكرة السكان.
#محمد_عبد_المومن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من الاحتلال إلى السيادة: هل يكفي مرور الزمن لحسم قضية سبتة؟
...
-
صناعة السردية التاريخية الإسبانية: مزاعم استمرارية إسبانيا و
...
-
سبتة في الذاكرة الشعبية المغربية من خلال الأمثال العامية: قر
...
-
أزمة الهوية في سبتة
-
سبتة في كتابات خوسي ماريا كامبوس مارتينيز
-
الرياضة كفضاء للهيمنة والمقاومة: رياضة الملاكمة في شمال المغ
...
-
سبتة في الدراما الإسبانية: الحدود والتهريب وتمثل الآخر بين م
...
-
الرموز البصرية والسردية الاستعمارية في سبتة: التماثيل وأسماء
...
-
الحدود كحاجز واقعي ورمزي: جدار سبتة نموذجا
-
سبتة والظاهرة الجهادية: تقاطعات الهوية والهشاشة في مجال حدود
...
-
سبتة بين العزلة والانفتاح: نحو تصور لاتفاق أورو مغربي مستلهم
...
المزيد.....
-
محادثات بوتين ومبعوثي ترامب.. ماذا نعرف حتى الآن؟
-
قاآني: قوة المقاومة وحزب الله ستؤدي بلا شك إلى إزالة إسرائيل
...
-
بوتين يلتقي بوفد أمريكي ـ موسكو وكييف تعلنان وقف تبادل الضرب
...
-
استعدادا لشتاء قارس.. برلمانية أوكرانية تدعو المواطنين لمغاد
...
-
سوريا.. توم باراك يتهم -عصابات خبيثة- داخل السويداء باستهداف
...
-
بتريوس: حرب أوكرانيا تظهر تغيرا جذريا في طبيعة الحروب
-
محكمة أمريكية تمنع إدارة ترمب من فحص جنسية ملايين الناخبين
-
تحالف أسطول الحرية يعلن مهمة جديدة لكسر الحصار عن غزة
-
إيران مباشر.. واشنطن وطهران تتبادلان قصف ناقلات وإسرائيل تبح
...
-
نشر مليون وثيقة سرية على -الدارك ويب- بعد رفض برلين دفع فدية
...
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|