أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 11:41
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
حين يمسك القارئ كتابًا بين يديه، قد يستغرق في قراءته أيامًا، وربما ساعات.
لكنه لا يرى السنوات التي سبقت تلك الصفحات.
لا يرى المواعيد المؤجلة، ولا الرحلات، ولا ساعات الانتظار، ولا المقابلات التي لم تكتمل، ولا الوثائق التي استغرق العثور عليها شهورًا.
لقد أدركت هذه الحقيقة وأنا أعمل على كتاب «ذكريات بائع متجول.. قصة حياة الحاج مدبولي».
لم يكن الأمر مجرد تسجيل مقابلات، ثم تحويلها إلى فصول.
كان عليّ أن أتعلم الانتظار.
أحيانًا كان سؤال واحد يقود إلى أسبوع كامل من البحث.
وأحيانًا كانت معلومة صغيرة تفتح بابًا لمرحلة كاملة من حياة الرجل، فأعود إلى الكتب، وإلى الصحف القديمة، وإلى من عاصروه، حتى تكتمل الصورة.
وحين بدأت بعد ذلك العمل على كتاب «دينق قوج: المثقف العضوي وبناء الذاكرة الوطنية في جنوب السودان»، ازدادت قناعتي بأن التوثيق لا يعترف بالعجلة.
فهنا لم يكن صاحب السيرة حاضرًا.
كان عليّ أن أبحث عنه في أوراقه، وفي ذاكرة أصدقائه، وفي مقالاته، وفي كل أثر تركه وراءه.
كنت أشعر أحيانًا أنني لا أكتب كتابًا، بل أعيد بناء بيت تهدم جزء كبير منه، ولم يبق منه إلا حجارة متناثرة.
وفي كل مرة كنت أتعجل الوصول إلى النتيجة، كانت الحقيقة تعاقبني.
لأن الحقيقة لا تحب الاستعجال.
إنها تكافئ من يصبر عليها.
لقد علمتني الصحافة سرعة الوصول إلى الخبر.
لكن التوثيق علمني أن بعض الأخبار لا تُفهم إلا بعد سنوات، وأن بعض الشخصيات لا تُقرأ من أول وثيقة، ولا من أول شهادة، ولا من أول لقاء.
ولهذا أصبحت أؤمن أن أكبر رأس مال يملكه الموثق ليس مكتبته، ولا أرشيفه، ولا حتى أسلوبه في الكتابة.
إنه الصبر.
الصبر على السؤال.
والصبر على الوثيقة.
والصبر على الشاهد.
والصبر على النفس، حتى لا تكتب قبل أن تنضج الفكرة.
لقد أصبحنا نعيش في زمن يريد كل شيء بسرعة.
كتاب يُنجز في أسبوع.
وبحث يُكتب في أيام.
وسيرة تُختصر في صفحات قليلة.
لكن التوثيق لا يعرف هذه اللغة.
إنه يشبه غرس شجرة.
قد تقضي وقتًا طويلًا في رعايتها، بينما لا يرى الناس إلا ثمارها.
ولهذا، فإنني لا أشعر بالأسف على السنوات التي أمضيتها في البحث.
بل أشعر بالامتنان لها.
لأنها لم تمنحني معلومات أكثر فحسب، بل منحتني فهمًا أعمق للإنسان، وللتاريخ، وللمسؤولية التي يحملها الكاتب حين يقرر أن يوثق حياة شخص، أو ذاكرة وطن.
وأحسب أن القارئ يغفر للكتاب أن يتأخر...
لكنه لن يغفر له أن يكون ناقصًا.
ولهذا، فإن بعض الكتب لا تحتاج إلى كاتب يجيد اللغة فقط...
بل تحتاج إلى باحث يعرف كيف ينتظر.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟