حسام الحداد
الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 23:54
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
تُمثّل القراءة النقدية للنصوص الدينية من منظور مادي ولغوي محاولة لتفكيك البنية النصية بعيداً عن أطر التقديس والغيبيات، لإخضاعها لمنطق التحليل الأدبي والتاريخي المُجرّد. وتكتسب سورة قريش أهمية خاصة في هذا السياق بالنظر إلى قصر حجمها (أربع آيات) وتكثيفها الشديد لحدث اقتصادي وسياسي محدد في تاريخ شبه الجزيرة العربية. إن دراسة النص من خارج المنظومة الإيمانية تتطلب مساءلة أدواته اللغوية، وسياقه التاريخي، وحِجاجه المنطقي، للوقوف على أسلوب التشكل النصي ومدى ارتباطه بالظروف البيئية والاجتماعية التي أنتجته.
تكمن الإشكالية المركزية في هذه القراءة في مقاربة المفهوم المفترض لـ "الكلام الإلهي الكوني" بمضمون السورة المباشر؛ فبينما يقتضي الخطاب المتعالي الشمول والتجريد وخاطبة الإنسانية بقضايا وجودية عامة، يقدم النص خطبة محليّة شديدة الارتهان بشرطها الزمني والمكاني. ومن هنا، يهدف هذا التحليل اللغوي والأدبي إلى تشريح المظاهر الأسلوبية والنحوية المكونة للآيات، واختبار مدى قدرتها على الاستقلال بنفسها، إلى جانب نقد البنية الفكرية والمادية التي تربط العبادة بالمنفعة الاقتصادية وتخص قبيلة بعينها دون سواها من المجتمعات البشرية المعاصرة لها.
الإشكالية النحوية والتعليق البلاغي في الاستهلال
تبدأ السورة بحرف الجر والتعليل (اللام) في قوله تعالى «لِإِيلَٰفِ»، وهو استهلال أثار جدلاً واسعاً بين أئمة النحو والبلاغة كالفراء والزمخشري والطبري؛ إذ إن الجار والمجرور في قواعد اللسان العربي يتطلب حتماً عاملاً (فعلاً أو ما يشبهه) يتعلق به. وقد انقسم المفسرون والنحاة في تقدير هذا المتعلق على اتجاهين رئيسيين: الأوّل يرى تعليقه بفعل محذوف تقديره «اعجبوا لإيلاف قريش»، والثاني يربطه دلالياً ونحوياً بآخر سورة "الفيل" السابقة لها لتصبح المعالجة: «فجعلهم كعصف مأكول.. لإيلاف قريش»، حتى إن بعض الصحابة كعمر بن الخطاب وأبيّ بن كعب رضي عنهما قيل إنهما كانا يقرأانهما سورة واحدة في الصلاة دون فصل بالبسملة. ومن منظور النقد الأدبي والبلاغي الحديث، فإن اعتماد النص في افتتاحيته على "عامل مضمر" يخضع لتأويلات وتقادير خارجية، أو تعليقه بنص سابق لضمان استقامته التركيبية، يضعف ما يُعرف بالاستقلالية البنائية (Structural Autonomy) للنص الأدبي، ويجعل النص قاصراً عن إفادة المعنى المكتمل بذاته دون الاستعانة بقرائن خارج ملفوظه المباشر.
الظاهرة الأسلوبية والتكرار البديعي
تتجلى في الآية الثانية ظاهرة الإطناب والتكرار اللفظي من خلال إعادة مصدر "الإيلاف" مضافاً إلى الضمير «إِۦلَٰفِهِمۡ» بعد ذكره مباشرة في الآية الأولى «لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ»، وهو ما يعربه النحاة بدلاً أو توكيداً لفظياً. وفي حين يرى المفسرون والبلاغيون القدامى في هذا التكرار تشويقاً وتفخيماً لرحلتي الشتاء والصيف وتأكيداً على النعمة، يرى التحليل النقدي المعاصر أن هذا الإرجاع اللفظي المباشر لم يضف طاقة دلالية أو معنى مفهومياً جديداً للنص بقدر ما كان استجابة لضرورة أسلوبية؛ وهي الحفاظ على التناسب الصوتي واستقامة الجرس الموسيقي للمقطع. فالجملة البلاغية كان يمكن لها اختصار المضمون كلياً بتركيب أقصر مثل (لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف)، إلا أن تقطيع الجملة وإعادة المفردة ذاتها جاء لغرض تحقيق التوازي العروضي وضبط "الفواصل القرآنية" (إيقاع حرف الميم والشيء/الطاء)، مما يجعل التكرار هنا ذا وظيفة شكليّة إيقاعية أكثر منه إضافة دلالية موضوعية.
الشرط التاريخي والارتهان بالجغرافيا
يتأسس المضمون الكلي للسورة على سياق إقليمي ومحليّ محض يرتبط بالواقع الاقتصادي والاجتماعي لشبكة التجارة المكية في القرن السادس الميلادي. فالنص يتناول حصراً نظام "الإيلاف" — وهو العهود والمواثيق التجارية التي عقدها هاشم بن عبد مناف مع القبائل والملوك لتأمين القوافل — ويُخصّص الإشارة لرحلتي الشتاء إلى اليمن والصيف إلى الشام. ومن زاوية النقد الأدبي والتاريخي، يُظهر النص ارتهاناً تاماً بالظروف البيئية والجغرافية لصحراء الجزيرة العربية في تيك الفترة الزمنية؛ حيث يتوجه الخطاب إلى امتيازات قبيلة واحدة (قريش) ودورها في إدارة الحرم المكي. هذا الاستغراق في التفاصيل الجغرافية والاقتصادية المحدودة يجرّد الخطاب من البُعد الكوني والتجريدي الشامل؛ إذ يربط القيمة الدينية والامتنان الإلهي بظروف معيشية مؤقتة وخاصة بجماعة بشرية محددة، مما يجعله نصاً محكوماً بشرطه التاريخي والزمني ويفقد حيوية التأثير المباشر خارج نطاق بيئته التي نزل فيها.
النقد الموضوعي والمادي (من منظور إلحادي)
تتأسس البنية المنطقية للحِجاج في النص على معادلة اشتراطية نفعية صريحة: الامتنان بالرعاية المادية والأمنية (الإطعام والتأمين من الخوف) مقابل تقديم العبودية والطاعة لـ «رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ». ومن منظور النقد المادي، يمثل هذا الأسلوب نموذجاً كلاسيكياً لتوظيف الخطاب الديني في تدعيم السلطة السياسية والاجتماعية المركزية؛ حيث يُستغل الاحتياج الغريزي الأساسي للإنسان — وهو الخوف والجوع — لتكريس شرعية مركز عبادي ومكاني محدد (الكعبة). إن تحويل النعم الاقتصادية والأمنية اليومية، الناتجة في الأصل عن معاهدات بشرية وتوازنات قوى بين القبائل (الإيلاف)، إلى مِنة غيبية تتطلب مقابلاً طقوسياً، يعكس آلية إيديولوجية تهدف إلى هيمنة المؤسسة الدينية المكية على الوعي الجمعي وإضفاء كدش من التقدس على المنظومة الاقتصادية السائدة.
يظهر في الخطاب اختزال شديد لمفهوم "العناية الإلهية" وتضييق لمدى اهتمام الخالق الكوني؛ إذ يُصوَّر الإله كأنه راعٍ محلي يركز سلطته وعطفه على تأمين مسارات تجارية لقوم محددين (قريش) في بقعة صحراوية معزولة، مميزاً إياهم برحلتين موسميتين (الشتاء والصيف). ومن الناحية التحليلية والمادية، يُبرز هذا الطرح استقطاباً قبلياً وتمركزاً اجتماعياً واضحاً؛ فبينما كانت الشعوب والحضارات المعاصرة لهذا النص تموج بالحروب، والمجاعات، والأوبئة دون خطاب ينظم شؤونها، يركز هذا النص حصراً على مصلحة قريش التجارية. هذا التخصيص الحاد يتناقض مع فكرة "الإله السامي والشمولي" الخالق للكون، ويشير بوضوح إلى أن مصدر النص محكوم برؤية عالمية محدودة بحدود الجغرافيا القبلية للكاتب ومحيطه المباشر.
كما تعتمد السورة في تأثيرها النفسي والخطابي على الثنائية المحورية: "الجوع والخوف" مقابل "الإطعام والأمن". وهذه الثنائية تعبر بدقة عن أقصى طموحات المجتمع البدوي أو الشبه-حضري في بيئة صحراوية قاحلة؛ حيث الأمن والماء والغذاء هي المطلب الأسمى المهدد باستمرار. ومن المنظور النقدي، فإن صياغة مفهوم "الخلاص الإلهي" في حدود مجرد الشبع وتأمين القوافل تعكس أفقاً فكرياً ونفسياً ممتداً من بيئته الجغرافية المغلقة. فالنص لا يقدم رؤية وجودية أو أخلاقية عميقة لمفاهيم السعادة أو المصير البشري، بل يقف عند حدود الاستقرار التجاري وتأمين طرق الترانزيت الصحراوي، مما يؤكد أن الدوافع والرموز المستخدمة هي نتاج التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية لمكة في ذلك العصر، وليست تعبيراً عن قضايا كوكبية أو إنسانية عامة.
هل يصلح هذا النص أن يكون "كلام إله"؟
يفترض التفكير النقدي والمادي في مفهوم "النص الإلهي" أن يخاطب العقل البشري بقضايا وجودية كبرى، وقوانين كوكبية شاملة تتجاوز الزمان والمكان، إلا أن هذا الجزء من النص يغرق في جزئيات إقليمية ضيقة لا ترتقي لتكون خطاباً صادراً عن ذكاء كوني مطلق. فالتركيز على صفقات تجارية محلية، وتأمين رحلات موسمية، وتسمية قبيلة بعينها، يجرّد النص من الصفة الشمولية التي يُفترض وجودها في كلام موجّه للبشرية جمعاء. إن معالجة قضايا ترانزيت تجاري ومصالح مالية لجماعة قريش يُظهر الخطاب وكأنه مدونة تدبير محلية أو بيان سياسي-اقتصادي موجّه لجمهور محدود، مما يفقده البُعد التجريدي والفلسفي الذي يستوجبه خطاب كوني يُفترض أنه يعبر عن خالق الوجود.
ويعكس النص بوضوح أدبيات وفكر البيئة المكية في القرن السادس الميلادي، حيث كانت السيطرة الاقتصادية والنفوذ الروحي يدوران حول الكعبة بوصفها مكسباً استراتيجياً وقبلياً. فالاهتمام برأس المال، واستقرار القوافل التجارية، وربط الشرعية الدينية بالاستقرار المالي، هي كلها هواجس بشرية أصيلة لتاجر مكّي يعيش في بيئة صحراوية تعتمد حياتها على الترانزيت التجاري بين اليمن والشام. هذا الاندماج الكامل في ثقافة وشواغل "الرجل العربي الجاهلي" يجعل النص محكوماً بإطاره الزمني والجغرافي البحت، ويؤكد من المنظور النقدي أنه وليد ظروفه الاقتصادية والاجتماعية المحلية، وليس نصاً متعالياً على ظرفه التاريخي أو صادراً من خارج هذه البيئة.
أما من الناحية الأسلوبية والبلاغية، لا يخرج التركيب اللغوي للسورة عن الأشكال الأدبية الشائعة في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولا سيما سجع الكُهّان وخطب البلغاء في الأسواق والمحافل. فاعتماد النص على المقاطع القصيرة، والمزاوجة بين الفواصل الموسيقية، وربط تقديم الطاعة للآلهة بتقديم البركات المادية والحماية من المخاطر، هي أساليب خطابية معتادة كانت تُستخدم لقيادة القبائل وإقناعها بالامتثال للمركز الديني أو السياسي. هذه المشابهة الهيكلية والأسلوبية مع الموروث الأدبي الشفاهي للعرب في ذلك العصر تنفي عن النص أي فرادة أسلوبية تخرجه عن طاقة اللسان البشري ومواضعاته البلاغية المعاصرة له.
الخلاصة:
تخلص هذه الدراسة النقدية والمادية لسورة قريش إلى أن النص يمثل وثيقة أدبية وتاريخية محليّة تعكس بدقة طبيعة التفاعلات السياسية والاقتصادية والروحية لبيئة مكة في القرن السادس الميلادي. إن رهن العبادة بدوافع الخوف والجوع، وتخصيص العناية بقوافل تجارية لقبيلة محددة، إلى جانب الاعتماد على تراكيب نحوية تتطلب تقديرات مضمرة أو التعليق بنصوص سابقة، هي مظاهر تؤكد في مجموعها بشرية النص وزمانيته. ومن منظور نقدي يُجرّد النص من البعد الغيبي، تفتقر السورة إلى معايير الشمول والكونية والتجريد المفترضة في خطابات الذكاء الكلي، لتقف عند حدود كونها أثراً لغوياً شفاهياً يخدم إعادة إنتاج السلطة الاجتماعية والدينية للمركز المكي في عصره.
#حسام_الحداد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟