أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سنان نافل والي - ماتياس نوربرغ ومخاض الاكتشاف في أوروبا ( 1777-1781)















المزيد.....

ماتياس نوربرغ ومخاض الاكتشاف في أوروبا ( 1777-1781)


سنان نافل والي

الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 22:23
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حين يُعاد تتبع المنعطفات الكبرى التي صنعت تاريخ الدراسات المندائية الحديثة، يبرز العقد الممتد بين أواخر سبعينيات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر بوصفه إحدى اللحظات المؤسسة في تاريخ المعرفة الأوروبية بالشرق عامة، وبالمندائية خاصة. ففي هذه المرحلة لم تعد المندائية مجرد اسم غامض يتردد في تقارير الرحالة والمبشرين الكاثوليك، ولم تعد تُقرأ من خلال العدسة اللاهوتية التي هيمنت على كتابات الكرمليين واليسوعيين منذ القرن السابع عشر، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى موضوع علمي مستقل، وإلى مادة فيلولوجية ولغوية وتاريخية تستحق الدراسة لذاتها. وكان ماتياس نوربرغ أحد أهم الفاعلين في هذا التحول. لقد جاءت رحلة نوربرغ الأوروبية الكبرى بين عامي 1777 و1781 في لحظة كانت أوروبا تعيش فيها تحولات فكرية عميقة ارتبطت بصعود عصر التنوير، وبتراجع الهيمنة المطلقة للتفسيرات اللاهوتية التقليدية، وبظهور ما يمكن تسميته بالثورة الفيلولوجية ( وهو علم دراسة النصوص القديمة وتوثيقها وتحقيقها ونقدها ، لفهم عقلية الشعوب وحضارتهم من خلال لغاتهم ) ففي الجامعات الألمانية والفرنسية والبريطانية بدأت تتبلور قناعة جديدة مفادها أن الطريق إلى فهم التاريخ الإنساني لا يمر عبر الجدل العقائدي وحده، بل عبر دراسة النصوص الأصلية بلغاتها الأولى، ومقارنتها، وإخضاعها للنقد التاريخي واللغوي الصارم، في هذا السياق أدركت الدولة السويدية أهمية إرسال باحثيها الشباب إلى المراكز العلمية الأوروبية الكبرى. ولم تكن هذه السياسة مجرد رغبة ثقافية، بل جزءاً من مشروع أوسع أراد أن يدمج السويد في ما كان يسمى آنذاك بجمهورية الآداب الأوروبية، أي الشبكة العابرة للحدود التي ربطت الجامعات والمكتبات والعلماء والمراسلين في مختلف أنحاء القارة. وقد وقع الاختيار على نوربرغ بسبب تفوقه المبكر في اللغات السامية، وقدرته الاستثنائية على التعامل مع النصوص الشرقية. تشير دراسات تاريخ التعليم السويدي إلى أن البلاط الملكي في عهد غوستاف الثالث كان ينظر إلى الرحلات العلمية باعتبارها استثماراً استراتيجياً في رأس المال المعرفي للدولة. ولهذا حصل نوربرغ على دعم رسمي مكّنه من مغادرة أوبسالا والانطلاق في جولة طويلة شملت ألمانيا وهولندا وفرنسا وإيطاليا، وهي الرحلة التي ستحدد مسار حياته العلمية بأكملها. (1) غير أن هذه الرحلة لا يمكن فهمها بمعزل عن التقليد الأكاديمي المعروف في أوروبا باسم الرحلة العلمية الكبرى، فالباحث الشاب في القرن الثامن عشر لم يكن يكتفي بما توفره جامعته المحلية من كتب وأساتذة، بل كان مطالباً بالخروج إلى العالم، والاحتكاك المباشر بأهم العلماء، وزيارة المكتبات التي تضم المخطوطات النادرة، والمشاركة في الحلقات العلمية التي كانت تشكل المختبر الحقيقي للمعرفة الأوروبية. ولهذا لم تكن رحلة نوربرغ انتقالاً جغرافياً فحسب، بل كانت عملية إعادة تشكيل فكرية كاملة. ويبدو من الشهادات المعاصرة أن نوربرغ اندمج بسرعة في هذه الشبكات الأكاديمية، واستفاد من قدرته على بناء علاقات شخصية مع كبار المستشرقين في ألمانيا وفرنسا. وكانت هذه العلاقات ذات أهمية حاسمة، لأن الوصول إلى المخطوطات النادرة لم يكن متاحاً لأي باحث؛ بل كان يعتمد غالباً على التوصيات الشخصية وعلى الثقة المتبادلة بين أعضاء المجتمع العلمي الأوروبي. (2)
إذا كانت باريس هي المدينة التي وضع فيها ماتياس نوربرغ يده للمرة الأولى على المخطوطات المندائية، فإن مدينة غوتينغن الألمانية كانت المكان الذي تعلّم فيه كيف يقرأها، وكيف يفكر فيها، وكيف يحولها من مجرد مخطوطات غامضة إلى مشروع علمي طويل الأمد. ولهذا لا يمكن فهم ولادة الدراسات المندائية الحديثة دون التوقف مطولاً عند السنوات التي قضاها نوربرغ في غوتينغن وعلاقته بالعالم الألماني الكبير يوهان دافيد ميخائيليس، الذي كان آنذاك الشخصية الأكثر نفوذاً في الدراسات الشرقية في أوروبا كلها. عندما وصل نوربرغ إلى غوتينغن في أواخر سبعينيات القرن الثامن عشر، كانت الجامعة تعيش ذروة مجدها العلمي. فقد أصبحت جامعة غوتينغن، التي أسست سنة 1737، أهم مركز أوروبي لدراسة اللغات السامية والنقد التاريخي للكتاب المقدس. وكان الباحثون يتوافدون إليها من مختلف أنحاء أوروبا لدراسة العربية والعبرية والسريانية والآرامية على أيدي نخبة من كبار المستشرقين. ولم تكن أهمية غوتينغن نابعة فقط من أساتذتها، بل أيضاً من منهجها الجديد. ففي الوقت الذي كانت فيه كثير من الجامعات الأوروبية لا تزال تنظر إلى اللغات الشرقية باعتبارها أدوات لخدمة اللاهوت المسيحي، بدأت غوتينغن تتعامل معها بوصفها موضوعاً علمياً مستقلاً يستحق الدراسة لذاته. لقد كان هذا التحول الفكري جزءاً من الروح العامة لعصر التنوير، التي دعت إلى إخضاع كل شيء للنقد والتحليل التاريخي بدل التسليم بالتفسيرات الموروثة. وهنا وجد نوربرغ نفسه أمام عالم فكري مختلف جذرياً عما عرفه في السويد. فقد انتقل من بيئة أكاديمية ما تزال متأثرة بالتقاليد المدرسية القديمة إلى مختبر معرفي حي تُناقش فيه أحدث النظريات حول أصول اللغات والشعوب والأديان. (3) لم يكن تأثير غوتينغن مقتصراً على قاعات الدرس. فقد كانت الجامعة مركزاً لشبكة ضخمة من المراسلات العلمية الأوروبية ، ومن خلال هذه الشبكة تعرف نوربرغ على الباحثين الذين كانوا يعملون في باريس وروما ولندن ولايدن وميلانو، كما حصل على معلومات دقيقة عن أماكن وجود المخطوطات الشرقية النادرة، وهنا أدرك حقيقة حاسمة مفادها أن مستقبل الاستشراق لا يصنع داخل الجامعات وحدها، بل في المكتبات والأرشيفات التي تحفظ النصوص الأصلية، ولهذا السبب لم يكتفِ بالدراسة النظرية، بل انطلق بعد ذلك في رحلته الأوروبية الكبرى باحثاً عن المخطوطات نفسه. من الناحية التاريخية، يمكن القول إن اكتشاف نوربرغ للمخطوطات المندائية في باريس لم يكن حدثاً مفاجئاً أو وليد الصدفة، فالأسئلة التي حملها معه إلى باريس وُلدت في غوتينغن والمنهج الذي استخدمه في دراسة المخطوطات تعلمه في غوتينغن وأيضا الاقتناع بأن النصوص المندائية تستحق الدراسة العلمية ترسخ لديه هناك ، في غوتينغن.
المصادر والمراجع
1- Eriksson, The Atlantic Vision, pp. (Ahnfelt, Ur svenska hofvets och det svenska samhällets historia, pp. 112–118,( 88–95).
2- (Bots & Waquet, La République des lettres, pp. 74–82؛ Lindroth, Svensk lärdomshistoria, pp. 310–325).
3- Michaelis, Orientalisches und Exegetisches Bibliothek, Vol. 10, pp. 110–125؛ Schanker, Johann David Michaelis, pp. 140–155).



#سنان_نافل_والي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المندائيون في رأي الفقهاء والرواة القدماء والمعاصرين
- القواسم المشتركة بين الديانة المندائية والزردشتية
- الحروب النورانية والخلق في الديانة المندائية
- الروها.. ملكة عالم الظلام في الديانة المندائية
- مندائيو إيران والعراق خلال المئة سنة الاخيرة
- رحلة الملاك هيبل زيوا الى عالم الظلام في الديانة المندائية
- النور والظلام في الديانة المندائية
- التوحيد في الديانة المندائية
- المبشرون المسيحيون والمندائية خلال القرن السادس عشر
- صابئة القرآن في المصادر الإسلامية
- الدولة المشعشعية ومذبحة شوشتر
- الإله البابلي مردوخ ورحلته الى العالم السفلي
- الثنوية في الديانة الزردشتية
- المندائية في دراسات المستشرقين
- الطوفان في المصادر البابلية والمندائية
- الشيخ صحن والدولة العثمانية
- في منتصف الطريق
- أبو علاوي _ قصة قصيرة
- انتظار _ قصة قصيرة
- الرحيل _ قصة قصيرة


المزيد.....




- هل يصمد توافق الحكومة والجماعة الإسلامية في باكستان بشأن ضري ...
- النائب إبراهيم عيسى: قنوات الإخوان تواصل بث الشائعات
- النائب عماد الغنيمي: قنوات الإخوان تواصل نشر الأكاذيب لإثارة ...
- حماس تستنفر الدول العربية والإسلامية لمواجهة مخططات الاحتلال ...
- بعد العفو الإماراتي.. ما هو وضع عبد الرحمن القرضاوي القانوني ...
- جثث يهودية مقابل أسرى لبنانيين.. حكاية الصفقة المثيرة للجدل ...
- عفو إماراتي يطوي قضية عبد الرحمن القرضاوي بعد سجنه
- الإمارات تصدر عفواً رئاسياً عن عبد الرحمن القرضاوي بعد حكم ب ...
- خطيب الأقصى يحذر من مخطط الاحتلال لفرض حراس موالين للحاخامات ...
- إسرائيل تفرج عن 4 أسرى لبنانيين إضافيين في صفقة مرتبطة بيهود ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سنان نافل والي - ماتياس نوربرغ ومخاض الاكتشاف في أوروبا ( 1777-1781)