|
|
وهْم الخطاب التمثيلي للشعب عند الكوفيين.
سعيد الكحل
الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 15:19
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
كشفت نتائج الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، بين 8 مايو و3 يوليوز 2026، حول مواقف الرأي العام في عدد من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي عن معطى يستحق التوقف عنده طويلا: الأجيال الشابة لم تعد تنظر إلى الصراع بالطريقة نفسها التي نظرت بها إليه أجيال الآباء والأجداد. والأمر لا يتعلق فقط بتغير في المواقف من إسرائيل أو من التطبيع، وإنما يمتد إلى تصور الحل السياسي نفسه. أكثر الأرقام دلالة في هذا السياق هي المتعلقة بحل الدولتين. ففي الأراضي الفلسطينية لا يؤيد هذا الحل سوى 34 % من المشاركين الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين سنة، مقابل 66 % ممن تتجاوز أعمارهم هذه الفئة. وبمعنى حسابي بسيط، فإن 66 % من الشباب الفلسطينيين الذين شملهم الاستطلاع لا يؤيدون حل الدولتين. والأهم أن الظاهرة ليست فلسطينية فقط. فالفجوة بين الشباب والأجيال الأكبر سنا تظهر أيضا في المغرب وتونس والأردن وسوريا ولبنان ومصر، وإن بدرجات متفاوتة. وهذا يعني أن الأمر لا يمكن تفسيره فقط بتطورات الحرب في غزة أو بالواقع الفلسطيني المباشر، بل ينبغي النظر إليه باعتباره جزءا من تحول أوسع في الوعي السياسي لدى جيل عربي جديد. الأمر الذي لم تدركه تنظيمات الإسلام السياسي ومعهم جموع الكوفيين بمختلف انتماءاتهم العروبية واليسارية الراديكالية. من هنا فإن الخطأ الذي تقع فيه تلك التنظيمات السياسية هو الخلط بين قدرتها على التعبئة للمظاهرات من أجل فلسطين وبين امتلاكها تفويضا شعبيا. إن المظاهرة الكبيرة لا تعني أن المشاركين فيها يمثلون المجتمع كله، كما أن الحضور المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني أن الرأي الأكثر انتشارا هو بالضرورة الرأي الأكثر ضجيجا. ففي المجتمعات المفتوحة، توجد دائما مسافة بين الشارع المنظم والشارع الصامت، وبين الناشط السياسي والمواطن الذي يتابع الأحداث من بعيد ويضع في مقدمة اهتماماته مشكلات حياته اليومية. وهنا تظهر أهمية الفجوة الجيلية التي كشفها الاستطلاع. فإذا كانت مواقف الشباب في المغرب، كما في البلدان العربية الأخرى، تختلف عن مواقف الأجيال الأكبر بشأن حل الدولتين، فإنه من الصعب الادعاء بأن الشباب يتجهون تلقائيا نحو المواقف التي تتبناها التيارات الإسلاموية أو العروبية أو اليسارية الراديكالية. الواقع أكثر تعقيدا. فقد يكون الشاب غاضبا من إسرائيل، ومتعاطفا مع الفلسطينيين، ورافضا للتطبيع، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن تتحول القضية الفلسطينية إلى محور السياسة الداخلية في بلده. وقد يكون متعاطفا مع غزة لكنه يرى أن الأولوية بالنسبة إلى بلده هي التشغيل والتعليم والصحة والأسعار والأمن والتنمية. فالمواطن الذي ينشغل بارتفاع الأسعار أو بفرص العمل أو بالخدمات الصحية والتعليمية لا يصبح أقل تضامنا مع الفلسطينيين لأنه يطالب بحل مشكلاته الداخلية. كما أن من يدافع عن المصالح الاستراتيجية للمغرب لا يصبح تلقائيا معاديا للقضية الفلسطينية. فالسياسة الخارجية للدولة ليست اختبارا يوميا للوطنية، ولا يمكن اختزال الوطنية في موقف واحد من قضية خارجية مهما كانت عدالتها ومكانتها الرمزية. وهْم الاحتكار والتمثيل. لقد ظلت بعض التيارات السياسية تزعم احتكار القضية الفلسطينية وتتعامل معها باعتبارها مجالا مثاليا لبناء الشرعية السياسية. فكلما ارتفع منسوب الغضب الشعبي تجاه الحرب في غزة، إلا وحاولت تلك القوى تقديم نفسها باعتبارها التعبير الحقيقي عن هذا الغضب، ثم الانتقال من ذلك إلى التشكيك في وطنية كل من لا يشاركها الموقف السياسي نفسه. لكن المجتمع المغربي أكبر من هذه الاستقطابات. فالفلسطينيون أنفسهم ليسوا على موقف واحد من الحلول السياسية. والشباب الفلسطينيون الذين شملهم الاستطلاع يقدمون الدليل الأكثر وضوحا على ذلك. وإذا كان هذا الجيل، الموجود في قلب الصراع، لا يؤيد ثلثاه تقريبا حل الدولتين، فإن من غير المنطقي افتراض وجود إجماع عربي بسيط حول الطريقة التي ينبغي أن ينتهي بها الصراع. الأمر نفسه ينطبق على التطبيع. فرفض التطبيع موقف سياسي مشروع، كما أن تأييده أو القبول بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل موقف سياسي مشروع. والدولة المغربية تتخذ قراراتها الخارجية انطلاقا من حسابات متعددة تشمل الأمن والاقتصاد والدبلوماسية والمصالح الاستراتيجية، بينما المواطن يملك حق تقييم هذه السياسات وقبولها أو رفضها. وبين الأمرين ينبغي أن تبقى المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار. الدار دار بونا والكوفيون بغاو يحجرو علينا. في المغرب تحديدا، تبدو الرسالة واضحة: التعاطف مع فلسطين لا يعني بالضرورة تبني أجندة سياسية معينة، ورفض التطبيع لا يمنح أي تنظيم حق احتكار الوطنية، كما أن الدفاع عن المصالح الوطنية لا يعني التخلي عن الحقوق الفلسطينية. يمكن للمغربي أن يكون متضامنا مع الشعب الفلسطيني، وأن يرفض الاحتلال، وأن يتمنى قيام دولة فلسطينية مستقلة، وفي الوقت نفسه يرى أن مصلحة وطنه واستقراره وأمنه وتنميته يجب أن تظل في مقدمة حسابات الدولة وأولوياتها. وهذا تحول مهم ينبغي الانتباه إليه: فالمواطن لم يعد يريد أن يختار بين وطنه وفلسطين. هو يريد أن يحتفظ بتضامنه مع فلسطين من دون أن تتحول هذه القضية إلى أداة لمصادرة حقه في ترتيب أولوياته الوطنية. من هذه الزاوية، نتائج الاستطلاع تفند ادعاء الكوفيين احتكار الحديث باسم الشعب (التأييد لحل الدولتين لا يتجاوز 47 % في المغرب، و45 % في تونس، و43 % في سوريا، و32 % في الأردن). وهذا الاستنتاج مهم بالنسبة للمغرب تحديدا. ذلك أن محاولة احتكار تمثيل القضية الفلسطينية لا تخرج عن كونها وسيلة لاكتساب شرعية سياسية محلية أكثر منها تعبيرا عن قراءة موضوعية للمجتمع. وهذا ما يفسر الانتقال من الدفاع عن الفلسطينيين إلى مهاجمة الدولة (تأسيس عددا من الهيئات لمناهضة التطبيع)، ومن انتقاد السياسة الخارجية إلى التشكيك في الوطنية، ومن المطالبة بمراجعة قرار سياسي إلى الادعاء بأن كل من يخالف هذا الموقف لا يمثل الشعب. وهذه آلية معروفة في العمل السياسي الشعبوي: تحويل قضية خارجية ذات حساسية عاطفية إلى معيار للحكم على وطنية المواطنين. لهذا وجب القول إن المغاربة لا يحتاجون إلى من يشرح لهم أنهم متضامنون مع الفلسطينيين، ولا إلى من يمنحهم شهادات في الوطنية. ما يحتاجونه هو نقاش سياسي ناضج يضع المصلحة الوطنية في مكانها الطبيعي، ويحافظ في الوقت نفسه على البعد الإنساني والسياسي للقضية الفلسطينية. فالوطنية لا تختصر في موقف واحد، وأن التضامن مع الآخر لا يلغي حق الإنسان في أن يجعل وطنه أولا. وهنا تكمن الدلالة الأعمق لشعار «تازة قبل غزة»: ليست المفاضلة بين مدينتين أو قضيتين، وإنما التعبير عن وعي سياسي يقول إن التضامن مع قضايا الخارج ينبغي ألا يتحول إلى بديل عن الاهتمام بمصالح الداخل. وفي مجتمع يتطلع إلى التنمية والاستقرار وتحسين شروط الحياة، لا يمكن لأي قضية خارجية، مهما بلغت عدالتها ومكانتها الرمزية، أن تلغي السؤال الأساسي الذي يطرحه المواطن على دولته: ماذا عن بلدي، وماذا عن مستقبلي؟ خصوصا وهو يرى المخططات العدائية تحاك ضد وطنه، سواء من "الأقارب" الذين يتقاسم معهم التاريخ واللغة والدين والجغرافيا، أو غيرهم من الأباعد. هذا السؤال هو الذي يزعج الكوفيين ويؤرق تجار القضية الفلسطينية وسماسرتها الذين بلغت بهم الوقاحة إلى حد نعت كل من يرفع شعار "تازة قبل غزة" "بالمتصهينين"؛ بل وصلت بهم نذالتهم إلى حد المجاهرة بمناصرة نظام الملالي في إيران، الذي جر المنطقة إلى حرب دمرت الشعوب وخربت الدول ولا يتوقف عن دعم عصابات البوليساريو عسكريا ودبلوماسيا، نكاية في المغرب نظاما ودولة ومؤسسات وأحزابا وجمعيات لأنهم ينتصرون للمصالح العليا للوطن ويقدمونها على غيرها من القضايا.
#سعيد_الكحل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العدمية النوّاحة وخطاب التبخيس في المغرب.
-
أهمية وأبعاد الشراكة الاستراتيجية المغربية-الأمريكية.
-
أحداث سبتة عنوان المؤامرة.
-
خطاب العرش ينقل الدولة من منطق الإنجاز إلى رهان الإنصاف.
-
لعبة الظلال لمحاولة استنساخ قضية صنصال.
-
الأمن والتنمية في مواجهة الإرهاب: لماذا نجح النموذج المغربي؟
-
هرطقات بنكيران، أو حين تصبح الإهانة برنامجاً سياسياً.
-
انتصارات المنتخب الوطني ونعيق الغربان.
-
حين يصل الإفلاس الحزبي مداه.
-
نتائج البكالوريا والتحولات الجندرية في المجتمع المغربي.
-
الغش في الامتحان: أزمة قيم أم أزمة قانون؟
-
حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة.
-
كيف تجنب المغرب مصير دول قادتها الشعبوية إلى حافة الإفلاس؟
-
مواقع التواصل الاجتماعي من المساءلة إلى التشكيك في المؤسسات.
-
الخرفان لا تمر عبر مضيق هرمز.
-
ذكرى تفجيرات 16 ماي: كيف رسّخ المغرب نموذجه في مكافحة الإرها
...
-
مالي ضحية تحالف الانفصال والإرهاب.
-
صلاة الحريديم: احتجاج مفتعل بخلفيات سياسوية.
-
حين تفقد الأحزاب المبادَرة والمصداقية..
-
بيان شورى عدلاوة: تحريض، تنكّر وتهافت.
المزيد.....
-
تدنيس مواقع إسلامية ومسيحية في القدس.. والاعتداء على سائق حا
...
-
هل حدثت جريمة قتل معادية للمسيحيين في سوريا؟ التباس بشأن عمل
...
-
بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية الاحتلال ويؤدي طقوسا تلمو
...
-
بن غفير يقتحم المسجد الأقصى ويؤدي صلوات بحماية الشرطة
-
الضفة الغربية.. مستوطنون إسرائيليون يجبرون عائلة فلسطينية مس
...
-
مستعمرون يقتحمون المسجد الأقصى
-
مستوطنون يجبرون عائلة مسيحية على إخلاء منزلها في الطيبة شرق
...
-
فانس يلقي كلمة أمام الائتلاف اليهودي الجمهوري وسط توتر بشأن
...
-
الاحتلال يفرج عن مستوطنين خربوا مقابر إسلامية ويصعد اعتداءات
...
-
المرشد الإيراني يدعو الإيرانيين لتجنب الخلافات والدول الإسلا
...
المزيد.....
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
المزيد.....
|