أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 15:06
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
حين كنت في بداياتي، كنت أظن أن الباحث الجيد هو الذي يمتلك أكبر عدد من الإجابات.
لكن السنوات أقنعتني بعكس ذلك.
الباحث الحقيقي ليس من يحفظ أكثر، بل من يسأل أفضل.
فالإجابة، مهما بلغت دقتها، تبقى أسيرة السؤال الذي وُلدت منه. فإذا كان السؤال ناقصًا، جاءت الإجابة ناقصة. وإذا كان السؤال خاطئًا، فلن تنقذها آلاف الوثائق.
ولهذا، أصبحت أقضي وقتًا طويلًا في صياغة السؤال، أكثر مما أقضيه في البحث عن جوابه.
حين بدأت العمل على كتاب «دينق قوج: المثقف العضوي وبناء الذاكرة الوطنية في جنوب السودان»، لم يكن سؤالي: متى ولد؟ أو أين عمل؟ فهذه أسئلة يمكن لأي سيرة ذاتية أن تجيب عنها.
كان السؤال الذي شغلني هو: كيف استطاع رجل واحد أن يتحول إلى جزء من الذاكرة الثقافية لوطن كامل؟
هذا السؤال هو الذي قادني إلى الوثائق، وإلى الشهادات، وإلى الأشخاص، وإلى التفاصيل التي ربما لم أكن لألتفت إليها لو اكتفيت بالأسئلة التقليدية.
ومنذ ذلك الوقت، تغيرت طريقة قراءتي للكتب.
لم أعد أقرأ لأجمع المعلومات، بل لأكتشف الأسئلة التي لم يجب عنها أحد.
ففي كل كتاب جيد، توجد صفحات مكتوبة، لكن توجد أيضًا صفحات بيضاء بين السطور. تلك الصفحات هي التي تنتظر الباحث القادم.
ولهذا، فإنني لا أخاف من قلة الإجابات، بقدر ما أخاف من قلة الأسئلة.
فالأمم التي تتوقف عن السؤال، تتوقف عن المعرفة.
والباحث الذي يكتفي بما وجده في المراجع، لن يضيف شيئًا إلى العلم. أما الذي يجرؤ على أن يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وماذا لو؟ فإنه يفتح أبوابًا جديدة أمام من سيأتون بعده.
لقد تعلمت من الصحافة أن السؤال قد يكشف حقيقة لا تكشفها الخطب الطويلة.
وتعلمت من القانون أن السؤال الجيد قد يغير مسار قضية كاملة.
وتعلمت من التوثيق أن السؤال الصحيح قد يقود إلى وثيقة لم يكن أحد يعلم بوجودها.
ولذلك، فإنني أنصح كل باحث شاب ألا يبدأ مشروعه بالبحث عن الكتب، بل بالبحث عن السؤال الذي يستحق أن يعيش معه سنوات.
فالموضوعات العظيمة لا تبدأ بإجابة عظيمة، وإنما تبدأ بسؤال صغير، يرفض أن يغادر عقل صاحبه.
وربما لهذا السبب، لا أعتقد أن مهمة الباحث هي أن يقدم للناس كل الإجابات.
يكفيه أحيانًا أن يمنحهم سؤالًا جديدًا، يجعلهم يرون العالم بطريقة مختلفة.
فالإجابة قد تُنهي الحوار.
أما السؤال الجيد... فهو بداية كل معرفة.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟