|
|
تونس وبلاغة الكذب المذهل
الطايع الهراغي
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 02:56
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
" إنّ أعظم أشكال الاستبداد تُرتكب دوما باسم أسمى القضايا" (توماس باين) "أعمى يقود بصيرا. لا أبا لكم // فقد ضلّ من كانت العميان تهديه" ( بشّار بن برد) "قسوة الأيّام تجعلنا خائفين من غير أن ندري تماما ما يخيفنا" (شكسبير)
ممّا يُنسب إلى أباطرة الفرس وملوكهم -على ذمّة ما هو مثبت في دفاتر التّاريخ وما تبوح به من نوادر عمّا يأتيه السّلاطين في الفضاء العربيّ والإسلاميّ من عجيب الأفعال والسّلوكات-أنّهم كلّما غضبوا من/ وعلى عاقل ينتقمون منه بأن يحبسوه مع جاهل.أمّا نظراؤهم من الحكّام الحاليّين لتونس"المريضة حسّا ومعنى"(طبقا للوصف المكثّف والدّقيق لابن أبي الضّياف لِما كان عليه حال الإيّالة في ظلّ حكم البايات)فهم،من باب التزام الأخلاف بالوفاء لتراث الأسلاف وحفظا له من التّلف ومن باب الإشادة بمناقبهم،أكثر تفنّنا واستمتاعا وقحا حيوانيّا باستنباط أساليب الانتقام من منافسيهم(أمر التّعامل مع الخصوم،تلك بليّة من فصيلة أخرى)وتحيينها وأكثر ساديّة في التّنكيل بهم. فهم إذا تبرّموا بمن يمكن أن يُبتلى بفرضيّة أن يكون يوما ما في عداد المعارضين تسارعوا إلى دمغه بتلك التّهمة الجاهزة التي توارثوها خلفا عن سلف وحاكما عن حاكم وأستماتوا في تحيينها وتحصينها وصيانتها: الخيانة الوطنيّة والعمالة للآخر والمروق على الحاكم والتّآمرعلى الدّولة.
*** عاهة المراهقة السّياسيّة الأزمة في تونس منتصبة وجاثمة على صدور العباد، تذكّر بالعهود البائسة وبأزمنة الأوبئة.منغلقة على نفسها،وإن انفتحت فلكي تفرّخ أزمات.تكتوي بها جميع فئات المجتمع. يترجمها ما يعتمل في الشّارع من فعاليّات حول مواضيع وملفّات حارقة (أيّا كان الموقف منها ومن طبيعتها ومن هويّة الجهات التي تؤثّثها).أمّا الحاكم فسبيله في التّعاطي مع انسداد الأزمة عجب عجاب: المكابرة والتّمادي في إنكار أيّة مسؤوليّة له في وجودها وفي تفاقمها.هو معنيّ فقط بالبحث عن براءة ذمّة لنظامه وتبليس منافسيه وخصومه وتلبيسهم مسؤوليّة ما نحن عليه من حال مأساويّ ورميهم بكلّ التّهم الممكنة،حتّى تلك التي لا تخطر على بال عاقل ولا تمتلك أدنى معقوليّة.في سرديّة الحاكم كلّ ما يجري مؤامرة بما في ذلك الأزمة ذاتها. يمكن لمن هو معنيّ بمتابعة الشّأن العامّ في بــرّ تونس أن يكتفي بقراءة الخطاب الرّسميّ وتفكيكه مجسّدا في ما يتلفّظ به رئيس دولتها في المناسبات التي يتيحها لنفسه ليدرك حجم الجريمة التي تُرتكب في حقّ الدّولة(ما هو حاصل من هرسلة واستخفاف وتنكيل بالتّوانسة،تلك بليّة أخرى).سنكتفي بالنّزر القليل من أقوال قيس سعيّد مادام بعضها يستنسخ بعضا. ونعتقد أنّها كافية للتّدليل على ما تتخبّط فيه البلاد من شطحات مارقة عن كلّ الأعراف.فاضحة إلى درجة تغني عن أيّ توضيح(التّشديد على أنّ مجال الاستشهاد هي أقوال رئيس الجمهوريّة - وليس غيره- مسألة ضروريّة): "أرجو أن يكون المستقبل قد مضى وما سيأتي أفضل بكثير ممّا مضى"(17 مارس 2021 ). / "كم ردّدتها من مرّة، أشعر بأنّني في بعض الأحيان من كوكب آخر"(31 ديسمبر2020) "آن الأوان لنصحّح التّاريخ ونصحّح مسار التّاريخ ونكون في موعد مع التّاريخ لنبني تاريخا جديدا"(5 ديسمبر 2024 ). الحقّ،كلّ الحقّ مع شاعر البذاءة مظفّر النّوّاب،شاعر المحن والشّجن.أعيته الحيلة في تدبّر الأوصاف التي تناسب حجم ما ارتكبه حكام "أمّـة اِقـرأ"من مصائب فاكتفى بالجزم بما يكون في غنى عن كلّ تعليق"الحكّام العرب هم شتيمة أكبر من أيّ شتيمة".آية ذلك أنّ ما بلغه واقعنا العربّي من عفونة يفيض على جنبيها العهر،مستكلبة مستفزّة بما يستدعي من أيّ مبدع التّصالح مع عالم الوقاحة وتطويعها وشحنها بما ترشح به في سرديّة تراثنا الهجائيّ من حمولة بذاءة إيحائية. فكان أن ابتدع منها مدوّنة هجائيّة،شعرا تكسوه هالة من الجماليّة.وسرّ جماليّته يكمن تحديدا في ما اتّسم به من سيولة تلك البذاءة الباذخة وانسيابها بشكل يعرّي كوم الفظاعات ويجعلها في غنى عن أيّة حاجة للتّهذيب أو التّلطيف أو ادّعاء الحياء الكاذب. لقد استباح الحكّام حقل القيم فما عاد للحياء موضع أو نصيب وردموه وتبوّلوا عليه على مرآى ومسمع من"خير أمة أخرِجت للنّاس".صرخة مظفّر"الله أكبر من قلّة الفهم"إذا رمنا ترجمتها إلى مفردات القاموس السّياسيّ التّونسيّ المحيّن (متى التزمنا بالحدّ المعقول من مقتضيات الانضباط لشروط الأمانة المعرفيّة تعريبا ونقلا)فيجب أن تكون: الله أكبر من فيض الفهم المقلوب على قفاه. إنّه لا يعمي فقط الأبصار بل يعمي أيضا القلوب التي في الصّدور . الحاكم في ربوعنا(ملك / أمير /رئيس/سلطان/عسكريّ ببزّة مدنيّة/ مدنيّ فــي بزّة عسكريّة)متعجرف بقدر الذلّ الذي جُبل عليه.أليق ما يوصف به قول شيخ الهجّائين "ويكذب ما أذللته بهجائه// لقد كان من قَبْـل الهجاء ذليلا" (المتنبّي). السّياسة -وأساسا السّلطة- في عرف حكّامنا وبالكيفيّة التي بها تشكّلت وترسّخت في ذهنيّـتهم فعل اغتصاب، أمّا التّداول على الحكم فبدعة البدع- إن صادف أن حصلت- فالفضل فيها يعود إلى ثورة دمويّة في أروقة القصر أو ثورة القبر.فلا غرابة أن ينكّل الحاكم العربيّ بشعبه. تختلف الأشكال والطّرائق والجوهر واحد. ما يكابده التّوانسة من معاناة- أفرادا وفئات- وما يطبع بلدهم من انحدار مرعب وغير مسبوق ينذر بكارث.مؤلم،مخــز، مخجل،مأساويّ،صادم ومناف لكلّ معقول. جريمة موصوفة أن تتحوّل ثورة بدت في حينها واعدة وكانت للأجيال حلما إلى لعنة وخطيئة. والأكثر غرابة أن يتمّ الإجهازعليها بمعول ذات الشّعارات التي صاغتها الثّورة وردّدتها حناجر المحتجّين في ما يشبه قصف الرّعد.وأدتها غِرْبَانُ بيــنِ لا تربطها بعالم الثّورات رابطة. مشوار التّجريب(وليس التّجربة)والتّخريب الذي قطعت فيه حكومات التّرويكات أشواطا بالاحتكام إلى سياسة الغلبة والمغالبة واتّكأت فيه على عقليّة الغُنم الغنيمة والتّحكّم (وليس الحكم)استكمله قيس سعيّد بأكثر الأشكال عنجهيّة استعداء وتشفّيا. معرّةٌ ما يجري من سياسة الخبط عشواء في بلد الحدّاد/الشّابي/حشّاد والحامّي. قمّة الرداءة والجلافة ما تُجبر تونس على أن تتقيّأه من نفايات سياسيّة مذهلة وشنيعة.سببها والقادح الرّئيسيّ فيها رغبة مجنونة منفلتة من كلّ عقال،هاجس السّلطة في الانتقام لنفسها من التّوانسة وتأديبهم على ما كانوا تسلّحوا به في لحظة زهو ونخوة من جرأة وغامروا بتطارحه ذات شتاء ساخن في شهر غالبا ما كان هو الآخر ساخنا،جانفي الجمر(2011):إمكانيّة القطع مع الاستيلاب المادّيّ/المعنويّ/ السّياسيّ/ القيميّ والفكريّ.بناء مجتمع الوطن والمواطنة بديلا عن مجتمع الرّاعي والرّعيّة. الفاعل الأساسيّ في تناسل نزعة الانتقام وتكاثرها واستفحالها هو استكلاب دولة حزب بن علي التي لم يغفر رجالاتها للتّوانسة صنيعهم. دولة تفاجأت بتهاوي رأس نظامها فترنّحت على وقع الصّخب الذي طبع الأشهر الأولى لهروب رأس النّظام وما صحبه من انفلات. وظلّت أجهزتها وأذرعها تترصّد الفرص وتتحيّنها بكثير من المخاتلة لاسترجاع مجدها ومجد الأخطبوط الطّبقيّ الذي تمثّل مصالحه وتحكم باسمه.انخرطت بوعي/بتخطيط وبقصديّة في إحياء التّفاهة وإعادة إنتاجها ورسكلة ما تقادم منها وما صدأ،مع استغلال ما يتاح من أطر في التّشنيع بالثورة وأبلستها واستبخاس من آمنوا بها وترذيل ما قامت من أجله لتهيئة الأرضيّة المثلى للانقضاض على السّلطة بأقلّ ما يمكن من المجازفة وركوب المخاطر . الانفلات،تلك السّمة الملازمة لكلّ التّحوّلات(وغالبا ما يكون أشمل وأعمّ وأكثر حدّة في الثّورات) والذي يمكن الجزم بأنّه في الحالة التّونسيّة خلّف أقلّ ما يمكن من الجراحات وقع تضخيمه وأسطرته بتعمّد وبشكل قصديّ ومدروس وسُوِّق على أنّه هو حقيقة الثورات وماهيّتها وليس مسألة عرضيّة محصورة في الزّمن يقع تخطّيها بزوال أسبابها. أيسر السّبل للثّأر من "المحظور" الذي وقع في 14جانفي وأكثر الطّرق السّيّارة تعبيدا ونجاعة هو توظيف ما تحوز عليه مؤسّسات الدّولة من خبرة لتسويق الرّداءة وتشريعها بالتّزكية مرّة وبالصّمت وغظّ الطّرف مرّات.ما الهدف من ذلك؟؟حمل التّونسيّ على التّطبيع مع الرّداءة والكفر بأيّ تغيير من خارج دواليب الدّولة وخيمتها.التّصحير الذي زرعه الحاكم ورعاه وصانه وعمّمه "حتّى لا يصيب الدّولة هرم"(طبقا لتلك العبارة التي كانت بمثابة النّشيد الرّسميّ لقيس سعيّد وشيعته)لم يكن اعتباطيّا،بل كان عملا مدروسا وممنهجا وبنزعة مشحونة بكلّ ما هو موروث عن العصور الخوالي من عقليّة الثّـأر.مساع حثيثة لتنميط كلّ أوجه حياة التّوانسة واستماتة في محاولات وأد الحراك الاجتماعيّ والتّلاعب بمصائر أجيال بحرمانها من استغلال وتوظيف ملكة تخيّل الأفضل. ذلك هو مصدرالإحساس الرّهيب بالضّيم والغبن وبالضّياع والاغتراب،يفوق ما كان تذمّر منه المؤرّخ هشام جعيّط أيّام حكم بن علي وحزبه:"أشعر أنّني مهان في انتمائي إلى دولة بلا أفق ولا طموح،دولة متسلّطة(هذا إن لم نقل استبداديّة) لا يوجد فيها علم ولا عقل ولا جمال حياة ولا ثقافة حقيقيّة. هذه الدّولة تقمعني وأنا أختنق" . ما هو مسلّط على التّوانسة عارٌ موجع لا يليق حتّى بتلك المجتمعات التي لم يسعفها الحظّ فتأخّر قطارها عن دخول غمار السّياسة والاكتواء بألاعيبها باكرا.وأكثر من فظيع هذا المناخ المميت الذي أريد له أن يخيّم على تونس ويجثم على جهازها التّنفسيّ في سائر مجالات الحياة ومناحيها .مشهديّة موغلة في العبث السّرياليّ. فيها تختلط كلّ جراحات المأساة بما يلزم من المضحكات (ولكنّه ضحك كالبكاء).عجينة من خليط نسيج وحده في الفرادة والغرائبيّة.تمتزج فيه مقوّمات الدّراما الباهتة بما يؤثّـث معالم كوميديا البؤس البائسة.حكاية قاتمة السّواد،من حكايات هذا الزّمان(وليس ذاك الزّمان).حالة من الابتلاء،في أبعاده السّياسيّة والفكريّة وليس في معناه الفقهيّ الدّينيّ،ترقى في أيّ مجتمع يعنيه أن ينظر إلى الأشياء بميزان العقل وتحترم نخبه الأبجديّات الدّنيا لما يفرضه المنطق في بعده الشّكلانيّ الصّوريّ(دعك من الانسجام والتّماسك والغائيّة. فتلك حكاية من عالم آخر)إلى مستوى الجريمة المجتمعيّة وليس فقط إلى مرتبة جريمة دولة. شعار"لا خوف بعد اليوم"الذي بشّرت به الثّورة وبه دشّنت ملامح افتتاحيّتها المنفلتة من دبرالتّاريخ وكان يُنتظر أن يشكّل ملامح مرحلة ما بعد 14 جاتفي 2011 وقع وأده وسلخه بتشفّ،ورُدّ إلى مستوى خطرفة الأحلام العصيّة. يوما بعد يوم ومع تواتر الاعتداءات البدائيّة على الفعل السّياسيّ في حدوده الدّنيا يتبيّن أنّ الخوف المركّب والدّراميّ صار لازمة.خوف من المستقبل الذي حجبته قتامة الألوان السّوداء الدّاكنة وعتّمته الرّؤيـا (وليس الرّؤيـة) العمياء لمن حكم التّاريخ بأن يكونوا للبلاد قادة في مرحلة حسّاسة من تاريخها ويتعاقبوا على حكمها. خوف من الآفاق المسدودة والمردومة بكوم التّرّهات والأوهام. خوف من الأنفاق التي تبدو بلا نهاية وبلا مخرج.خوف من اليأس المعمّم والمخيّم على سلوك وتفكير كلّ فئات الشّعب التّونسيّ، حتّى تلك التي يفترض أنّها مستفيدة من تأزّم الأزمة وانغلاقها على نفسها. الاستبداد في تمظهره الأكثر تعجرفا وبدائيّة والذي كنّا اعتقدنا أنّه أضحوكة بائسة من أيّام ماض بائس بات معيشا يوميّا يُطلب من التّوانسة أن يتطبّعوا به ويتعايشوا معه ويعيشوا ويلاته في أكثر أشكالها رداءة.حالة هلع مجتمعيّ مدمّر تذكّر بما عاشته تونس أيّام كوارث الكورونا وصدماتها.سلطة حاكمة يسكنها الخوف. تحترس حتّى من ظلّها وتتوجّس من رجع صدى أصوات المتيّمين بها. تترنّح في فضاء الهلاميّات. تتعاطى السّياسة بعقليّة المراهقة والهواية.مستميتة في المكابرة والاستنطاح ومصرّة بعناد أرعن ركيك على عدم التّفريق بين مجال البلاغة وموجباتها وحتّى حدودها)وعالم السّياسة بتشعّباته وإكراهاته وما تحتّمه من سلوك براغماتيّ لا مجال فيه لتخمين أو عاطفة ولا لبلاغة ماقتلت يوما ذبابة . عشريّة التّرويكات،العشريّة السّوداء في معجميّة اليسار والدّيمقراطيّين ثم لاحقا في قاموس أنصار الرّئيس ومشايعيه من كلّ الملل والنّحل،التي كان معارضو حكوماتها يجزمون بأنّها وصمة عار ونشاز لا يليق بتاريخ تونس الثائرة سرعان ما تبيّن بعد مدّة وجيزة من انتصاب قيس سعيّد حاكما أوحد على البلاد (وليس للبلاد)وعلى العباد أنّها ليست نسيج وحدها في الرّكاكة والتّعاسة وليست أكثر بؤسا ونكوصا من عهد من قدّم نفسه منقذا أعلى وسايره في ذلك طيف واسع من خليط عجيب(ماركسيّ على قوميّ على ديمقراطيّ على حداثيّ )مّمن أرهقهم العجز على منافسة النّهضة. فما بالك بهزمها.
*** فوبيا اليتم السّياسيّ "غريب كصالح في ثمود" هكذا وصف قيس سعيّد(الرّئيس وليس المترشّح للرئاسة) نفسه بنفسه وشخّص محنته وابتلاءه ومنزلته بين بني قومه .حالة من التّوحّد والاستلاب القصوويّ تحوّلت بحكم تمثلها واستبطانها وما يتداوله النّاس عنها إلى فوبيا. مصدرها كونه على يقين إيمانيّ عجائزيّ من أنّه مكلّف بالتّبشير برسالة.وككلّ رسالة تبليغها واجب مقدّس يعيشها صاحبها مكابدةَ ومجاهدةً مادام تركها يُعدّ كبية من أمّهات الكبائر .وأغلب الظن أنه يجد كثيرا من الاستمتاع وهو يعلن ذلك على الأشهاد.أليس هو القائل "أشعر في بعض الأحيان أنّني من كوكب آخر"؟؟.فأيّة غرابة أن يكون مفتونا بتسيير دواليب المجتمع المرئيّة والمحسوسة بالرّؤيا وليس بالرّؤية؟؟.يسكنه هاجس هلوسة، بحكم اجتراره بشكل هذيانيّ وغالبا بدون موجب، تحوّل إلى حالة من التّوحّد الهستيريّ والشّكّ الملتبس: تآمرالكلّ (الدّاخل والخارج )على دولته. حكّام الصّدفة من بني جلدتنا دوما يلاحقهم هاجس مرَضيّ يؤرّقهم ويرعبهم:عذاب الذّاكرة وانتقامها.التّاريخ- بنجاحاته وحتّى بخيباته- حِمل ثقيل. كابوس مزعج. وماداموا غرباء عنه فهو يحيلهم باستمرار إلى تعاظم صغائرهم وتهافتها.هو أشبه بحبل المشنفة المتدلّي في غرفة المحكوم بالاعدام. يذكّره دوما بأن لتنفيذ الحكم- مهما تأخّر- موعدا، تماما كما تذكّر الأيّام الحكّام بساعة انتقام أنّى لهم أن يستبصروا مصدرها،ميقاتها وملابساته.فلا يبقى لهم من المخارج غير أرذلها:تكديس كلّ ما يعتقدون أو يتخيّلون أنّه ضروريّ من حلول وإجراءات أمنيّة لحماية الكرسيّ تحت يافطة تلك الكذبة المكرورة، حماية هيبة الدّولة. قضت الصّدفة أن تكون المسؤولية(في وضعية الحال عبء)أكبر من حاكم تونس.وحكمت عليه أن يظلّ مغتربا في تفكيره وأحاسيسه وسلوكاته وانفعالاته.تسيطر عليه فكرة وتستهويه كونه متميّزا عن غيره من بني جنسه من الأعراب والأغراب. لا شيء يشدّه إلى تونس التي عاش دوما على هامش تاريخها وباختيار منه . ومن لا يملك تاريخا (حتّى بالمعنى السّلبيّ) عليه يتّكئ ويعنيه أن يصونه محكوم عليه إذا قــدِّر له أن يتحمّل مسؤوليّة عليا أن يرتكب أشنع الحماقات.يحلو له أن يحكم البلاد بالرّعوانيّ ويستطيب ذلك.يجد متعة في التّجاهر باستعداء كلّ ما هو حيويّ في المجتمع .محكوم عليه أن يظلّ مفصولا عن الحاجيّات الملحّة للتّوانسة. فما بالك بالآفاق التي يتوقون إليها ويوما ما كانوا تخيّلوا أنه بالإمكان بلوغها . من دولنة المجتمع في عهد بن علي عبر تعليب الحزب للسّلطة بالاتّكاء على الأذرع الأمنيّة (البوليس أساسا) إلى استهتار التّرويكات بالدّولة والمؤسّسات إلى الانحدار إلى ما دون الدّولة.تلك هي رحلة التّوانسة مع من حكمهم بعد الثّورة.
#الطايع_الهراغي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
54 سنة على استشهاده/ غسّان كنفاني الحاضر أبدا.
-
ثورة التّوانسة/ بين فورة الرّغبة ومكر التّاريخ
-
تونس= مؤتمر اتّحاد الشّغل بين فداحة الموجود وإرهاص المنشود
-
30 مارس ذكرى يوم الأرض/ هنا باقون-زوبعة من نار-
-
تونس=دفاعا عن استقلاليّة المنظّمات
-
13 سنة على استشهاده/ شكري بلعيد سيظلّ الشّهيد السّعيد
-
في ذكرى 14 جانفي/ ماذا تبقّى من ثورة التّوانسة؟؟
-
الذّكرى التّسعون لوفاة الطّاهر الحدّاد/ معركة التّفكير والتّ
...
-
اهتبال النّّخبة وهجانتها/ النّخبة التّونسيّة نموذجا
-
تونس ومعضلة القلق الدّائم
-
عربدة منفلتة في مدار جراح شاردة
-
تونس/ اتّحاد الشّغل: ثقل الإرث وانزلاقات التّاريخ
-
تونس =فوبيا استهداف المنظّمات/ انتصارا لاتّحاد الشّغل
-
محنة الكتابة/ فتنة السّؤال وصخبه
-
الذّكرى الثّالثة والخمسين لاستشهاد غسّان كنفاني/- لا تمت قبل
...
-
التّسوّح السّياسيّ= عاهاته وعذاباته
-
هرطقات تونسيّة خارج النّصّ
-
الإسلام السّياسيّ معضلة وبدائله الجنيسة أوهام
-
توهّج الكتابة/ ألق الفكرة/ تنطّع العبارة
-
تونس= من سطوة الحزب الواحد إلى سطوة الفرد الأوحد
المزيد.....
-
استطلاع مثير للجدل: خمس الشعب الألماني مستعد للمغادرة في حال
...
-
ولاية ساكسونيا-أنهالت..من مهد الإصلاح الديني إلى اختبار اليم
...
-
When the Mountain Broke: Inside Nepal’s Deadliest Himalayan
...
-
فرنسا: اليمين المتطرف يتهم اليسار بتهديد السلم الأهلي قبيل ا
...
-
اضطرابات في معسكر نتنياهو بسبب التوتر داخل اليمين المتطرف
-
محافظة القاهرة.. حزب التجمع ينتخب لجان أقسام المطرية وبولاق
...
-
The USS Lincoln’s -Leisure Trip’ to Thailand: A Port Call of
...
-
بيان بمناسبة اليوم العالمي لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء ا
...
-
Brazil Must Not Surrender Its Critical Minerals
-
How the US is Driving the Rise of the Businessmen-Politician
...
المزيد.....
-
حينما غضب النيل
/ ماهر الكرارسي
-
في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما
...
/ محسين الشهباني
-
ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا
...
/ بن حلمي حاليم
-
ثورة تشرين
/ مظاهر ريسان
-
كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها
/ تاج السر عثمان
-
غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا
...
/ علي أسعد وطفة
-
يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي
/ محمد دوير
-
احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها
/ فارس كمال نظمي و مازن حاتم
المزيد.....
|