أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 14:26
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
كثيرًا ما نردد أن الأمم لها ذاكرة، لكننا نادرًا ما نسأل: كيف تتكون هذه الذاكرة؟
هل تنتقل من جيل إلى جيل كما تنتقل الملامح؟ هل تكبر وحدها مع مرور الزمن؟ أم أنها تحتاج إلى من يبنيها ويحميها؟
لقد أدركت، بعد سنوات من القراءة والبحث، أن الذاكرة لا تورث كما تورث البيوت والأراضي. إنها تُبنى كل يوم، بكتاب يُؤلف، ووثيقة تُحفظ، وصورة تُؤرشف، وشهادة تُسجل، وقصة تُروى قبل أن يبتلعها الصمت.
ولو كانت الذاكرة تورث وحدها، لما فقدت الإنسانية هذا القدر الهائل من تاريخها. ولما ضاعت حضارات كاملة لأن أحدًا لم يكتب عنها، أو لأن ما كُتب لم ينجُ من النار أو الحرب أو الإهمال.
كل جيل يبدأ، في الحقيقة، من حيث انتهى الجيل الذي سبقه في حفظ المعرفة. فإذا كان السابقون أمناء على ذاكرتهم، وجد اللاحقون أرضًا صلبة يقفون عليها. أما إذا أهملوا ذلك، اضطر كل جيل إلى أن يبدأ من جديد، وكأنه أول من يعيش على هذه الأرض.
ولعل هذا ما يفسر الفارق بين الأمم التي تتقدم، والأمم التي تكرر أخطاءها.
فالأولى تبني فوق ما أنجزه السابقون، بينما الثانية تهدم ثم تعيد البناء، لأنها فقدت الخرائط التي تركها من سبقها.
ومن هنا، فإنني لا أنظر إلى التوثيق بوصفه عملاً موجهًا إلى الماضي، بل أراه استثمارًا في المستقبل. فالكتاب الذي نكتبه اليوم، قد يكون بعد خمسين عامًا المرجع الوحيد الذي يعتمد عليه باحث لم يولد بعد.
وقد علمني عملي في التوثيق أن الذاكرة ليست ملكًا لجيل واحد. إنها أمانة تنتقل من يد إلى يد. وكل جيل مسؤول عن أن يسلمها أكثر اكتمالًا، لا أكثر فقرًا.
ولهذا، فإن مسؤولية الباحث لا تقتصر على اكتشاف المعلومات، بل تمتد إلى حفظها بطريقة تجعلها قابلة للحياة بعد رحيله. فكم من عالم جمع علمًا غزيرًا، لكنه رحل قبل أن يدونه، فضاع علمه معه. وكم من باحث ترك خلفه كتبًا ووثائق، فظل حاضرًا في عقول الناس بعد عقود من وفاته.
إن الإنسان يفنى، أما المعرفة فبإمكانها أن تعيش، إذا وجدت من يصونها.
ولذلك، فإنني كلما بدأت مشروعًا جديدًا، لا أفكر في قارئ اليوم وحده، بل أتخيل قارئًا سيأتي بعد عشرات السنين، يبحث عن إجابة لسؤال لم نجد له جوابًا في زماننا. وأتمنى أن يجد في ذلك الكتاب ما يساعده على الفهم، لا أن يبدأ رحلته من الصفر.
إن الذاكرة لا تُمنح للأمم هدية، بل تُبنى بصبر، وتُصان بالوعي، وتُنقل بالكتابة.
ولهذا، فإن أعظم ميراث يمكن أن يتركه جيل لمن بعده، ليس الثروة، ولا المباني، ولا المناصب، وإنما ذاكرة صادقة، تحفظ للناس أسماءهم، وللأماكن قصصها، وللوطن تاريخه.
فالأوطان التي تبني ذاكرتها، تبني مستقبلها.
أما الأوطان التي تفرط في ذاكرتها، فإنها تترك أبناءها غرباء في تاريخهم.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟