أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نافع شابو ابراهيم - الأيديولوجيا عندما تُحيّد الإنسانية: من قصة -وفاء البس- إلى أزمة الفكر الشمولي















المزيد.....

الأيديولوجيا عندما تُحيّد الإنسانية: من قصة -وفاء البس- إلى أزمة الفكر الشمولي


نافع شابو ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 13:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بقلم: نافع شابو
كثيراً ما يتوقف التاريخ أمام لحظات كاشفة تختصر في جوهرها نزاعاً فكرياً وإنتاجات عقائدية تمتد لعقود. إحدى هذه اللحظات تمثلت في التناول الإعلامي الشهير الذي وثّقه الصحفي الأمريكي "ليلاند فيترت" (Leland Vittert) عند إجرائه مقابلة مع الشابة الفلسطينية "وفاء البس".

تلك القصة لم تكن مجرد حادثة عابرة في سجل النزاعات المسلحة، بل تجسيداً حياً لما تفشيه الأيديولوجيات الشمولية المغلقة عندما تسيطر على الوعي الفردي، وتستبدل الغريزة الفطرية وحس الامتنان الإنساني بيقين مسبق يبرر المحو والتدمير.
أولاً: واقعة "وفاء البس".. اللحظة التي يُلغى فيها العقل
تتلخص القصة في تعرض الشابة وفاء لحروق بالغة هددت حياتها، لتتلقى العلاج الرؤوف والرعاية الطبية المكثفة لسنوات داخل مستشفى "سوروكة" الإسرائيلي ، كما واصلت دراستها وحصلت على شهادة جامعية وهي في السجن. ورغم هذا الصنيع الإنساني الذي يعيد ترميم الجسد والحياة، تم تجنيدها من قبل منظمة حماس لتنفذ هجوماً انتحارياً بحزام ناسف. والغريب أن الهدف الذي وقع عليه الاختيار لم يكن مقراً عسكرياً، بل كان المستشفى نفسه الذي ضمد جراحها وأنقذ حياتها.
حين سألها الصحفي ليلاند فيترت بعد سنوات من سجنها والإفراج عنها، وعرض عليها مشاهد محاولتها التفجيرية، عما إذا كانت نادمة أو مستعدة لتكرار الفعل، جاء ردها بلا تردد: "بالتأكيد، في أي لحظة.. هذا قَدَري".
هذا الموقف يُبرز بوضوح نقطة الانفصال التام عن المنطق الإنساني؛ حيث لا يشفع الفضل، ولا تؤثر الرعاية الطبية، بل يتم اختزال الإنسان الآخر —مهما قدم من إحسان— في قالب "العدو الكافر" الذي يتوجب إفناؤه.
ثانياً: تشريح العقلية الأيديولوجية الراديكالية
إن الحالة التي أظهرتها "وفاء البس" ليست سلوكاً فردياً معزولاً، بل هي نتاج حتمي للبنية الفكرية التي تتشاركها الجماعات والتنظيمات ذات الأيديولوجية الإسلامية الشمولية، على تنوع مظاهرها وتكتيكاتها (من إخوان مسلمين، وحماس، وقاعدة، وداعش، وتنظيمات ولائية أخرى):
1. ثنائية التقسيم الحاد للعالم: إلغاء المساحات الرمادية وتقسيم البشرية بشكل قاطع الى معسكرين متناقضين معسكر "الأيمان المطلق" ومعسكر" الكفر المطلق"، مما يسقط أية قيمة للقيم الإنسانية المشتركة.
2. الاستعلاء بالأيديولوجيا: شعور المؤمن بهذه المنظومة بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة والتكليف الإلهي، مما يجعله يرى التضحية بالنفس وقتل الآخرين ليس جُرمًا، بل "تقرباً وإرضاءً للمقدس".
3. تغليب الغاية على الوسيلة: إهدار الكرامة الإنسانية وغريزة الحياة في سبيل أهداف غيبية أو سياسية، بحيث يُصبح الموت غاية بحد ذاته.
وقد سبق للفيلسوف والمفكر الألماني كارل ماركس أن أشار إلى خطورة توظيف العقائد حين وصف الدين في السياقات الاستغلالية بأنه "أفيون الشعوب"؛ لأنه يقوم بتخدير الوعي وتغييب العقل السليم لصالح أوهام وتصورات تلغي منطق الواقع وعلاقاته الإنسانية الطبيعية.
ثالثاً: هل الأيديولوجيا الدينية أشد خطراً من النازية والفاشية؟
تاريخياً، استندت النازية والفاشية إلى التفوق العرقي والسياسي، وسعت لبسط نفوذها بالقوة العسكرية. إلا أن الأيديولوجيات الدينية المغلقة تتجاوز ذلك في درجة خطورتها من عدة جوانب:
• الارتكاز على "المقدس الإلهي": بينما تستند الفاشية إلى أفكار بشرية وقادة أرضيين يمكن دحض أفكارهم وهزيمتهم تاريخياً، في حين تستند الأيديولوجيات الدينية إلى نصوص يُسبغ عليها الطابع الإلهي الخالد، مما يجعل التراجع عنها بالنسبة للمؤمن بها بمثابة خيانة للعقيدة.
• إلغاء غريزة الردع: الدبابات والأسلحة المتطورة قد ترتدع أمام قوة مماثلة، لكن الشخص المتشبع بالأيديولوجيا الانتحارية لا يرى في الموت هزيمة، بل يعتبره بوابة للخلود و"تذوقاً للجنة".
رابعاً: سبل المواجهة.. نحو مقاربة أكاديمية وفكرية شاملة
لقد أثبتت العقود الماضية أن المواجهة العسكرية والأمنية —رغم أهميتها في تقويض القدرات المادية للتنظيمات— تعجز وحدها عن إماتة الأفكار. فالرصاص يقتل الأفراد، لكنه لا يدحض الحجة، بل قد يُحولهم إلى "أيقونات" تُغذي طاقة التجنيد. إن اجتثاث الأيديولوجيات الراديكالية يتطلب تفكيكاً عميقاً على عدة مستويات أكاديمية ومعرفية:
• المقاربة المعرفية (الإبستمولوجية) والتاريخية: وتتمثل في كسر "احتكار الحقيقة المطلقة" من خلال تطبيق المنهج التاريخي النقدي على النصوص. وهذا يعني دراسة الفكر الديني كمنتج تفاعل مع ظروف سياسية واجتماعية محددة تاريخياً، وتجريد التفسيرات البشرية من هالة القداسة التي تُضفى عليها لتبرير العنف.
• المقاربة الفلسفية والسياسية (ترسيخ العلمانية والمواطنة): بناء وعي مجتمعي يفصل فصلاً قاطعاً بين "الميتافيزيقي" و"السياسي". فالأيديولوجيات الشمولية تقتات على دمج السلطتين؛ لذا فإن الحل يكمن في تكريس "الدولة المدنية الحديثة" التي تعتمد العقد الاجتماعي وحقوق الإنسان كمصادر للتشريع، وليس النصوص العابرة للتاريخ.
• المقاربة السوسيولوجية والنفسية (السلوكية المعرفية): تفكيك سيكولوجية الجماهير لدى هذه الجماعات التي تعتمد على طمس "الفردانية" لصالح "الهوية القطيعية". يتطلب ذلك تدخلات قائمة على علم النفس المعرفي لمعالجة "عقدة المظلومية" وصدمات الاغتراب التي تُستغل لبرمجة الأفراد كأدوات قتالية، وإعادة تأهيلهم لقبول التعددية ونسبية الأفكار.
خاتمة
إن قصة "وفاء البس" والصحفي "ليلاند فيترت" هي بمثابة جرس إنذار يذكر العالم بأن المعركة الحقيقية التي تواجه البشرية اليوم ليست معركة جيوش وأسلحة فحسب، بل هي معركة وعي وفكر. إن تحرير العقل البشري من القوالب الأيديولوجية الشمولية، وإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان والحياة، هما السبيل الوحيد لإنقاذ المجتمعات من ظلمات التعصب والمحو الذاتي.
المراجع:
1. نافع شابو ، سلسلة مقالات "الإسلام عقيدة أيديولوجية أخطر من النازية والفاشية"، موقع الحوار المتمدن (أعداد ومنشورات مختلفة).
2. ليلاند فيتر (Leland Vittert) تصريحات وتقارير مسجلة عبر شبكة NewsNation ومقابلته الأصلية لشبكة Fox News حول تجربته مع الشابة وفاء البس في غزة عام 2011.
3. حنة أرندت: أسس التوتاليتارية (الشمولية)، دراسة أكاديمية في آليات عمل الأيديولوجيات التي تسعى للسيطرة التامة على العقل وتذويب الفرد في المجموع.
4. كارل ماركس : مساهمة في نقد فلسفة الحق لهيجل (1843)؛ المصدر الفلسفي لمقولة "الدين أفيون الشعوب" وارتباطها بتغييب الوعي الجمعي.
لقاء ليلاند فيترت حول محاولة التفجير الانتحارية
يوثق هذا المقطع شهادة الصحفي ليلاند فيترت حول مقابلته مع وفاء البس، وهو ما يعكس بشكل واقعي الأبعاد الأيديولوجية التي تناولتها المقالة.



#نافع_شابو_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زلزال الشرق الأوسط: هل يعيد التاريخ نفسه بين سقوط العثمانيين ...
- سورة القدر في ضوء أبحاث كريستوفر لوكسنبرغ ونافع شابو
- بين شعار الثورة وواقع الخراب: كيف كشفت الحروب حقيقة الأيديول ...
- بين شعار الثورة وواقع الخراب: قراءة في مسار الثورة الإسلامية ...
- ألأسلام ألأول كان طائفة نصرانية ج3 من هم النصارى ؟ وما علاقت ...
- ألأسلام ألأول كان طائفة -نصرانية-


المزيد.....




- قاسم يوجه دعوة للدول العربية والإسلامية ويحذر: أمريكا تهيئ ا ...
- نعيم قاسم يوجه دعوة إلى الدول العربية والإسلامية ويؤكد أهمية ...
- تحذير أمني خطير لنتنياهو.. تصاعد -الجريمة القومية- اليهودية ...
- 4 بريطانيين يعترفون بإحراق سيارات إسعاف تابعة لمنظمة يهودية ...
- ولي عهد الأردن يصطحب ابنته الأميرة إيمان إلى المسجد
- تزايد الثقة برئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي إيبا بوش
- رضائي: نؤيد أي مشروع للوحدة الإسلامية بشرط .. مصر وإيران يجب ...
- -نهج الله هو الرحمة والعدالة-... ناشطون يهود يواجهون عنف الم ...
- اليابان تحظر المساجد والأذان والبرقع.. ما حقيقة القوانين الم ...
- سموتريتش يعرض خطة جديدة تهدف إلى تعزيز الاستيطان اليهودي في ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نافع شابو ابراهيم - الأيديولوجيا عندما تُحيّد الإنسانية: من قصة -وفاء البس- إلى أزمة الفكر الشمولي