أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عماد حسب الرسول الطيب - أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي 5. الفتوحات وإعادة تشكيل الثروة والسلطة















المزيد.....

أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي 5. الفتوحات وإعادة تشكيل الثروة والسلطة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 02:55
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لا يكتمل فهم موقف أبي ذر من المال دون الانتقال من النصوص التي استند إليها إلى الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي أصبحت تلك النصوص تواجهه. فالفتوحات الإسلامية غيّرت ليس فقط حجم الموارد الواقعة تحت سلطة الدولة، بل طبيعة العلاقة بين الأرض والمنتج والسلطة والفائض. خلال عقود قليلة، انتقلت الجماعة السياسية الإسلامية من دولة محدودة المجال والموارد إلى دولة إمبراطورية تسيطر على أراضٍ زراعية واسعة ومدن تجارية ومصادر مالية مستقرة. ومع هذا الانتقال ظهرت مسائل لم تكن مطروحة بالحجم نفسه من قبل: من تكون له حقوق التصرف في الأراضي المفتوحة، ومن يملك حق الانتفاع بعوائدها، ومن يقرر توزيع الخراج والفيء، وما حدود حق السلطة في منح الأرض والمال للأفراد؟ عند هذه النقطة لم يعد الموقف من الثروة مسألة زهد فردي فقط، بل أصبح جزءاً من الصراع حول طبيعة الدولة الناشئة ومن يملك مواردها ولصالح من تُدار.

قبل الفتوحات الكبرى كانت موارد الجماعة الإسلامية محدودة مقارنة بما ستصبح عليه لاحقاً، وكانت الغنائم مرتبطة أساساً بالحرب وبآليات توزيع حددها التشريع والممارسة النبوية. لكن اتساع الفتوحات في عهد عمر، ثم استمرارها وتوطيد الإدارة وتدفق الموارد في عهد عثمان، غيّر طبيعة المسألة. لم تعد الدولة الناشئة تتعامل فقط مع غنائم تُقسم بعد معركة، وإنما مع أراضٍ وسكان وإيرادات زراعية وتجارية وضرائب وخراج وعطاءات مستمرة. وهذا التحول مهم للغاية، لأن الغنيمة تُستهلك وتوزع في لحظة محددة، بينما الأرض والخراج والجباية تنتج دخلاً متكرراً يمكن للسلطة أن تتحكم في تحصيله وتوزيعه. وهنا انتقل الصراع من سؤال "كيف توزع غنيمة الحرب؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: من يسيطر بصورة مستمرة على الموارد وما يمكننا تحليلياً أن نسميه الفائض الاجتماعي الذي تنتجه الأراضي المفتوحة، ومن يملك سلطة تحصيله وتحديد أوجه توزيعه؟

تكشف قضية أراضي السواد في العراق بصورة واضحة أن هذه المسألة كانت سياسية منذ وقت مبكر. اختار عمر بن الخطاب، وفق الرواية التاريخية المشهورة، ألا يقسم أرض السواد بين المقاتلين باعتبارها غنيمة، وأن تبقى الأرض في أيدي أهلها لزراعتها، مقابل خراج يورد إلى بيت المال. لم يكن هذا القرار مجرد إجراء مالي تقني؛ فقد كان اختياراً لطريقة معينة في تنظيم العلاقة بين الأرض والدولة والمقاتلين والسكان المحليين، وأظهر أن توزيع موارد الفتح لم يكن مسألة محسومة بصورة تلقائية. كان بالإمكان تصور الأرض باعتبارها غنيمة توزع على الفاتحين، كما كان بالإمكان تصورها مورداً مستمراً للجماعة والدولة. واختيار أحد المسارين كان يعني، في النهاية، اختيار شكل معين للعلاقة بين الأرض والمنتجين والدولة، وبالتالي اختيار طريقة معينة لاستخراج ما يمكننا، بالمعنى التحليلي، تسميته الفائض الزراعي وتوزيعه عبر الزمن. وهنا يبدأ التحليل الطبقي في اكتساب مادته الحقيقية: ليس السؤال فقط من يملك الأرض قانونياً، وإنما من يسيطر على شروط إنتاج الثروة، ومن يملك سلطة انتزاع جزء منها، ومن يقرر أين يذهب ذلك الجزء. هذه التحولات هي التي تجعل موقف أبي ذر من الكنز قابلاً للفهم تاريخياً؛ فالمال الذي كان يعترض عليه لم يعد مجرد مال فردي معزول، بل صار جزءاً من حركة ثروة أكبر أنتجتها الفتوحات وأعادت الدولة توزيعها داخل المجتمع.

غير أن إبقاء الأرض في أيدي أهلها مقابل خراج يذهب إلى بيت المال لم يلغِ مشكلة التفاوت، بل نقلها إلى مستوى آخر. فحين تصبح الدولة هي التي تجمع الإيرادات وتقرر أوجه توزيعها، يصبح موقع الفرد داخل جهاز السلطة عاملاً مهماً في الوصول إلى الموارد والامتيازات. ومع توسع الدولة الناشئة نشأت آليات العطاء والديوان والقطائع والهبات، وأصبح موقع الولاة والقادة وكبار رجال الإدارة داخل جهاز الدولة يمنحهم قدرة أكبر على الوصول إلى الموارد والتأثير في طرق توزيعها. لم تكن هذه العملية تعني نشوء رأسمالية بالمعنى الحديث، لكنها أدت إلى تركز متزايد للثروة والنفوذ في أيدي فئات مرتبطة بالدولة وبمراكز القوة فيها. ومن هنا ينبغي أن نقرأ التحول الاقتصادي الذي رافق الفتوحات: ليس بوصفه انتقالاً بسيطاً من "الفقر إلى الغنى"، وإنما بوصفه انتقالاً إلى مجتمع أصبحت فيه السيطرة السياسية على موارد إمبراطورية واسعة مصدراً أساسياً للثروة والامتياز. ولا يعني وجود تفاوت في الثروة أن المجتمع كان قد تشكل بالفعل على صورة طبقات بالمعنى الذي عرفته الرأسمالية الحديثة؛ فالتفاوت الطبقي لا يُستنتج من اختلاف الثروة وحده، وإنما من موقع الجماعات المختلفة في عملية الإنتاج والسيطرة على شروطه واستخراج الفائض.

وهنا تكتسب الآية القرآنية المتعلقة بالفيء أهمية خاصة: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. لا ينبغي تحويل هذه الآية إلى نظرية اقتصادية حديثة، لكنها تتضمن مبدأً يتعلق بمنع انحصار الفيء في دائرة الأغنياء. هذه النقطة مهمة في قراءة أبي ذر، لأن اعتراضه اللاحق على تراكم الثروة لم يظهر في فراغ تشريعي؛ كان يتحرك داخل منظومة دينية تحتوي بالفعل على نصوص تجعل تداول الفيء ومسؤولية الأغنياء تجاه المحتاجين قضية عامة، لا شأناً خاصاً بالمالك وحده. ولذلك فإن السؤال الذي طرحه أبو ذر لم يكن غريباً تماماً عن الإسلام المبكر، وإنما كان يتعلق بمدى تطبيق مبادئه عندما أصبحت الدولة الناشئة تسيطر على موارد لم يعرفها المجتمع في مرحلته الأولى بهذا الحجم.

لابد هنا من التمييز بين أنواع الموارد التي نتحدث عنها، لأن جمع الغنيمة والفيء والخراج والقطائع في مفهوم واحد يفسد التحليل بدلاً من أن يقويه. الغنائم هي ما يُؤخذ من أموال العدو في سياق القتال، وقد حدد القرآن قواعد لتقسيمها. والفيء ارتبط، في التصور الفقهي، بما يؤول إلى المسلمين من أموال العدو من غير القتال المباشر، وارتبط به تنظيم خاص في سورة الحشر. أما الخراج فقد أصبح من أهم موارد الدولة المرتبطة بالأراضي الخراجية، وتطورت طرق تقديره وجبايته مع توسع الدولة، مع الإشارة إلى أن الخراج لم يكن مفهوماً ثابتاً واحداً منذ البداية، بل تعددت صوره ومقاديره وإدارته. أما القطائع فكانت تخصيصات أو منحاً من الأرض أو منافعها تمنحها السلطة لأفراد أو جماعات، وفق صور اختلفت باختلاف السياق، ولا ينبغي أن تُفهم كل القطائع باعتبارها فساداً أو امتيازاً شخصياً؛ فقد كانت لها صور ووظائف مختلفة. المسألة ليست وجود القطائع في ذاته، بل موقعها داخل بنية توزيع الموارد وعلاقتها بإعادة إنتاج النفوذ السياسي. اختلاف هذه الموارد يكشف أن "الثروة" نفسها كانت تدخل إلى الدولة من قنوات متعددة، وأن الصراع حولها كان يجري عبر مؤسسات وآليات مختلفة. كما ينبغي الانتباه إلى أن الاستعمال التاريخي لهذه المصطلحات وتحديد حدودها لم يكن دائماً مطابقاً للصياغات الفقهية التي استقرت في القرون اللاحقة؛ ولذلك نستخدمها هنا بوصفها أدوات للتمييز بين الموارد، لا باعتبارها نظاماً قانونياً مكتمل الحدود منذ اللحظة الأولى.

ومن هنا أيضاً ينبغي أن نكون حذرين في استخدام مصطلحات مثل "الإقطاع" و"الرأسمالية". لم يكن المجتمع الذي نشأ بعد الفتوحات مجتمعاً رأسمالياً يقوم على العمل المأجور وامتلاك وسائل الإنتاج بهدف استخراج فائض القيمة، ولذلك فإن إسقاط مفهوم الرأسمالية عليه إسقاط تاريخي واضح. ولم يكن "إقطاعياً" بالمعنى الأوروبي الدقيق الذي تشكلت فيه علاقات تبعية فلاحية وإقطاعية محددة في العصور الوسطى الأوروبية. الأدق هو القول إن الدولة الإسلامية المبكرة، مع تحولها إلى دولة إمبراطورية، بدأت تطور نظاماً مالياً وإدارياً واسعاً يقوم على الخراج والجباية والعطاء والفيء والغنائم، وتداخلت داخله الملكية الخاصة مع الموارد العامة والامتيازات التي تمنحها السلطة. لم تكن المسألة أن الثروة زادت فحسب؛ بل أن السلطة أصبحت تمسك بمفاتيح الوصول إلى جزء متزايد من الفائض، وأن الموقع السياسي بدأ يتحول إلى مصدر للامتياز المادي. وفي هذا النظام ظهرت إمكانات جديدة لتراكم الثروة لدى النخبة السياسية والمالية، وهو التغير الذي يجعل موقف أبي ذر قابلاً للقراءة ضمن تحليل مادي دون أن نحوله إلى شاهد على نمط إنتاج لم يكن موجوداً في عصره.

وهذا يفرض علينا أيضاً ألا نجعل المسألة مجرد صراع بين عمر وعثمان كشخصين، لأن ذلك يحول تحولاً تاريخياً في بنية الدولة إلى صفات أخلاقية لأشخاص. فالمشكلة الأعمق أن التوسع نفسه كان ينتج موارد جديدة، وأن الدولة الناشئة كانت تطور مؤسسات جديدة لإدارتها، وأن هذه المؤسسات كانت تفتح في الوقت نفسه إمكانات جديدة للتفاوت والامتياز. لذلك لا يبدأ التناقض مع عثمان من الصفر، كما لا ينتهي بإدانته أو تبرئته؛ إنه تناقض نشأ من عملية توسع الدولة نفسها. مؤسسات الديوان والعطاء تطورت في عهد عمر، والدولة كانت تتوسع وتتراكم لديها الموارد، ومع كل توسع كانت تنشأ مسائل جديدة حول من يستحق العطاء وكيف يوزع ومن يملك الأرض ومن يسيطر على إيراداتها. أما في عهد عثمان، فقد أصبحت قضايا الهبات والقطائع والعلاقات بين السلطة وأقارب الخليفة وكبار رجال الدولة أكثر حضوراً في المعارضة السياسية، وتنقل الروايات التاريخية انتقادات لسياساته المالية ولمنح بعض أقاربه ورجال دولته امتيازات وأموالاً. لكن هذه الروايات نفسها تحتاج إلى نقد ومقارنة، ولا يجوز تحويل كل ما ورد فيها إلى وقائع متساوية في درجة الثبوت. المهم بالنسبة لنا ليس بناء محاكمة أخلاقية لعثمان، وإنما فهم كيف أصبحت الثروة والامتياز جزءاً من الصراع على الدولة نفسها.

وفي الشام، حيث تولى معاوية إدارة الإقليم ثم أصبح لاحقاً رأس الدولة الأموية، اكتسب هذا التحول بعداً أكثر وضوحاً. ارتبط الحكم هناك ببناء جهاز سياسي وعسكري وإداري واسع، وبشبكة من العطاء والامتيازات والولاءات يمكن تحليلها باعتبارها جزءاً من إعادة إنتاج السلطة، إذ أصبح الوصول إلى الموارد مرتبطاً بصورة متزايدة بالموقع داخل جهاز الحكم وشبكات الولاء السياسية والعسكرية. وفي هذا السياق يصبح سؤال أبي ذر عن المال أكثر قابلية للفهم: إذا كانت السلطة تتولى جباية موارد عامة باسم الجماعة، فما حدود حق الحاكم والوالي في التصرف فيها؟ وإذا أصبحت الثروة تتراكم لدى أصحاب النفوذ، فهل يكفي إخراج الزكاة من تلك الثروة لكي تصبح أخلاقياً واجتماعياً مشروعة؟ هنا يبدأ موقف أبي ذر في تجاوز حدود الزهد الشخصي؛ لأنه لم يعد ينظر إلى المال باعتباره علاقة بين الفرد وربه فقط، بل باعتباره علاقة بين الغني والجماعة، وبين الحاكم والمحكوم، وبين من يملك الموارد ومن لا يملكها.

وهنا يجب التمييز بين مستويين في موقف أبي ذر: مستوى المال العام، حيث يسأل عن حدود تصرف السلطة في الفيء والخراج وسائر الموارد التي تتولاها الدولة؛ ومستوى المال الخاص، حيث يرفض أن تصبح ملكية الفرد للثروة مبرراً للاحتفاظ بفائض واسع بينما يعيش آخرون في الحاجة. الجمع بين المستويين هو ما يعطي احتجاجه طابعه الخاص: فهو لا يطالب السلطة بالعدل في توزيع المال العام فقط، بل يطالب الأغنياء أنفسهم بمساءلة علاقتهم بالفائض الذي في أيديهم. ومن هنا تصبح قضية الكنز التي ناقشناها في المقالة الثالثة امتداداً طبيعياً لقضية الفتوحات، لا موضوعاً منفصلاً عنها. وينبغي هنا التنبيه إلى أن مفهوم "الفائض" في هذا السياق يُستخدم بمعناه التحليلي العام (ما يزيد على الحاجة المعيشية)، وليس بمفهوم "فائض القيمة" الماركسي المرتبط بنمط إنتاج رأسمالي قائم على استغلال العمل المأجور، وهو ما حافظنا على التمييز بشأنه في المقالة الرابعة.

تنقل بعض الروايات عن أبي ذر مواقف حادة في مواجهة معاوية وأصحاب الثروة، كما تنقل عنه عبارات من قبيل دعوة الأغنياء إلى مواساة الفقراء، وتورد روايات أخرى حوارات حول المال الذي تنفقه السلطة ومصدر مشروعيته. لا ينبغي التعامل مع كل عبارة من هذه العبارات بوصفها نصاً تاريخياً يقينياً؛ فالروايات المتعلقة بأبي ذر وبالصدام السياسي في تلك المرحلة متفاوتة في طرقها وصياغاتها، وبعضها دخلته لاحقاً قراءات مذهبية وسياسية متعددة. ومع ذلك، فإن تضافر تقاليد تاريخية متعددة في ربط أبي ذر بنقد تراكم الثروة يجعل أصل القضية جديراً بالبحث، حتى إذا تعذر قبول كل التفاصيل المنقولة حولها. وهذا يكفي لإثبات وجود تقليد تاريخي قوي حول احتجاج أبي ذر على تراكم الثروة، لكنه لا يكفي وحده لإعادة بناء حجم جمهوره أو تركيبته الاجتماعية أو تحويل احتجاجه إلى حركة منظمة.

ينبغي هنا التوقف عند مسألة "الجمهور". فمن المعقول أن يكون خطاب أبي ذر قد وجد صدى لدى أشخاص كانوا يرون التفاوت المتزايد في الثروة والامتياز، وأن تكون مواعظه قد أثارت اعتراض أصحاب المال والسلطة، لكن لا نملك أساساً كافياً للقول إنه قاد تنظيماً طبقياً واسعاً. وجود التفاوت الاقتصادي، ووجود خطاب ينتقده، ووجود جمهور يستمع إليه، كلها أمور يمكن إثبات بعضها أو ترجيحه بدرجات متفاوتة من الثقة؛ أما تحويل ذلك إلى حركة جماهيرية منظمة ذات قيادة وقاعدة اجتماعية محددة فهو ادعاء يحتاج إلى أدلة إضافية. التحليل المادي لا يحتاج إلى هذه المبالغة أصلاً؛ قوته تأتي من قدرته على تفسير التوترات الموجودة في البنية الاجتماعية، لا من اختراع تنظيم سياسي غير مثبت. ومن المهم ألا ننتقل من وصف احتجاج ذي مضمون اجتماعي واضح إلى افتراض امتلاك أبي ذر وعياً طبقيّاً بالمعنى الماركسي؛ فالاحتجاج على التفاوت شيء، والوعي المنظم بموقع جماعة اجتماعية داخل علاقات الإنتاج شيء آخر.

ومن هذه الزاوية يصبح الصراع الذي خاضه أبو ذر أكثر وضوحاً. لم يكن اعتراضه موجهاً إلى الذهب بوصفه مالاً، ولا إلى مجرد امتلاك الثروة، بل إلى تراكمها والاحتفاظ بفائضها دون مواساة المحتاجين. وهو لم يطرح إلغاء الملكية الخاصة أو تأسيس نمط إنتاج بديل، ولا تقدم الروايات المتاحة عنه ما يكفي للقول إنه طرح ذلك. كان يعترض على تراكم الثروة وعلى احتفاظ الأغنياء بفائض لا يراه منسجماً مع مقتضيات الدين، ويربط ذلك بمسؤولية اجتماعية تجاه الفقراء وبمسؤولية سياسية على السلطة تجاه المال العام. لذلك فإن موقفه يظل، من الناحية التاريخية، موقفاً دينياً-أخلاقياً جذرياً من توزيع الثروة، لكنه أصبح ذا مضمون سياسي لأن الثروة نفسها كانت قد دخلت في صميم بناء السلطة الجديدة. وهو صراع حول توزيع الفائض والامتيازات داخل تشكل اجتماعي إمبراطوري، يمكن قراءته بأدوات التحليل الطبقي دون مساواته بالصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي. فالسؤال المادي ليس عن حجم الثروة وحده، وإنما عن علاقات الإنتاج والاستخراج والتوزيع التي تحدد من ينتج، ومن يجبي، ومن يقرر، ومن يستفيد من الفائض.

وهنا بالضبط يظهر الحد الفاصل بين هذه المقالة والمقالة التالية. أظهرت الفتوحات أن المسألة لم تعد مجرد وعظ عن القناعة؛ فقد نشأت دولة واسعة، وتدفقت إليها موارد ضخمة، وتطورت آليات جديدة للجباية والتوزيع، وبرزت فئات سياسية ارتبط نفوذها بصورة متزايدة بالقدرة على الوصول إلى الموارد العامة وتحويل الموقع السياسي إلى امتياز مادي. في هذا السياق أصبح صوت أبي ذر أكثر إزعاجاً، لأن السؤال الذي يطرحه لم يعد: "هل ينبغي للغني أن يكون زاهداً؟" بل: "ما حدود حق الغني في الاحتفاظ بثروة متراكمة في مجتمع يعيش فيه آخرون في الحاجة؟ وما حدود حق السلطة في المال العام؟ ومن يملك حق تقرير مصير الموارد التي تجبيها الدولة من المجتمع؟" عند هذه النقطة ينتقل الاحتجاج من المجال الأخلاقي إلى المجال السياسي، ومن نقد السلوك الفردي إلى مساءلة علاقات القوة التي تنظم توزيع الموارد. وهذا هو الباب الذي ستدخل منه المقالة السادسة إلى دمشق: حين أصبح نقده للثروة قابلاً للتحول إلى مواجهة سياسية مع السلطة وممثليها.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي. ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
- أبو ذر الغفاري في الأدب الثوري العربي: النضال المباشر ضد الإ ...
- 20. ملحق المفاهيم الأساسية والمراجع
- 19. البرنامج الانتقالي (5).. القوة الاجتماعية والتنظيم وآليا ...
- 18. البرنامج الانتقالي (4).. السلطة الشعبية والدولة الجديدة
- 17. البرنامج الانتقالي (3).. السيادة المالية وفك الارتباط وإ ...
- 16. البرنامج الانتقالي (2).. الاقتصاد الوطني والتحرر من اقتص ...
- 15. البرنامج الانتقالي (1).. وقف الحرب وإعادة بناء المجتمع م ...
- التسوية التي أعادت إنتاج اختلال القوة
- 14. الأزمة الإنسانية.. الاقتصاد السياسي للجوع في الحرب السود ...
- 13. الدولة السودانية.. كيف أعادت كل مرحلة إنتاج التحالف الطب ...
- 12. الإمبريالية والتبعية.. الحلقة المفقودة في رؤية حمدوك
- 11. الحوكمة.. إصلاح الدولة أم إعادة إنتاج الرأسمالية؟
- 10. العدالة الانتقالية.. محاكمات أم تفكيك بنية الحرب؟
- ملف المفقودين وصراع السرديات
- 9. الجيش.. جهاز الدولة الطبقي أم مؤسسة وطنية؟
- 8. الفيدرالية.. لامركزية السلطة أم لامركزية الفقر؟
- 7. الفصل بين الدين والدولة.. بين الحياد القانوني واستمرار ال ...


المزيد.....




- الأخوان تيت.. من بذخ وطائرات خاصة ومجوهرات إلى الحبس الانفرا ...
- من المدينة المحرّمة.. مزهرية من عهد أسرة تشينغ سبقت عصرها بـ ...
- وفاة -الملك البحّار- هارالد الخامس بعد 35 عاما بعرش النرويج. ...
- شاهد.. عائلات تبحث بين صور الجثث عن أحبائها بعد كارثة نيبال ...
- سوريا.. قتلى وتوتر أمني وحظر تجوال بعد هجوم على الأهالي في ج ...
- روسيا.. مقتل شخص وإصابة 10 بهجوم مسيرات أوكرانية
- المسح الجيولوجي الأمريكي يغير اسم بحيرة أونتاريو بأمر من ترا ...
- لافروف وسفير مصر يبحثان التعاون بين موسكو والقاهرة
- فيديوهات جديدة لانتشال ناجين من فيضانات نيبال
- الإخبارية السورية: مقتل شخصين في انفجار قنبلة يدوية أمام مبن ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عماد حسب الرسول الطيب - أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي 5. الفتوحات وإعادة تشكيل الثروة والسلطة