أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - التعارف لا التفاخر: حين يضع القرآن حداً فاصلاً بين الهوية والتفاضل















المزيد.....

التعارف لا التفاخر: حين يضع القرآن حداً فاصلاً بين الهوية والتفاضل


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:27
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ثمة آيات في القرآن يكفي أن يقف المرء أمامها متأملاً، متمهلاً، ليكتشف أنها تحمل في إيجازها الشديد ما عجزت عن الإحاطة به مجلدات كاملة كُتبت في فلسفة الهوية والانتماء. ومن هذه الآيات، آية التعارف في سورة الحجرات: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ". فهذه الآية، رغم قصر ألفاظها، تنطوي على بنية حجاجية محكمة الصياغة، دقيقة التسلسل، بحيث لا تحتاج من القارئ المتدبر إلا قليلاً من التأني ليكتشف أنه أمام نظرية متكاملة في الهوية الإنسانية، أدق وأعمق مما أنتجته كثير من الأدبيات الحديثة في هذا الشأن.
من يُخاطَب في هذه الآية؟
أول ما يستوقف القارئ المتأمل في هذه الآية هو صيغة الخطاب ذاتها: "يا أيها الناس"، لا "يا أيها الذين آمنوا". وهذا اختيار له دلالته البالغة التي لا ينبغي أن تمر مرور الكرام. فحين يخاطب القرآن جماعة المؤمنين خاصة، فإنه عادة ما يستعمل نداء "الذين آمنوا"، وذلك في سياقات التشريع التي تخص أهل هذا الدين دون سواهم. أما حين يتحدث عن حقيقة كونية تخص الإنسان بوصفه إنساناً، بصرف النظر عن دينه أو عرقه أو انتمائه القومي، فإنه يستعمل النداء الجامع الشامل "يا أيها الناس". وهذا وحده كافٍ لإثبات أن آية التعارف ليست تشريعاً دينياً موجهاً للمسلمين حصراً، بل هي إعلان إنساني عام يخاطب كل بني آدم في كل زمان ومكان: مسلمهم وكافرهم، عربيهم وأعجميهم، أبيضهم وأسودهم. فالتعدد القبلي والشعبي، بحسب هذا الفهم، سنة كونية عامة تخص الوجود الإنساني برمته، لا خصوصية دينية تنحصر في جماعة بعينها.
وهذا المعنى وحده يستحق التوقف الطويل في زمن تتصاعد فيه خطابات الإقصاء باسم الدين، إذ يُذكّرنا النص بأن الحديث عن كرامة الإنسان وقيمته لا يُحتكر لفئة دون أخرى، بل هو خطاب موجّه إلى الإنسانية جمعاء.
الأصل الواحد قبل التمايز
بعد صيغة الخطاب، يأتي التأصيل الذي تُبنى عليه الآية بأكملها: "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى". وهذا التذكير ليس تفصيلاً عابراً أو استطراداً بيولوجياً، بل هو الأساس الذي يقوم عليه كل ما يليه من كلام. فقبل أن يتحدث القرآن عن الشعوب والقبائل، يُذكّر الإنسان بأصله المشترك الواحد: كلكم من أب واحد وأم واحدة، أو بحسب تأويل آخر، كلكم مخلوقون بالطريقة ذاتها من ذكر وأنثى، لا فضل لأحد على أحد في أصل الخلقة ولا سبق لأحد على أحد في جوهر الوجود.
وهذا التذكير بالأصل الواحد يضع كل تمايز لاحق، شعبياً كان أم قبلياً، في إطاره الصحيح والمتواضع: إنه تمايز فرعي، طارئ، ثانوي، متفرع عن أصل واحد جامع، لا تمايز جوهري يخلق تفاضلاً حقيقياً في أصل الإنسانية. فالإنسان أياً كان انتماؤه، إنما هو فرع من شجرة واحدة، لا جذر مستقل قائم بذاته يمنحه امتيازاً على غيره.
التعدد إرادة، لا عيب يُستحى منه
ثم يأتي الإقرار الصريح بالواقع الإنساني كما هو: "وجعلناكم شعوباً وقبائل". ويستحق الفعل "جعلناكم" هنا وقفة خاصة، إذ يُسند التعدد إلى الله مباشرة، بوصفه فعلاً إلهياً مقصوداً، لا خطأً كونياً عارضاً ولا نتيجة عشوائية لصدفة التطور. فتعدد الشعوب واختلاف القبائل، بحسب هذا الفهم، مراد إلهي واعٍ، لا عيب يُستحى منه، ولا شر ينبغي محوه أو صهره قسراً في قالب واحد موحّد.
وهذا المعنى يهدم من أساسه أي محاولة، قديمة كانت أم حديثة، لفرض التماثل القسري على البشر، سواء باسم الدين أو باسم الأيديولوجيا أو باسم القومية. فتنوع الانتماءات الوصفية، في هذه الرؤية، إرادة كونية أصيلة، لا انحراف يستوجب التصحيح أو التطهير أو الإلغاء. وكم من مشاريع سياسية وفكرية عبر التاريخ سعت إلى محو هذا التنوع باسم الوحدة، فانتهت إلى قمع واستبداد، بينما كانت الآية منذ البداية تُقرر أن التنوع ذاته جزء من التصميم، لا عارض ينبغي التخلص منه.
"لتعارفوا": الاختيار اللغوي الذي يحمل الحكمة كلها
وتبلغ الآية ذروتها الحقيقية، وهي الذروة التي تستحق أن يُفرد لها حديث مستقل، في الفعل الذي عُلّل به هذا التعدد: "لتعارفوا". فلو تأمل القارئ هذا الفعل بدقة، لأدرك أنه اختيار بالغ الحكمة والدلالة من بين أفعال عديدة كان يمكن أن يُذكر أي منها في هذا الموضع.
فلم يقل القرآن "لتفاخروا"، وهو أول ما يتبادر إلى ذهن كثير من الأقوام حين يتفكرون في انتمائهم القبلي أو القومي: أن يكون هذا الانتماء مصدر فخر يعلون به على غيرهم. ولم يقل "لتفاضلوا"، أي ليتخذ بعضهم من انتمائه معياراً يُفضّل به على انتماء غيره. ولم يقل "لتتناحروا" أو "لتقتتلوا"، وهو، للأسف الشديد، ما آل إليه واقع كثير من الشعوب والقبائل عبر التاريخ، حين حوّلت انتماءها إلى سلاح تشهره في وجه غيرها بدلاً من أن يكون جسراً يصلها به.
بل قال القرآن: "لتعارفوا"، من مادة "عرف" التي تدل، كما هو معروف في اللغة، على تتابع الشيء واتصاله، ومنه المعرفة التي هي إدراك الشيء على حقيقته بعد تأمل واتصال به. فالتعارف إذن فعل متبادل بين طرفين، غايته الإدراك المتبادل والاتصال المعرفي، لا التفاضل ولا التفاخر ولا الإقصاء. وهذا الفارق الدقيق بين "التعارف" و"التفاخر" هو، في جوهره، الفارق بين حضارة تُبنى على الاحترام المتبادل، وحضارة تتغذى على الاستعلاء والتمييز.
التعدد شرط للوحدة، لا عائق أمامها
وهذا يعني أن الحكمة الإلهية من وراء خلق الشعوب والقبائل المتعددة ليست أن يتحصن كل شعب في عزلته، مفتخراً بتفوقه المزعوم، بل أن يكون هذا التعدد ذاته وسيلة لتوسيع دائرة المعرفة الإنسانية المتبادلة. فلولا تعدد الشعوب واللغات والثقافات، لما كان هناك أصلاً ما يُتعارف عليه، إذ التعارف يفترض بالضرورة وجود طرفين مختلفين يلتقيان ليتعرف كل منهما على الآخر ويكتشف فيه ما لا يجده في نفسه.
فالتعدد، في هذه الرؤية القرآنية، ليس عائقاً أمام الوحدة الإنسانية، بل هو الشرط الذي يتحقق به وجودها على أكمل صورة. إذ الوحدة التي تُبنى على محو التعدد وحدة قسرية هشة، سرعان ما تنكشف زيفها عند أول اختبار، أما الوحدة التي تُبنى على التعارف المتبادل بين المتعددين، فهي وحدة حقيقية راسخة، قائمة على الإدراك والاحترام، لا على القمع والإلغاء والتذويب القسري.
التقوى وحدها: حين تُقطع كل الذرائع
ثم تأتي خاتمة الآية لتضع النقطة الفاصلة التي يقوم عليها المعنى بأكمله: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم". فبعد أن أقرّ القرآن بالتعدد الشعبي والقبلي، وبعد أن حدّد غايته بالتعارف لا بالتفاخر، جاء ليقطع الطريق نهائياً أمام أي محاولة لاحقة لتحويل هذا التعدد الوصفي إلى معيار للتفاضل بين البشر.
فالكرم عند الله، أي القيمة الحقيقية للإنسان في الميزان الذي لا يخطئ، لا صلة له البتة بالشعب الذي ينتمي إليه المرء، ولا بالقبيلة التي وُلد فيها، ولا باللون الذي جاء به إلى الدنيا. صلته الوحيدة بالتقوى، وهي فعل مكتسب يقوم به الفرد بإرادته الحرة ومسؤوليته الخاصة، لا وصف موروث يُولد به الإنسان قسراً دون اختيار منه. وبهذا تكتمل البنية الحجاجية للآية على نحو متصاعد محكم: تأصيل الأصل الواحد، فإقرار التعدد الوصفي، فتعليله بالتعارف لا بالتفاخر، فحسم معيار التفاضل نهائياً بالتقوى لا بالانتماء.
خطاب لكل إنسان، لا للمسلمين وحدهم
ولعل أعجب ما في هذه الآية أنها لم تخاطب المسلمين وحدهم بهذا المعيار، بل خاطبت الناس جميعاً. فالتقوى بمعناها اللغوي العام، وهي الوقاية والحذر مما يضر، معيار يمكن أن يتحقق بدرجات متفاوتة في كل إنسان، أياً كان دينه أو قومه أو موقفه من العقيدة. وهذا ما يمنح الآية بعدها الإنساني الكوني الذي لا يمكن تجاوزه: فليست هذه آية تخص العربي دون الأعجمي، ولا المسلمين دون سواهم، بل هي إعلان عام عن معيار واحد يعلو فوق كل الانتماءات الوصفية، مهما بدت راسخة أو مقدسة في نظر أصحابها.
وهنا تكمن الرسالة الأعمق التي يمكن أن يستفيد منها كل انسان، مسلماً كان أم غير مسلم: أن يُقاس الإنسان بما يتقيه من الشر ويسعى إليه من الخير في أفعاله وخياراته الحرة، لا بما وُلد فيه، من قوم أو قبيلة أو شعب أو لون أو طائفة. فالهوية الوصفية علامة يُعرف بها الإنسان، لا مفخرة يتعالى بها على غيره، وهذا الفارق الدقيق، لو تأملته الأمم والشعوب حق التأمل، لكان كفيلاً بتجفيف كثير من منابع التعصب والعنصرية والحروب التي ما زالت تُشعل باسم الانتماء إلى اليوم.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخطاب يصنع المسؤولية / قراءة قرآنية في بناء الإنسان الذي لا ...
- لا انفصال بين الإيمان والعمل
- الحرية شرط التكليف
- المقاصد تُحكِم فهم الجزئيات
- حين يبني القرآن الإنسان - قبل أن يشرّع له
- التكرار وسيلة لبناء المفهوم
- الهداية ليست ومضة عابرة... بل رحلة بناء لا تعرف الانتهاء
- بوصلة البدايات: من أي عتبةٍ ندخل إلى رحاب القرآن؟
- البيان قبل الإلزام: لماذا لا يُحاسبنا الله قبل أن يُعلّمنا؟
- السؤال... أول الطريق إلى الهداية
- القرآن يخاطب العقل.. لا الذاكرة
- القرآن خطاب لا نصوص متفرقة
- الرحلة السابعة والأخيرة: نحو علم نفس قرآني
- الرحلة السادسة: النفس المطمئنة.. الغاية التي تناساها علم الن ...
- الرحلة الخامسة: علاج النفس في القرآن.. لماذا يبدأ الشفاء من ...
- الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا ...


المزيد.....




- اليابان تحظر المساجد والأذان والبرقع.. ما حقيقة القوانين الم ...
- سموتريتش يعرض خطة جديدة تهدف إلى تعزيز الاستيطان اليهودي في ...
- باسم يوسف يدافع عن محمد صلاح بعد انتقاله الى طرابزون التركي ...
- بسبب نظرية مثيرة للجدل.. الجامعة الإسلامية بماليزيا تكرم أست ...
- واشنطن توجه تعليمات عاجلة لبعثاتها حول العالم لحماية الكنس و ...
- بزشكيان: الوحدة الإسلامية تعني وضع أرضية للتعاون وليس توحيد ...
- التوتر في إيران يضاعف محنة الأقليات وتيرة الانتهاكات بحق ال ...
- 115 مستوطنا يقتحمون باحات المسجد الأقصى
- مقطع مصور لاحتجاجات في بريطانيا تطالب بتطبيق الشريعة الإسلام ...
- المسيحية تتراجع والأصولية تتقدم.. أي مفارقة هذه يا أمريكا؟


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - التعارف لا التفاخر: حين يضع القرآن حداً فاصلاً بين الهوية والتفاضل