منى الغبين
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 16:18
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
سمعت وقرأت عن مشروع تلفريك عمّان، وتخيلت أن هناك من يريد أن يعلّق المدينة في الهواء، قبل أن يصلح ما تحت أقدامها.
أعرف أن العالم يتغير، وأن المدن الحديثة تبحث عن أفكار جديدة تجذب السياح، وتخلق فرصاً للاستثمار والعمل، وتمنح مدنها صورة مختلفة..ولا أعترض على التطوير لمجرد أنه تطوير، لكنني، كمواطنة ترى عمّان كل يوم، أسأل سؤالاً بسيطاً: هل هذا هو المشروع الذي يحتاجه وسط البلد فعلاً؟
المشروع ليس مجرد فكرة عابرة. فقد أعلنت الحكومة أن تلفريك جبل القلعة سيمتد في مسارين: من جبل القلعة إلى اللويبدة، ومن جبل القلعة إلى المدرج الروماني، وأن إدارته ستكون من خلال شركة رؤية عمّان، بدعم من وزارة السياحة.
كما أعلنت أن كلفته تبلغ نحو ثمانية ملايين دينار، وأن إنجازه متوقع خلال عام 2027.
وفي آب الحالي، أُعلن توقيع عقد تصميم وتصنيع مشروع التلفريك والبدء بأعمال التصميم.
إذن نحن لا نتحدث عن صورة على ورقة أو فكرة مؤجلة.
المشروع يمضي فعلاً، وبدأت أعمال الهدم والتحضير له.
وهنا تحديداً يبدأ سؤالي:.
هل وسط البلد ينقصه تلفريك؟ أم ينقصه شيء آخر، أبسط بكثير، وأقرب إلى حياة الناس والسياح والتجار؟
وسط البلد ليست أرضاً فارغة نبحث لها عن معلم سياحي، لأنها هي المعلم نفسه.
فيها المدرج الروماني، وجبل القلعة، وشارع طلال، وشارع الملك فيصل، وشارع السلط، والمحلات القديمة، والمقاهي التي يعرفها أهل عمّان منذ عشرات السنين، والواجهات الحجرية، والدرجات التي صعدها آباؤنا وأجدادنا، والحكايات التي لا توجد في أي مشروع حديث.
وسط البلد ليست بحاجة إلى أن نخترع لها تاريخاً.
ما تحتاجه فعلياً هو أن نعيد تنظيمها، وأن نحافظ عليها، ونقدمها للزائر كما يليق بها.
نظموا شوارع وسط البلد أولاً.
أصلحوا الأرصفة، ونظفوا الشوارع.. هذبوا الواجهات، ورمموا المباني القديمة.. نظموا البسطات والمحلات والدكاكين والإعلانات.. ضعوا خطة حقيقية للنظافة والتنظيم، وليس بالهدم وقطع أرزاق الفقراء من أصحاب البسطات، والدكانين القديمة.
نظموا حركة السير ومواقف السيارات، واجعلوا المشاة أولوية.
هذه التفاصيل، في نظر البعض، قد تبدو أقل بريقاً من عربة معلقة في السماء، لكنها في الحقيقة هي التي تصنع المدينة السياحية.
والسائح الذي ينزل إلى وسط البلد لا يبحث فقط عن صورة يلتقطها من تلفريك.
يريد أن يمشي بحرية، وأن يشاهد صورة البلد الحقيقية، الشعبية والبسيطة.
يريد أن يجلس في مكان نظيف، وأن يدخل دكاناً قديماً، وأن يشرب قهوة، وأن يشتري شيئاً أردنياً تراثياً، وأن يشعر أنه دخل مدينة لها روح، لا مشروعاً سياحياً جديداً لا تحتمل طبيعة وسط البلد الضيقة والمزدحمة أقفاصاً معلقة في السماء.
والسؤال الذي يؤرقني أكثر من غيره هو: كيف نريد أن نصعد بالسائح إلى السماء ونحن لم ننجح بعد في تنظيف الأرض؟
هناك أماكن في وسط البلد تفوح منها روائح لا تليق بعاصمة، ولا بسائح، ولا حتى بمواطن يمشي فيها.
وهناك ما يعرفه أهل وسط البلد باسم "الجورة" ، وما حولها من واقع يحتاج إلى معالجة جدية.
كيف نتحدث عن تجربة سياحية متكاملة، بينما ما زالت النظافة والصرف الصحي والروائح الكريهة ،والمشهد البصري من الأسئلة اليومية التي يواجهها الناس؟
هل سيحل التلفريك أزمة وسط البلد؟ أو سيحل أزمة السير؟
هل سيصلح شارعاً ويرمم واجهة؟
هل سيزيل رائحة منفرة؟
ويمنع القاذورات من التراكم؟
هل سيعيد الحياة إلى محل قديم أغلق أبوابه؟
الجواب: لا.
إذن لماذا لا نبدأ بما تحتاجه المدينة قبل أن نضيف إليها ما لا نراه أولوية؟
كنت قد اقترحت قبل سنوات، عبر بعض المواقع الإخبارية، فكرة ما زلت أراها أقرب إلى روح عمّان القديمة وأجدى سياحياً: وهو أن يتم رصف الشارع بحجارة تشبه تصميم الفسيفساء، ممتداً من آخر رأس العين، مروراً بشارع طلال، وصولاً إلى المدرج الروماني، مع تخصيص مساحة للمشاة وتنظيم حركة السيارات خارج هذا المسار.
لماذا لا نجرب؟
لماذا لا يصبح وسط البلد مكاناً يمشي فيه الناس، بدلاً من أن يكون ساحة دائمة للسيارات؟
يمكن أن تكون هناك عربات تجرها الخيول، وأحصنة للسياح، بطريقة منظمة ومحترمة، مثل مدن كثيرة جعلت من المشي جزءاً من تجربتها السياحية.
ويمكن رصف شارع السلط أيضاً، والشوارع التي تتفرع من شارع طلال، وتنظيمها لتكون مساحات للمشاة.
وحينها لن يحتاج السائح إلى أن يركب سيارة كل خمس دقائق كي ينتقل من مكان إلى آخر.
سيمشي، ويشاهد المدينة،ويصور، ويدخل الأسواق، ويجلس في المقاهي، وينفق ماله في المحلات.
وسينتعش السوق، وتخف الأزمة الخانقة، والأهم أنه سيشعر بأن وسط البلد حية.
وهذه الفكرة لا تخدم السائح وحده، إنها تخدم التاجر والمواطن والمدينة أيضاً.
أما السيارات، فيمكن تنظيم مساراتها في الشوارع المحيطة، وإعادة توزيع الحركة بطريقة مدروسة، بدل أن تبقى قلب عمّان القديمة مختنقة بالمركبات.
وهنا يصبح السؤال عن الملايين الثمانية أكثر إلحاحاً.
ما الأولوية؟
هل الأولوية أن نعلق عربات فوق المدينة؟ أم أن نعيد الحياة إلى المدينة نفسها؟
تقول الحكومة إن التلفريك سيشكل عنصر جذب سياحي واستثماري واقتصادي، وسيسهم في إعادة الألق إلى وسط وشرق عمّان!!
وتقول وزارة السياحة والأمانة إن المشروع يأتي ضمن رؤية متكاملة لتطوير وسط البلد، وإنه لا يمس المباني المسجلة رسمياً ضمن سجل التراث العمراني، وإن أعمال التهيئة الحالية تقع في مبانٍ مملوكة للأمانة وليست ملكيات خاصة.
إذا كانت هناك ثمانية ملايين دينار مخصصة لمشروع سياحي، فلماذا لا يكون السؤال: ما الذي يمكن أن تفعله هذه الملايين لوسط البلد إذا استثمرناها في المكان نفسه؟
إعادة هيكلة وسط البلد واهمها على الاطلاق بناء حمامات عامة نظيفة تخدم السياح والمواطنين؟
إحياء الأسواق القديمة وتنظيمها،
دعم الحرف الأردنية .
هذه أموال يمكن أن تُرى نتائجها على الأرض، لا في السماء فقط.
ثم إن عمّان ليست فقط جبل القلعة واللويبدة والمدرج الروماني.
هناك أحياء أخرى تقع ضمن مسؤولية أمانة عمّان.
هناك حارات شعبية منسية ومهملة، ومناطق تحتاج إلى شوارع وأرصفة وتصريف مياه ونظافة وإنارة وحدائق وخدمات أساسية.
خذوا مثلاً جبل الجوفة ومخيمه.
أو وادي سرور، القريبين من وسط البلد والمدرج الروماني.
خذوا الأحياء التي تعاني من المنحدرات والقاذورات والشوارع التي تحتاج إلى إصلاح.
اذهبوا إلى تلك الأماكن قبل أن تعلقوا المدينة فوق رؤوسنا.
ليس المطلوب أن نضع كل ميزانية عمّان في الحارات الشعبية، ولا أن نمنع أي مشروع سياحي حديث.
المطلوب فقط أن نتذكر أن المدينة ليست واجهة واحدة، وأن مسؤولية الأمانة لا تبدأ من المكان الذي يراه السائح وتنتهي عنده.
هناك أحياء لا شوارع مناسبة فيها، وتحتاج إلى إصلاح، ولا توجد فيها حتى حدائق صغيرة تخدم الحي والأطفال.
من حق هؤلاء أن تكون لهم حصة من "رؤية عمّان" أيضاً.
وأكثر ما أخشاه أن نخلط بين تجميل المدينة وتجميل صورتها.
الصورة الجميلة لا تكفي.
يمكن أن نصور جبل القلعة من أجمل زاوية، ونضع تلفريكاً حديثاً في السماء، وننشر الصور على مواقع السياحة العالمية، لكن السائح عندما ينزل إلى الأرض سيعرف المدينة كما هي.
سيشمها،سيمشي في شوارعها.
سيرى أرصفتها،سيدخل أسواقها.
هناك فقط سيقرر إن كانت عمّان مدينة سياحية بالفعل، أم مجرد صورة جميلة.
وأنا، بصراحة، كنت سأضع التلفريك في مكان آخر لو كان الهدف هو السياحة الترفيهية بحد ذاتها.
السلط، مثلاً، مدينة تملك طبيعة جبلية وتراثاً عمرانياً مميزاً، ويمكن أن تبحث لها عن مشروع سياحي من هذا النوع ضمن رؤية متكاملة.
أو الطفيلة المهملة سياحياً، أو الكرك.
أما وسط عمّان، فأرى أن ثروته الحقيقية موجودة أصلاً.
لا تحتاج إلى أسلاك وعربات معلقة.
تحتاج إلى عين تعرف قيمتها.
لا أريد أن أبدو كمن يعارض كل جديد.
عمّان تستحق التطوير، وتستحق مشاريع سياحية كبيرة، وتستحق أن تكون مدينة جاذبة للسائح والمستثمر.
لكنني أؤمن أن التطوير الحقيقي يبدأ من احتياجات المكان، لا من بريق المشروع.
ولذلك أتمنى، قبل أن نصعد بالسائح إلى جبل القلعة، أن ننزل نحن إلى الشوارع.
أن نمشي في وسط البلد، أن نرى الأرصفة، أن نشم الروائح، أن ننظر إلى الواجهات، أن نراقب حركة السيارات، أن نسأل التجار ماذا يريدون، وأن نسأل سكان الحارات ماذا ينقصهم.
أن نرى الجورة.
أصلحوا الثوب أولاً، قبل أن تضعوا الأزرار.
فالثوب الجميل لا يحتاج إلى زينة تخفي عيوبه.
يحتاج إلى من يعرف كيف يخيطه.
وعمّان، يا أمانة عمّان، لا تحتاج فقط إلى مشروع كبير يظهر من بعيد.
عمّان تحتاج أمانة.
أمانة ترى كل أحيائها، لا وسط البلد وحده.
أمانة تعرف أن السياحة تبدأ من النظافة، ومن الشارع، ومن الرصيف، ومن احترام المكان، ومن حفظ ذاكرة المدينة.
وحين تصبح وسط البلد نظيفة، آمنة، جميلة، مريحة للمشي، ممتلئة بالحياة، وتستعيد أسواقها ومحلاتها القديمة وهويتها، عندها ربما ننظر إلى السماء ونقول:
الآن يمكن أن نضع تلفريكاً.
أما أن نبدأ من السماء ونترك الأرض كما هي، فذلك هو السؤال الذي يجب أن تجيب عنه أمانة عمّان قبل غيرها.
#منى_الغبين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟