أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - العقل أول ضحايا التقديس














المزيد.....

العقل أول ضحايا التقديس


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 11:53
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


نجتهد في تعريف التقديس لتقريبه إلى الأذهان، فنقول إنه النظر إلى أشخاص بعينهم أو موضوعات أو أشياء وأماكن محاطة بثلاثية الإجلال والتبجيل والتعظيم. وبذلك، فإنهم فوق مستوى النقد والمراجعة والمساءلة، ولا يمكن معاينتهم بمعايير العقل وشروط البحث العلمي. التقديس بهذا المعنى، شعور الانسان بضآلة عقله أمام ما يعجز عن استيعابه. ويمكن القول للاستزادة في التوضيح، أنه استجابة وجدانية لشيء يشعر به الانسان فيستهويه ويفوقه ويرعبه.
التقديس، بهذا المفهوم، ينفر من السؤال، ولا يأتلف مع المنطق. يستطيب الاقامة في بيئات العقول الراضخة لجبروت الطغاة والمستبدين. يقتات من الخوف والرهبة، في واقع الطاعة والولاء المذموم. ويُغَيِّبُ النقدَ، حيث يتعامل مع شخصيات ونصوص وأفكار كرموز مقدسة لا تخضع للنقاش.
التقديس يتفشى في المجتمعات المتخلفة، والأهم أنه من انتاج البشر. فلا الأشخاص، ولا الموضوعات، ولا الأمكنة أو الأشياء مقدسون في أصل طبيعتهم، بل البشر هم من خلعوا عليهم هذه القدسية. وبمرور الزمن تكرست في الأذهان، وصارت ثوابت تفرضها المجتمعات على أجيالها عبر التربية والتعليم، والإعلام، والعادات، والتقاليد.
وعليه، فالتقديس أقرب ما يكون إلى وهم بالمفهوم الفرويدي لهذا المصطلح. يقول مؤسس علم التحليل النفسي، سيجموند فرويد في هذا الصدد: "إننا نقبل بأن نُدرِج في عِداد عملياتنا المعرفية ضروبًا شتى من الفرضيات، حتى تلك التي تتجلى لنا بكل وضوح افتقارها إلى أساس، بله إحالتها ومخالفتها للعقل، ونحن نطلق على هذه الفرضيات اسم التخيلات أو الأوهام". واذا بحثنا عن سر قوة هذه التوهمات، فإننا واجدوه بحسب فرويد، "في تحقيق أقدم رغبات البشرية وأقواها وأشدها إلحاحًا"(سيجموند فريد: مستقبل وهم، ص 42، 44). وهكذا يسمي فرويد توهمًا كل اعتقاد تكون الغلبة في حوافزه ومعلللاته لتحقيق رغبة من الرغبات. ومن طبائع الأمور أن حاجات البشر تشكل جزءاً بالغ الأهمية في واقعهم، وعظيم الأثر في دواخلهم.
ولا يفوتنا التذكيرُ بأن التقديس في جوهره تقليد وخضوع وتبعية. هذا الثالوث يستدعي تَقَبُّل ثالوث آخر لا بد منه، ونعني الهيمنة والسيطرة والنفوذ. ومن مكوناتهما معًا، تتشكل بيئات مثالية لكل مشروع سلطوي سياسيًّا كان أم دينيًّا. في السياق، نزيد فنقول، التقديس هنا صنم ذهني يهيئ العقول للانصياع والامتثال، ويتحول إلى آلية لإنتاج السمع والطاعة.
هذا النوع من الأصنام تكمن خطورته في أنه لا يُرى، لكنه يتراكم في الرؤوس ويتكرس بالقهر الاجتماعي والثقافي. وهو أخطر من الأصنام الحجرية، فهذه يمكن كسرها أما الصنم الذهني فيقيم داخل الانسان وبمرور الأيام يتحول إلى جزء من كينونته.
تأسيسًا على ما تقدم، بمقدورنا القول إن العقل ضحية التقديس الأولى. وفي مناخ يُكبَّل فيه العقل وتُعطَّل المساءلة، تُضاف الحقيقة والموضوعية إلى ضحايا التقديس.
العقل المكبَّل بالتقديس لا يقرأ الوقائع كما هي، حيث تحول هالاته دون بلوغ الحقيقة. وليس بمقدوره قراءة النصوص بطريقة سوية، بل بمواقف مسبقة تفرضها معايير التقديس، تتطلب غالبًا لي أعناق النصوص بما ينسجم مع مسبقاته. وبذلك، يفرض التقديس الانتقائية واختيار الأدلة المنسجمة مع قناعات العقل التقديسي واغفال ما يعارضه. ويضع التقديس أفكاراً معينة فوق مستوى النقد، مما يدفع العقل إلى رفض أو تجاهل أي دليل يعارضها للحفاظ على ثباته الوهمي.
والنتيجة الحتمية: التخلف العلمي، ناهيك بركود واقع التقديس وجموده، واللجوء إلى الغيبيات في تفسير الأحداث بعيدًا عن منطق الأسباب والمسببات.



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (12) اتباع صفات الثعلب والأ ...
- اللِّحَى وأصحابها
- الشعوذة وبيع الأوهام !
- فن استخدام الكلمة
- عقدة النقص
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (11) الغاية تبرر الوسيلة
- الخيال
- مدخل التأثير في الانسان
- الإيحاء
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين(10). الصداقة مدفوعة الثمن غ ...
- السماء بين العلم والدين
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (9). مزايا الحرب
- أسرار صمود إيران
- الطغاة يستنجدون بالسماء !
- احترموا عقولنا !
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين(8) لا بديل عن القوات المسلح ...
- إيمان العجائز
- أولوية العقل في تفسير الكتب المقدسة
- المعجزات
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (7). المرتزقة


المزيد.....




- اليابان تحظر المساجد والأذان والبرقع.. ما حقيقة القوانين الم ...
- سموتريتش يعرض خطة جديدة تهدف إلى تعزيز الاستيطان اليهودي في ...
- باسم يوسف يدافع عن محمد صلاح بعد انتقاله الى طرابزون التركي ...
- بسبب نظرية مثيرة للجدل.. الجامعة الإسلامية بماليزيا تكرم أست ...
- واشنطن توجه تعليمات عاجلة لبعثاتها حول العالم لحماية الكنس و ...
- بزشكيان: الوحدة الإسلامية تعني وضع أرضية للتعاون وليس توحيد ...
- التوتر في إيران يضاعف محنة الأقليات وتيرة الانتهاكات بحق ال ...
- 115 مستوطنا يقتحمون باحات المسجد الأقصى
- مقطع مصور لاحتجاجات في بريطانيا تطالب بتطبيق الشريعة الإسلام ...
- المسيحية تتراجع والأصولية تتقدم.. أي مفارقة هذه يا أمريكا؟


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - العقل أول ضحايا التقديس