محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 21:59
المحور:
القضية الفلسطينية
حين لا يكون الانتصار ممكناً
تتأسس فاعلية المواجهة، في أقصى حالات عدم التكافؤ، على إدراك طبيعة القوة ذاتها وتفكيك المنطق الذي يدير به المهيمن الصراع؛ فحين يدخل الطرف الضعيف إلى مساحة اشتباك صممها الطرف القوي، ويقبل قواعده وحدوده ومعاييره، يكون يخوض الصراع داخل بنية صممت أصلًا لإنتاج تفوق هذا الأخير، فتكون النتيجة النهائية معروفة ومحكومة، إلى حد بعيد، بمنطق النظام نفسه.
لعل ما يقوله ما يكل كولينز -في فيلم Michael Collins(1996)- يختصر على نحو لافت، جانباً أساسياً من معنى المقاومة هذا حين يميل ميزان القوة على نحو واضح لصالح الطرف الأقوى : "هناك سلاح واحد لا يستطيع البريطانيون انتزاعه منا: يمكننا تجاهلهم"*. ثم، بعد هزيمة انتفاضة 1916، وحين يسأله هاري بولاند عمّا سيفعلونه في المرة المقبلة، يجيبه: "لن نلعب وفق قواعدهم يا هاري. سنخترع قواعدنا"**.
يرتبط هذا الحوار بتكتيك المقاومة الإيرلندية في المواجهة مع بريطانيا، لكنه، في المقابل، يفتح سؤالاً أوسع عن معنى المقاومة وجدواها عند اختلال موازين القوة. ولعل ما يلفت في كلام كولينز أن المقاومة، في هذا التصور، لا تبدأ من السؤال عن مقدار القوة التي يملكها المقاوم، وإنما من السؤال عن المجال الذي يستطيع انتزاعه من خصمه بحيث لا يصبح خاضعاً بالكامل لقواعده.
يعكس التحول الاستراتيجي في تجربة مايكل كولينز هذا الفهم للمواجهة. فبعد هزيمة انتفاضة 1916، لم يضع كولينز في ذهنه تكرار المواجهة المسلحة بصورة أقوى، وإنما بحث عن سبل تغيير طبيعة المواجهة بحيث لا تبقى المقاومة أسيرة للتفوق البريطاني. أي انتقال الحركة، في جانب أساسي منها، من محاولة مجابهة القوة الاستعمارية في المجال الذي تتفوق فيه إلى البحث عن نقاط ضعف أخرى في منظومة السيطرة، فالتخلي عن المبادرة وابتلاع شروط الخصم يضع قوى المقاومة داخل معادلة استنزاف تخنق إمكانيات الفعل وتجهض غاياته الأساسية***
من هذه المقايسة تظهر مشكلة شائعة حين ننظر إلى المقاومة من موقع الطرف الأقوى، فيجري اختزال جدواها في قدرتها على تحقيق انتصار عسكري سريع. فإن عجزت عن هزيمة الجيش الأقوى، قيل إنها عديمة الجدوى؛ وإذا طال أمد الصراع، قيل إن استمرارها عبث؛ وإذا تراجعت أمام التفوق العسكري، قيل إن عليها أن تتخلى عن المقاومة نفسها.
لكن هذا القياس يفترض أن الوظيفة الوحيدة للمقاومة هي تحقيق نصر عسكري مباشر. بينما تستطيع، حتى في أضعف حالاتها، تأدية وظيفة مختلفة تتمثل في منع الطرف الأقوى من تحويل تفوقه العسكري إلى حقيقة سياسية نهائية. إذ يحتاج الاحتلال أو السيطرة-إلى جانب قوة السلاح- إلى أن يتصرف الخاضع داخل المجال الذي يحدده له، وأن يتعامل مع قوانينه ومؤسساته وحدوده بوصفها الإطار الطبيعي الوحيد للفعل. وحين يصبح هذا القبول راسخاً، تتحول السيطرة من قوة مفروضة من الخارج إلى واقع يعاد إنتاجه من الداخل.
عند هذه النقطة تصبح للمقاومة جدوى حتى حين تعجز عن إسقاط السلطة المهيمنة، سواء كانت قوة احتلال أو نظاماً استبدادياً داخلياً. فهي تستطيع منع تحويل القوة إلى شرعية، والسيطرة إلى قبول، والأمر الواقع إلى قدر نهائي. قد تخسر معركة، وقد تتراجع، وقد تعجز عن حماية موقع أو منطقة، لكنها تستطيع منع خصمها من إغلاق المسألة التي يحاول حسمها إلى الأبد.
وهنا ينبغي التمييز بين الهزيمة والاستسلام. فالهزيمة العسكرية واقعة في ميدان القوة، أما الاستسلام فهو موقف من المستقبل. قد يخسر طرف معركة أو حرباً، لكنه لا يكون بذلك قد منح خصمه تلقائياً الحق في تحديد ما يأتي بعدها. يصبح الأمر مختلفاً حين تتحول الهزيمة إلى اقتناع بأن ميزان القوة القائم يحدد وحده ما هو ممكن وما هو مستحيل. ولكن [دائما هناك ولكن] تبدأ المشكلة حين يصبح ضعف المقاومة سبباً للتخلي عن المبدأ ذاته؛ أي مبدأ المقاومة. فالهزيمة العسكرية شيء، والتسليم بأن الهزيمة العسكرية تمنح المنتصر حق تحديد المستقبل شيء آخر تماماً.
إن وجود السلاح في الصراع التحرري ليس مجرد أداة قتالية يمكن تقويمها بمعيار عدد البنادق والصواريخ والطائرات. إنه جزء من قدرة الطرف الضعيف على منع احتكار الطرف الأقوى لقرار الحرب والسلم معاً. ولذلك فإن تسليم السلاح لا يعني بالضرورة انتهاء العنف أو بداية السلام. قد يعني أحياناً أن طرفاً واحداً أصبح يملك وحده القدرة على تحديد متى يبدأ العنف ومتى يتوقف، وما الذي يعد خرقاً وما الذي يعد حقاً، ومن يملك حق فرض الوقائع الجديدة.
قد يكون وقف القتال قراراً عقلانياً في لحظة معينة، وقد تفرض الظروف هدنة أو تسوية أو إعادة تموضع. لكن تحويل الهدنة إلى نزع دائم لأدوات القوة مسألة أخرى، سينهي مع الوقت أي قدرة على رفض ما يفرض. وسيجد الطرف الأضعف نفسه مطالباً بالتخلي عن سلاحه باسم الواقعية السياسية، بينما يحتفظ الطرف الأقوى بكل أدوات القوة التي جعلته أصلاً قادراً على فرض تلك "الواقعية". ويصبح المطلوب من الضعيف إثبات حسن نيته بالتجرد من قوته، في حين لا يصبح القوي مطالباً بالتخلي عن القوة التي تمنحه القدرة على فرض شروطه.
طبعا هذا لا يعني أن السلاح وحده يصنع التحرر، أو أنه يمتلك قيمة سياسية في ذاته، ولا أن استمرار حمله يكفي لتحقيق النصر، لأنه قد يتحول إلى عبء حين يصبح غاية في ذاته، وقد تفقد المقاومة معناها إذا تحولت أداتها إلى هدف بذاته ولم تستطع تحويل القوة التي تملكها إلى مشروع أوسع. لكن العكس صحيح أيضاً، فلا يمكن اعتبار التخلي عن السلاح إنجازاً سياسياً بمجرد حدوثه. لأن قيمته ستتحدد بما ينتج عنه، وبمن يملك القوة بعده، وبالضمانات التي تحيط به، وبما إذا كان الطرف الآخر قد تخلى بدوره عن أدوات الإكراه التي يستخدمها.
وهنا نعود إلى عبارة كولينز :"لن نلعب وفق قواعدهم".
فالقضية في نهاية المطاف ليست السلاح وحده، وإنما من يملك القدرة على تحديد قواعد اللعبة. إذا سلّم الطرف الأضعف سلاحه من دون أن تتغير بنية القوة التي جعلته محتاجاً إلى المقاومة أصلاً، يكون قد غيّر شكل الصراع من دون تغيير شروطه. وقد يتحول ما يسمى "السلام" إلى مجرد مرحلة تستطيع فيها القوة الأقوى إعادة ترتيب الواقع من دون مقاومة مكلفة. أما المقاومة في أضعف حالاتها، فقد تكون وظيفتها الأساسية مختلفة وهي أن تمنع إغلاق المستقبل.
وهذه نقطة غالباً ما تضيع حين يُقاس كل فعل مقاوم بالسؤال: ماذا حقق الآن؟
قد لا يحقق شيئاً ظاهراً في لحظته. قد يخسر الأرض، وقد يتراجع عسكرياً، وقد يتعرض للاستنزاف، وقد يبدو عاجزاً أمام قوة أكبر منه بأضعاف. ومع ذلك يبقى لوجوده معنى سياسي إذا منع خصمه من تحويل القوة إلى إجماع، والسيطرة إلى شرعية، والهزيمة إلى نهاية للتاريخ.
قد يكون الانسحاب من معركة توسيعاً للقدرة على الاستمرار. وقد يكون وقف إطلاق النار خطوة نحو تسوية تحفظ ما يمكن حفظه. وقد يكون تسليم السلاح، في ظروف معينة، جزءً من انتقال سياسي حقيقي إذا ترافق مع تغيير فعلي في بنية السيطرة وضمانات تمنع عودة الإكراه. لكن تسليم السلاح في ظل بقاء ميزان القوة كما هو، ومن دون أن يتغير الطرف الذي يملك القدرة على فرض الوقائع، يطرح سؤالاً يصعب تجاوزه: ماذا بقي للطرف الذي تخلى عن قدرته على المقاومة كي يرفض الشروط التي ستفرض عليه لاحقاً؟
ربما لهذا تبدو جملة "لن نلعب وفق قواعدهم" أكثر راهنية مما توحي به لحظة الفيلم. فالمقاومة لا تعني دائماً أن تكون قادراً على هزيمة خصمك في ملعبه. قد تعني، في بعض مراحل الصراع، أن ترفض الاعتراف بأن ملعبه هو العالم كله. فالخصم الأقوى يستطيع أن يهزمك في معركة، وأن يحتل مدينة، وأن يدمر بنية، وأن يسجن مقاتلين. لكنه لا يستطيع، بمجرد امتلاكه القوة، أن يجعل الهزيمة مساوية للاقتناع بأنه كان على حق.
يتجاوز مأزق تسليم السلاح بعده المادي المحض ليصل إلى التنازل عن امتلاك الرواية وحق صياغة قوانين الاشتباك. ويكمن السلاح الحقيقي في القدرة على تسمية الأشياء ورفض الانخراط في اللعبة وفق مساراتها المرسومة سلفاً. لأن مجرد القبول بأدوات السلطة ومعاييرها يعني استبطاناً كاملاً لشرعيتها. وهنا تبرز جدوى المقاومة في أحلك لحظات ضعفها، متجلية في إصرارها على إحداث قطيعة هيكلية مع المنظومة السائدة. فالالتزام بقواعد الخصم يفرغ أي تحرك من محتواه، ويحيله إلى مجرد تفصيل هامشي ضمن حكاية يكتبها الآخر.
ليست المقاومة، في هذا المعنى، وعداً بالنصر السريع، وإنما رفض لتحويل ميزان القوة القائم إلى قانون أبدي. وقد يكون هذا الرفض، في لحظات معينة، هو الشكل الوحيد المتاح للحفاظ على إمكانية النصر في زمن آخر.
............
*There is one weapon that the British cannot take away from us: we can ignore them.
**We won’t play by their rules, Harry. We’ll invent our own.
*** تقترن هذه القطيعة بكسر الهيمنة الإدراكية، وهو المعنى الذي تعمقه أطروحة جورج أورويل في رواية "1984". فحين تبلغ السيطرة ذروتها، لا تكتفي السلطة بإخضاع الأجساد والمؤسسات، وإنما تسعى إلى مصادرة اللغة التي يدرك بها الخاضعون واقعهم، حتى تتشرب تناقضات السلطة وتتحول شعارات من قبيل «الحرب هي السلام» إلى عبارات تبدو، داخل النظام الذي أنتجها، قابلة للتصديق. وهنا تتحول الهيمنة من قهر خارجي إلى منطق داخلي يعيد إنتاج نفسه في الوعي. ولعل أخطر ما تسعى إليه السلطة المطلقة هو انتزاع القدرة على تعريف الواقع من خصومها؛ إذ يصبح الخروج من معجمها أصعب من مجرد مخالفة أوامرها، لأن الخاضع يفقد اللغة التي يستطيع بها أن يتصور واقعًا آخر. ومن هنا تبدأ المواجهة، في أحد مستوياتها، بحماية استقلال الإدراك، والاحتفاظ بالمسافة الضرورية عن معجم المهيمن، وتفكيك المفردات التي يحاول من خلالها تحويل شروطه الخاصة إلى حقائق عامة.
#محمود_الصباغ (هاشتاغ)
Mahmoud_Al_Sabbagh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟