أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 14:02
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
حين بدأت العمل في التوثيق، كنت أظن أن العثور على وثيقة قديمة يعني الوصول إلى الحقيقة. لكن مع مرور الوقت، اكتشفت أن الوثيقة، مهما بلغت قيمتها، لا تقول كل شيء.
إنها تشهد، لكنها لا تفسر.
قد تخبرنا رسالة بتاريخها، لكنها لا تكشف لنا دائمًا ما كان يدور في نفس كاتبها. وقد يثبت محضر اجتماع أن قرارًا معينًا قد اتُخذ، لكنه لا يخبرنا بالنقاشات التي سبقته، ولا بالظروف التي أحاطت به. وحتى الصورة الفوتوغرافية، التي تبدو أصدق من الكلمات، قد تخفي خارج إطارها ما يغير فهمنا للمشهد كله.
لهذا تعلمت ألا أكتفي بالوثيقة.
أصبحت أبحث عن الوثيقة الثانية التي تؤكدها، وعن الشاهد الذي يشرحها، وعن السياق الذي وُلدت فيه. فالتوثيق ليس جمع أوراق، بل بناء رواية علمية متماسكة، تستند إلى الأدلة دون أن تقع أسيرة لدليل واحد.
كم من وثيقة بدت لي حاسمة في البداية، ثم تغير معناها تمامًا عندما عثرت على رسالة أخرى، أو أجريت مقابلة مع أحد الذين عاصروا الحدث. عندها أدركت أن الوثائق، مثل البشر، تتحدث من زاوية معينة، ولا ترى المشهد كله.
وهذا ما يجعل عمل الباحث أكثر تعقيدًا وأكثر جمالًا في الوقت نفسه.
فهو لا يبحث عن الوثيقة التي تؤيد فكرته، بل عن الوثيقة التي تقربه من الحقيقة، حتى لو خالفت ما كان يظنه. لأن الأمانة العلمية تقتضي أن يقود الدليل الباحث، لا أن يقود الباحث الدليل.
لقد علمتني تجربتي أن الوثيقة لا تكتسب قيمتها من قدمها، بل من قدرتها على الصمود أمام المقارنة والنقد والتحليل. فقد تكون ورقة واحدة مكتوبة بعناية أهم من صندوق كامل من الأوراق المكررة، وقد تكون شهادة شفوية موثقة أكثر فائدة من وثيقة رسمية كُتبت تحت ضغط السياسة أو ظروف المرحلة.
ولهذا، فإن التوثيق الحقيقي لا يقوم على الوثائق وحدها، ولا على الشهادات وحدها، ولا على الكتب وحدها، بل على الحوار بينها جميعًا. فكل مصدر يضيء جزءًا من الصورة، ولا تكتمل الصورة إلا إذا اجتمعت أجزاؤها.
إن الباحث الذي يعثر على وثيقة واحدة ثم يعلن أنه امتلك الحقيقة، يشبه من ينظر إلى جبل من نافذة صغيرة ثم يظن أنه رآه كله.
أما الباحث الذي يدرك حدود كل مصدر، فإنه يظل متواضعًا أمام المعرفة، ويترك الباب مفتوحًا دائمًا لاكتشاف جديد، أو وثيقة جديدة، أو شهادة تعيد ترتيب ما كان يظنه ثابتًا.
ولهذا، لم تعد الوثيقة بالنسبة إليّ نهاية رحلة البحث، بل بدايتها.
فالحقيقة لا تسكن في ورقة واحدة، وإنما تولد من لقاء الوثائق، والشهادات، والعقول التي تقرأها بأمانة وصبر.
وهذا، في تقديري، هو الفرق بين من يجمع الوثائق، ومن يصنع المعرفة.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟