|
|
ثِيطْ مّْ رْبيعْ
سعيدي المولودي
الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 02:53
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
ثِيطْ مّْ رْبيعْ ⵜⵉⵟ ⵎ ⵔⴱⵉ
(ثيطْ مْ رْبيعْ.) هي الاسم الجغرافي المحلي الأصيل لموقع ينابيع نهر " م ربيع" أحد الأنهار الكبرى بالأطلس المتوسط، بإقليم خنيفرا، والاسم عمليا يخص فقط منطقة الينابيع ، أما النهر فيحمل اسم " أَسِيفْ نْ مّْ رْبيعْ ⴰⵙⵉⴼ ⵏ ⵎ ⵔⴱⵉⵄ" ( نهر م ربيع) كما استقرت صيغة اسمه في المراحل التاريخية المتأخرة، ويبدو أن الدال " ربيع" هو الحامل لمغزى الدلالة الحقيقية للموقع والاسم وهو الخازن لبعض معالم الهوية الفعلية له، وسنحاول في ما سيأتي استنطاق واستكناه بعض من دلالاته المحتملة أو المفترضة. والاسم مكون من ثلاثة عناصر هي: ثِيطْ ⵜⵉⵟ/ عين / نبع ، و " مّْ ⵎⵎ " بمعنى " ذات / صاحبة" و" رْبيعْⵔⴱⵉⵄ " ،وهي عناصر لا علاقة لها إطلاقا بطاقة الاسم المتداول والمعتمد بصفة شبه رسمية : "عيون أم الربيع" فهو في كافة الأحوال اسم دخيل واعتماده إنما ينهض بالتشويش على الاسم الأصيل وتشويهه وطمس معالمه وإلغاء تداعياته الثقافية والاجتماعية الممكنة، فلفظة " عيون" يبدو وكأنها وضعت مقابل " ثيط" أو هي تعريب وترجمة لها، ولكن توظيفها غير دقيق وغير سليم لأن كلمة " ثيط" لفظة مفردة ومقابلها هو " عين " وليس "عيون" أما جمعها فهو " ثاطِّيوِينْ / ثِيطِّيوِينْ ⵜⴰⵟⵟⵉⵡⵉⵏ/ ⵟⵉⵟⵟⵉⵡⵉⵏ وهو غير معتمد في بنية الاسم. أما لفظة " مّْ" فهي بمعنى " ذات أو صاحبة" ولا علاقة لها باللفظة العربية "أُم" بأي معنى من معانيها، ولفظة " ربيع" بدورها لا علاقة لها على الإطلاق بكلمة "الربيع" العربية سواء ببعدها الزمني " فصل الربيع" أو بمعناها الخاص الدال على الكلأ والعشب. وهذا التحريف والتحوير في الاسم أسهم بقوة في طمس كثير من الأصول التي يمكن الاعتماد عليها لتفسيره ورده إلى عناصره ومكوناته الحقيقية الأولى. وقد صُنف الموقع في عداد الأبنية التاريخية والمناظر البهيجة بمقتضى القرار الوزيري الصادر بتاريخ 11 أكتوبر 1948، وبموجبه أدرج ضمن حكم حرمات الصيانة المشار إليها في القرار الوزيري في الأمر بفتح بحث بقصد تقييد منظر عيون أم الربيع في عدد الأبنية التاريخية بتاريخ 27 دجنبر 1943.
تشير الكثير من المصادر التاريخية ان نهر " م ربيع" كان يسمى قديما نهر " وانْسيفَن ⵡⴰⵏⵙⵉⴼⵏ" والذي يعني حسب ما أشار إليه أحمد التوفيق: "ذو الأودية أو وادي الأودية او نهر الأنهار (1)، وهذا غير مستبعد لأن الصيغة تحيل إلى اسم النهر أو الوادي " أسيف ⴰⵙⵉⴼ" وجمعه "إيسَّافَن ⵉⵙⴰⴼⵏ" والمؤنث منه " ثاسِيفْث ⵜⴰⵙⵉⴼⵜ" وجمعها " ثيسَّافِين ⵜⵉⵙⴰⴼⴼⵉⵏ" والمفترض في هذه الحال أن يكون الاسم وفق إشارة التوفيق بإحدى هذه الصيغ: "بويْسَّافَنْ ⴱⵓⵢⵙⴰⴼⵏ"، أو " وِي نْ إِيسَافنْ ⵡⵉⵏ ⵉⵙⴰⴼⵏ" أي ذو الأنهار حسب الصيغة الأولى و" المنتمي للأنهار" في الصيغة الثانية، وأسِيفْ إيسَافنْ ⴰⵙⵉⴼ ⵉⵙⴰⴼⵏ بمعنى نهر الأنهار، وربما إحدى هذه الصيغ مع استحضار واستدعاء سلسلة التحويرات أو التغييرات التي يمكن أن تعتريها في ظل صيرورة الاستعمال هي التي استوتْ على بنية الاسم في صيغته المستقرة. وقد يرتبط الأمر بصيغة توظيف الاسم المؤنث " ُثاسِيفْثⵜⴰⵙⵉⴼ" في صيغة الجمع" ثيسَّافينⵜⵉⵙⴰⴼⴼⵉⵏ" اعتبارا لما يمكن ان تكون عليه تشكيلة الينابيع التي قد تتألف من مجموعة أو كتلة من الغدران أو الجداول أو الوديان أو الأنهار الصغيرة التي تتكتل في النهاية لتشكل عرض النهر، فيكون بناء الاسم مثلا على هذه الشاكلة" بوثسَّافين ⴱⵓⵜⵙⴰⴼⴼⵉⵏ" ( ذو الغدران/ النهيرات ،أو " وي نْ ثْسَافين ⵡⵉⵏ ⵜⵙⴰⴼⴼⵉⵏ"( المنتمي للنهيرات / الغدران) أو " أسيف نْ سَافينْ ⴰⵙⵉⴼ ⵏ ⵙⴰⴼⴼⵉⵏ وادي النُّهيْرات أو الجداول، ومع التداول والاستعمال استقرت الصيغة على التشكيل المشار إليه. وكون وادي " م ربيع" جامعا للأنهار أو حاضنا لها، له ما يعضده على المستوى الجغرافي إذ إن كثيرا من الأنهار الصغيرة أو الجداول او الروافد تصُب فيه وتغذيه انطلاقا من مجراه، وهو بهذا المعنى ملتقى انهار صغيرة وجداول وأودية وهو ما يميزه انطلاقا من ينابيعه حتى بلوغه المناطق السهلية المنبسطة في منطقة تادلا وما يليها. غير أن الاطمئنان التام لهذا الطرح قد لا يقود إلى يقين، إذ إن إطلاق " أسيف" بالأطلس المتوسط بمعزل عن أية مواصفات أو محددات يظل مدلوله تحت طائلة التجريد ويكون في هذه الحال أقرب إلى اسم الجنس، ولا يخص نهرا ذا معالم أو سمات محددة، فهو اسم لكل الأنهار، ولذلك يكون توظيف لفظة "أسيف" في الغالب مرتبطة او مقرونة بمحددات ما هي التي تميزه وتمنحه هويته، ومن ثمة فإن الاسم في ما إذا اعتبرنا الافتراضات المشار إليها سالفا قد يكون اتخذ في صيغته الأولية والأصلية "أسيف نْ إيسَّافَّنْ " أو " أسيف إيسَّافَن" بمعنى نهر الأنهار أو سيد الأنهار. وقد لا نبالغ إذا افترضنا أن ثمة احتمالات أخرى كامنة وواردة، يمكن من خلالها أن يكون الاسم في سياق صيروراته المتعاقبة يعتمد لفظة " أمَانْ ⴰⵎⴰⵏ" التي قد تتشابك وتتلاحم مع لفظة " أسيف" في أية صيغة من الصيغ، وأبعد من ذلك قد نفترض احتمال توظيف الفعل " إيسِّيفْⵉⵙⵙⵉⴼ" بمعنى صفى وغربل ونقَّى، وتكون الصيغة مثلا " أمانْ إيسِّيفِين ⴰⵎⴰⵏ ⵉⵙⵙⵉⴼⵉⵏ" والصفة عادة توظف في الأطلس المتوسط للدلالة على الماء العذب الزلال الخالي من الشوائب (2). وقد ذكره البكري صاحب "المسالك والمسالك " وقال عنه" ونهر وانسيفن يقع في نهر شلة تحت الرباط في البحر المحيط" (3) وبالاسم ذاته يورده صاحب الاستبصار في عجائب الأمصار، وقال عنه: " وادي وانسيفن بين معدن عوام وبين قلعة مهدي ببلد فزاز .. وهذا الوادي هو المعروف بأم ربيع"(4) ويستفاد من هذا أن اسم " م ربيع " كان معروفا خلال القرن الثاني عشر الميلادي الذي يبدو أن صاحب الاستبصار ينتمي إليه، ويورد الشريف الإدريسي في نزهة المشتاق اسم " أم ربيع" ولكنه لا يعني به اسم النهر أو الوادي بل يتحدث عن قرية تحمل اسم "أم ربيع" وهي كما يقول: " قرية كبيرة جامعة وبها أخلاط من برابر رهونة وبعض زناتة وتامسنا..."(5)وتقع على حد تعبيره " على واد خرار يجاز بالمراكب سريع الجري كثير الانحدار كثير الصخور والجنادل..." (6) ولا يشير إلى اسم الوادي مما قد يوحي ان اسم القرية هو ما منح الوادي أو النهر اسمه. وكذلك يذكر الحميري حيث يقول" وانسيفن بالمغرب عند قلعة مهدي ببلاد فازاز، وواديها هو المعروف بوادي أم ربيع "(7) وبالصيغة ذاتها يحدد نهر أم ربيع حيث يقول : " أم ربيع هو وادي وانسيفن عند قلعة مهدي ببلد فزاز من أرض المغرب "(8)مثلما يشير إلى قرية أم ربيع كما وردت لدى صاحب الاستبصار ويقول:" وأم ربيع قرية هناك كبيرة فيها أخلاط من البربر... وأم ربيع على هذا الوادي" (9) ومن خلال ما أورده صاحب الاستبصار والحميري، يظهر أن النهر يتجاذبه أو يتنازعه اسمان " وانسيفن" و" أم ربيع" وربما ساد الأخير عبر ارتباط الوادي بالقرية التي تحمل الاسم ذاته، ويكون الاسم نابعا من صيغة إسناد إليها باعتبارها ابرز معالمه التي تميزه وترتبط به. ويقول محمد حجي في معلمة المغرب عن قرية أم ربيع:" قرية قديمة قريبة من منابع نهر أم الربيع في مجراه الأعلى بالأطلس المتوسط، وقد اندثرت هده القرية ولم يبق إلا ما كتبه عنها محمد بن عبد المنعم الحميري"(10) ولو وضعنا هذا الطرح في الاعتبار فمن الممكن القول إن اسم الوادي إنما اكتسبه من نسبته إلى القرية المذكورة، وإذا كان من الصعب الحسم عمليا في معرفة الموقع المفترض للقرية فإن تعميق البحث والتنقيب وتكثيفه قد يسهم في تسليط بعض الأضواء على المنطقة وإبراز آثارها الدارسة.. والمعطيات المتوفرة حول المنطقة تشير إلى قيام زاوية دينية غير بعيد عن ينابيع وادي م ربيع، وتنسب إلى الولي سيدي علي أوبراهيم الذي يعد من أقوى صلحاء المنطقة، وإليه تنتسب مجموعة قبائل " إيمْرابْضَنْ" التي تشكل أبرز محموعات قبائل آيت "سكوكو" التي تستوطن المنطقة. والزاوية حسب الروايات المتداولة كانت محجا لكثير من المريدين حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين، وكانت مركزا دينيا واقتصاديا وتجاريا قويا، وكان بالمحاذاة منها قرية تدعى "أعفير"، تقول الروايات إن ساكنتها كانوا من اليهود، والمساحة الشاسعة التي تشغلها المقابر في محيط الزاوية المذكورة وبقايا الأسوار الشاخصة أو التي اندثرت قد تشكل في تقديرنا مؤشرا على أن موقع الزاوية، قد يكون موقع قرية أم ربيع التي ذكرها الإخباريون أو قريبا منها، خاصة وان صاحب الزاوية تذكر عنه كرامات عديدة للبعض منها علاقات مباشرة بنهر م ربيع، إذ يذكر مثلا أن هذا الولي تعاهد مع وادي م ربيع على الا يغرق أو يجرف أيا من أبنائه أو ذريته خلال جريانه أو إبان فيضاناته وهيجانه. في وصف إفريقيا يذكر ابن الوزان نهر ام الربيع، ويقول عنه: " أم الربيع نهر كبير جدا ينبع من الأطلس بين جبال عالية في حدود تادلا وناحية فاس ويجري عبر سهول أذخسان...."(11) ولا يشير إلى اسم " وانسيفن" وهو ما يعني أن اسم " م ربيع" في عصر الحسن بن الوزان ( القرن السادس عشر)كان هو السائد وهو المعتمد.
ما نستخلصه من هذه الإشارات أن الوادي يحمل اسمين "وانسيفنْ " و "أم ربيع" والاسم الأول غالبا هو الاسم الأصيل ألذي أطلق أول مرة عليه، بينما الثاني اعتمد متأخرا ونشأ عبر منحنيات متغيرات اجتماعية وثقافية متباينة قد تكون وليدة تلك العلاقة بين الوادي وقرية " م ربيع" ، والمؤكد أن اسم "أم ربيع" احتل مكان الاسم القديم " وانسيفن" نتيجة عوامل متعددة متصلة بالتطورات والانعكاسات المختلفة لحركية تنقل وانتقال المجموعات القبلية بالأطلس المتوسط وتداعياتها، ومجموعة القبائل والعشائر التي تستقر في الوقت الراهن بالمجال الحيوي لمنابع الوادي والمناطق المجاورة هي قبائل طارئة واستقرارها يعود إلى قرون قليلة سالفة، والبحث عن المعطيات المتصلة بهذه المجموعات واستثمار تاريخها المحتمل قد يؤدي إلى القبض على جملة من الإشارات التي من شأنها أن تسلط بعض الأضواء على المنطقة بوجه عام. وعلى كل لا يبدو أن النهر أخذ اسمه من اسم القرية المشار إليها، بل الأمر على العكس من ذلك فالقرية هي التي أخذت اسم الوادي ، ونسبت إليه باعتبارها جزءا من مجاله الحيوي وهي التي تسمت باسمه، ومن المفترض ألا يكون اسم القرية في الأصل هو " أم ربيع" لأن هذا اسم الوادي في الواقع، ومن ثمة نفترض أن اسمها قد يكون ، ولو من باب القياس، في البداية هو "إيغْرَمْ نْ ثِيطْ مّْ رْبيعْ" أو " ثْيغْرمْتْ..." واصطفينا هذا الاسم لأنه المصطلح المتداول على نطاق واسع في أرجاء المنطقة، يتضمن في دلالاته التجمعات السكنية المستقرة، خاصة وان اسم " أم ربيع " يعنى النهر ، ولا يبدو عمليا ان تحمل القرية والوادي اسما موحدا، إذ لا مفر من ان تضاف بعض المحددات لتمييز أحدهما عن الآخر. اما أصول الاسم ومرجعياته فيمكن الاستعانة ببعض الفرضيات لتفكيكه والبحث عن مكوناته الأساسية والمحتملة، ويبدو أن الصفة "م ربيع" هي الدال الملتبس فيه ، طبعا استنادا إلى أن الاسم الحقيقي للنهر هو " أسيف ن م ربيع" لأن " م ربيع " وحدها لا تستوفي عناصر الدلالة وكل مقومات الاسم. وحين نبحث في الدلالات المحتملة ل "م ربيع" سنلاحظ أن اللغة الأمازيغية المحكية في المناطق المجاورة للوادي توظف ألفاظا قد تكون لها علاقة بها، ومنها مثلا لفظة " أَرْبِيعْⴰⵔⴱⵉⵄ" بالراء المخففة( القريبة من اللام) وتعني : الجماعة أو الفرقة أو الكوكبة، وهو مذكر مفرد وجمعه "إِيرْبِيعَنْⵉⵔⴱⵉⵄⵏ" و " إِيرْبَّاعْⵉⵔⴱⴱⴰⵄ" ، والمؤنث منه " ثاَرْبْيعْثْ ⵜⴰⵔⴱⵉⵄⵜ" والجمع " ثِيرْبعِينْⵜⵉⵔⴱⵉⵄⵉⵏ" و "ثِيرَبّْاعْ ⵜⵉⵔⴱⴱⴰⵄ"، وقد يكون هذا هو الأصل في بناء اسم "م ربيع" خاصة إذا وضعنا في الحسبان الدور القوي والحاسم على المستوى الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي للوادي ولينابيعه، فالمفترض ان تكون موقع جذب واستقطاب لكثير من العشائر والمجموعات القبلية التي تعتبر المنطقة معبرا لها في اتجاه الأعالي او ما بعد الوادي ، او في اتجاه الأسافل بالموازاة مع مجراه، حيث المنبع يتحول إلى محلات تنزل أو تقيم به القبائل الرحل إلى حين لتستأنف رحلتها وطريقها إلى وجهة من وجهاتها، وعلى هذا المستوى يصبح المنبع مركزا وملتقى للتجمع وللجموع، وأخذ اسم " ثيط م إيربيعن" أو " ثيط إيربيعن"( العين ذات الحشود/ عين الحشود) ، في ما إذا افترضنا أن اسم الجمع هو الذي استعمل، وحتى في حالة الاسم المفرد فإن الاسم سيكون " ثيطْ مّْ أورْبِيعْ" أو "ثيطْ أُورْبيعْ" ( العين ذات الجمع ) ( عين الحشد أو الجمع) والدلالة تظل هي ذاتها ، والصيغة المتداولة للاسم تبدو وكأنها أقرب إلى توظيف صيغة الاسم المفرد. على أن تأويلا آخر يفرض نفسه في هذا السياق، ومؤداه أن " أربيع " أو إيربيعن" قد يكون صفة للعين ذاتها، ليكون المعنى أن المنبع لا يتألف من عين واحدة فقط وإنما من مجموعة (أربيع) من العيون أو الينابيع، وتكون دلالة الاسم هي "العيون الجمع" أو العديدة، وفي تقديرنا أن هذا التأويل قد يبدو قريبا من الصواب لولا أن لفظة " أربيع" إنما توظف أو تطلق للدلالة على الجمع أو الحشد أو الكوكبة من الناس، ولا تطلق على ما عداها من المواد أو الأشياء أو حتى الكائنات الأخرى ، ولذلك يبقى هذا التأويل مستبعدا. وثمة افتراض آخر يشير إلى أن " ربيع" هي في الواقع تحريف أو تحوير للعدد " أربعين" لأن الأصل أن عيون المنبع عددها أربعون عينا، ولذلك سمي المنبع " ثيط م ربعين"(العين ذات الأربعين) وربما لتتسق عناصر الاسم الدلالية ستكون الصيغة في الأصل هي " ثيطْ مّْ ربْعينْ نْ ثيطْ" (العين ذات الأربعين عينا) ولكن السياق البنائي لهذه الصيغة غير متماسك ويعتريه اختلال دلالي.. و على ما يظهر ليست هناك أية قرائن تفيد أن ينابيع الوادي تتدفق أو تنبجس فعلا من أربعين عينا، ولا أعتقد أن هناك إحصاء يمكن اعتماده للحسم في هذا الشأن، وفي تقديرنا أن الوضع لو كان كذلك لجاز أن يكون لكل عين اسم خاص بها، أو على الأقل سيكون لبعضها أو جلها أسماء تميزها عن سواها. لأن هذه الكثرة الوافرة ستستدعي بالضرورة آليات التمييز أو المفاضلة بين كل هذه العيون. ونحن نميل إلى أن هذا الافتراض الأخير هو الأقرب إلى الحقيقة، أي أن " ربيع" في " ثيط م ربيع" هو تحوير للعدد أربعين، ولكن ليس بالمعنى أو الإحالة التي ذكرناها أي أربعين عينا، وإنما بالاستناد إلى حكاية أسطورية أو ردتها "دوكتوريس ليجي" Doctoresse Legey " في كتابها " Essai de folklore marocain (12) وهي حكاية نعتقد أنها بقايا من نسيج الأساطير القديمة المتعلقة بالخلق والتكوين، ولو أن السياق التاريخي الذي ساقته "دوكتوريس" يعود إلى عصر الدولة السعدية، ولكن هذا لا يلغي الأصل أو البعد الأسطوري للحكاية وعراقتها إذ من الطبيعي أن تكون خضعت عبر رحلتها التاريخية إلى تحويرات وتغيرات متباينة جعلتها تكتسب في كل حقبة تاريخية شكلا جديدا يتلاءم مع الممارسات الثقافية والاجتماعية السائدة. ومضمون الحكاية أن عين "م ربيع" قبل انبجاسها كانت أسيرة جني مارد خبيث وضع صخرة عظيمة عليها حالت دون اندفاقها، ولما كان سلطان الوقت حينها عارفا بأسرار الكون وعجائبه وضليعا في السحر وإدراك الخوارق توسل إلى المارد لإطلاق سراح العين، ووافق الجني بشرط تقديم أربعين عالما كقرابين لتحريرها، وجمع السلطان كل علماء المغرب ونبهاءه وأنبأهم أن تحرير العين يتطلب أربعين عالما منهم لافتدائها، وبهت العلماء والنبهاء، وقالوا للسلطان إنهم ليسوا بعلماء فعلمهم مستقى من الكتب والكراريس، ولتحرير العين يجب البحث عن العلماء الروحانيين الذين يتلقون الإلهام أصحاب الإشراقات والكرامات، وجمع السلطان الأولياء والصلحاء أصحاب الكرامات وأبلغهم الخبر، فنهض واحد منهم هو سيدي رحال وقال : انا أكفيك شر هذا المارد، وسأهزمه، وتوجه سيدي رحال نحو العين/ المنبع، ولما بلغه ردد تعاويذ وأدعية ذات إيقاعات غير مفهومة وسرعان ما استسلم المارد وأعلن خضوعه وانصرف دون أن يبدي أية مقاومة، وانزاحت الصخرة العظيمة عن العين وانفجر الماء انفجارا، وقاد سيدي رحال المياه بعصاه يرسم لها مجراها وطريق انسيابها وسط الجبال والهضاب والسهول حتى أبلغها البحر المحيط. وقبل أن يختفي المارد توعد الولي الصالح بأنه لن يسمح لأي كان باستغلال هذه المياه في ري وسقي الحقول او الجنان.. وكان الأولياء الأربعون قد رافقوا وراقبوا مسير سيدي رحال حتى بلوغ العين، وانبهروا بإنجازه العظيم و شرعوا في أداء صلوات الشكر والحمد، و أثناء مراسم الصلاة كانت دحرجة الصخرة العظيمة واندفعت المياه الدافقة الجارفة فأغرقت الأربعين وليا وهلك الجميع.. والأسطورة في تقديرنا أعرق مما أشارت إليه "دوكتوريس" وتمثل بجلاء نموذجا صريحا لأساطير الخلق والتكوين وربطها بعصر الدولة السعدية غير مقنع تماما، لأنها تحمل في بنيتها كل ملامح اساطير وحكايات زمن البدايات الغامضة في تاريخ الكون و المجموعات البشرية، وتروي تاريخا مقدسا كان أساس الحياة الثقافية والاجتماعية، كما تُقدم شكل ومحتوى المعتقدات الأولية أو البدئية القائمة على الإيمان بوجود الأرواح والأشباح والكائنات اللامرئية، وتمثلات تلك الأواصر التي تجمع بين الإنسان والقوى الخفية الفاعلة في الطبيعة والتأثيرات المتبادلة، كما تحيل إلى طقوس تقديس المياه باعتبارها رمز الحياة والخصب والنمو، ودورها الحاسم في توجيه دينامية حياة الجماعة ومضامينها. وبطل الحكاية سيدي رحال لا يبدو أنه البطل الحقيقي في سياقها الأصلي، وإقحامه لا يعدو أن يكون تحويرا أو تحريفا لتوجيه مضامين الأسطورة و تكييفها لاستيعاب قيم ومعطيات ثقافية واجتماعية أخرى، خاصة وأنه بعيد عن المنطقة، والمنطقة توجد خارج نفوذ سلطته السحرية أو الدينية في ما لو وضعنا في الاعتبار أن كل منطقة في أرجاء المغرب كان لها قطبها ورمز قوتها ووجودها يستمد فعاليته ووظائفه المختلفة من الخصوصيات الجغرافية والاجتماعية والثقافية لهذه المنطقة، ومن ثمة فلكل منطقة وقائعها الخاصة وتاريخها الحقيقي أو المفترض وأبطالها الذين يجسدون مقومات وجودها وكيانها، والواقعة التالية تؤكد هذا المنحى" إن سيدي رحال الكوش فيما يقال ظهر بمراكش ظهورا يضاهي سيدي عبد الله الغزواني، فقال له سيدي عبد الله: إما ان تتركها لي أو أتركها لك، وأما حنشان في غار واحد فلا يجتمعان ، فقال سيدي رحال : أنا أخرج عنك وأتركها لك..." (13)علاوة على أن سيدي رحال لا ينتسب لمناطق ينابيع " م ربيع" وهو غير معروف بالقدر الكافي لدى المحموعات القبلية التي تستوطنها. والمرجح أن الحكاية قد تكون متداولة ومعروفة في أكثر من مجموعات قبلية ترتبط مقومات حياتها بنهر م ربيع، ومضامينها تظل موحدة لكن أبطالها مختلفون بحيث تحرص كل جماعة نسج معالمها وفق ما ينسجم مع قيمها وتطلعاتها وينهض بتخليد أبطالها الحقيقيين أو الأسطوريين، إذ إن حياة وأفعال النماذج الأسطورية تتحول إلى مقاييس تنتج المجموعات القبلية على منوالها. الخلاصة أن الاسم الأصيل لينابيع " م ربيع" في تقديرنا هو " ثِيطْ مّْ رَبْعِينْ" أي "العين ذات الأربعين" هذه الأربعين التي تحيل إلى الأربعين ضحية أو قربانا التي كانت تقدم في زمن البدايات، إرضاء واتقاء لغضب النهر ونوباته التدميرية ،وثمة حكاية كانت متداولة إلى زمن قريب تذكر أن نهر م ربيع أقسم على أن يغرق كل عام أربعين ضحية أو قربانا ،وربما على هذا المستوى التمس منه الولي الصالح سيدي علي أوبراهيم الا تكون هذه القرابين من بنيه. وعلى هذا المستوى نرجح أن اسم النهر هو " أسيفْ نْ م ربْعينْ" أي "نهر ذات الأربعين" ومنبعه هو " ثيط م ربعين" أي الأربعين قربانا. هوامش: 1 – انظر : ابن الزيات :التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي. تحقيق: أحمد التوفيق. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط.1984. ص133. 2 - للمزيد انظر :لحسن رهوان: نهر أم الربيع: الذاكرة والتاريخ. منشورات مركز روافد للأبحاث والفنون والإعلام خنيفرا.2021. وكذلك : جواد التباعي: نهر أم الربيع: الذاكرة والتاريخ مجلة "كان" التاريخية. السنة16 العدد59. مارس 2023. 3 – أبو عبيد عبد الله البكري : المسالك والممالك. تحقيق جمال طلبة .دار الكتب العلمية. بيروت. الطبعة الأولى.2003.ص:324. 4 – الاستبصار في عجائب الأمصار. نشر وتعليق: سعد زغلول عبد الحميد. دار النشر المغربية الدار البيضاء1985. ص:185 5 – الشريف الإدريسي: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق. مكتبة الثقافة الدينية. القاهرة.2002 ص236.ج1 6 – الشريف الإدريسي : المصدر السابق ذاته. الصفحة نفسها. 7 – محمد بن عبد المنعم الحميري: الروض المعطار في خبر الأقطار. تحقيق: إحسان عباس. مكتبة لبنان. بيروت. الطبعة الثانية 1984.ص600. 8 - محمد بن عبد المنعم الحميري: المصدر ذاته.ص:605. 9 – محمد بن عبد المنعم الحميري: المصدر ذاته. الصفحة نفسها. 10 – محمد حجي : معلمة المغرب. نشر مطابع سلا.1991.ج 3 : أم ربيع. 11 - الحسن بن محمد الوزان الفاسي: وصف إفريقيا. ترجمة محمد حجي . محمد الأخضر. دار الغرب الإسلامي بيروت. الطبعة الثانية 1983 ج2 ص 247 12- Doctoresse Legey : Essai de folklore marocain. Librairie orientaliste Paul Geuthner. Paris 1926. Page 36 13 – احمد الوارث: معلمة المغرب. ج 4 مادة( البدالي).
#سعيدي_المولودي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صورة المرأة في الغزليات الأمازيغية بالأطلس المتوسط
-
الفنون الأمازيغية بالأطلس المتوسط
-
الشيوعي الأخير يغادر الحياة
-
هواجس - سيدي المخفي-
-
19 عاما بعد خطاب -أجذير- وماذا بعد...؟
-
ملاحظات على هامش لفظة - ثِيكَّْلثْ - الأمازيغية
-
مشروع تهيئة موقع -أﯕلمام أزﯕزا- بالأطلس المتوس
...
-
مهرجان أجذير إيزوران: طقس العبور الثالث.
-
الضريبة على القيمة المضافة للجسد
-
رؤيا - الساعة - في المنام
-
مهرجان أجذير إيزوران 2: لحظة فرح استثنائية.
-
مهرجان أجذير إيزوران 2: في الحاجة إلى فعل ثقافي أمازيغي.
-
- ثِيشُّوثْ أُوجَنَّا- ( مرثية لبرية الجذور)
-
ثَمَّةَ...
-
انطباعات أهل المدينة الغامضة
-
- مواطنون- لا - شحاذون-
-
الواقيات
-
- 15-
-
- المجال- في الثقافة الأمازيغية بالأطلس المتوسط.
-
-جهات-
المزيد.....
-
شاهد.. فيضانات وانهيارات أرضية تضرب الصين وفيتنام
-
إعلام إيراني: طهران تسعى للعودة إلى اتفاق يونيو مع أمريكا
-
هل يحتوي الموز على نسبة خطيرة من الإشعاع؟
-
-أكسيوس-: العقوبات الأمريكية ضد إيران لم تسبب -زلزالا- كان ي
...
-
قطر: مسؤولون يعملون يوميا لإحياء محادثات أميركا وإيران وتدعو
...
-
-تواجه مشكلة؟ اتصل بي-.. نتنياهو يزوّد الإسرائيليين برقمه ال
...
-
من سوريا.. كاتس يؤكد بقاء قواته في جبل الشيخ والمنطقة الأمني
...
-
تونس: كيف تؤثر حادثة بنقردان في المناخ العام ؟
-
سوريا خارج القائمة الأمريكية للإرهاب: ماذا يعني القرار؟ وما
...
-
إيران تتحدى عقوبات واشنطن وتؤكد ثقتها في شركائها -الكبار-
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|