أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - شريف الصيفي - ألمانيا في انتظار صاحب اللحية الحمراء















المزيد.....



ألمانيا في انتظار صاحب اللحية الحمراء


شريف الصيفي
كاتب ومترجم من الألمانية واللغات المصرية والسامية القديمة


الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 00:24
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


«في قلب ألمانيا، في المنطقة المحيطة بجبل كيفهويزر Kyffhäuser ، ما زالت أصداء أسطورة قديمة تهمس بأن الإمبراطور «بارباروسا» (Barbarossa) لم يمت؛ بل لا يزال غارقًا في ثبات عميق بأعماق الجبل، يترقب اللحظة الحاسمة التي تستدعي عودته، لينقذ الأمة الألمانية ويعيد إليها مجدها الضائع»
هو الإمبراطور الألماني فريدريش الأول، الملقب بـ «بارباروسا» (Barbarossa)، وهي كلمة إيطالية تعني «صاحب اللحية الحمراء». وُلد عام 1122، ويُعد أحد أعظم أباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدسة وأكثرهم تأثيرًا. وخلال حكمه الذي امتد نحو خمسة وثلاثين عامًا، أعاد الهيبة إلى العرش الإمبراطوري وبسط نفوذه على مساحات واسعة من ألمانيا وإيطاليا. ينتمي إلى أسرة هوهنشتاوفن العريقة، وكان ابن دوق شوابيا. وقد اعتلى العرش عام 1152 خلفًا لعمه الملك كونراد الثالث، الذي فضّله على ابنه الصغير وأوصى له بالتاج قبل وفاته.
شارك فريدريش شابًا في الحملة الصليبية الثانية (1147–1149) إلى جانب عمه، واكتسب خلالها خبرة سياسية وعسكرية مهمة، رغم فشل الحملة. وعندما أصبح ملكًا نجح في احتواء النزاعات بين الأمراء والنبلاء الألمان، مما ساهم في تعزيز وحدة الإمبراطورية واستقرارها.
لكن التحدي الأكبر في عهده تمثل في صراعه الطويل مع البابوية. فقد كان يؤمن بأن سلطة الإمبراطور تستمد شرعيتها مباشرة من الله، لا من البابا في روما، وسعى إلى تأكيد أولوية السلطة الإمبراطورية على السلطة الكنسية. كما كان أول من رسّخ استخدام وصف «المقدسة» للإمبراطورية الرومانية، في محاولة لإبراز مكانتها المستقلة عن الشرعية البابوية.
قاد بارباروسا ست حملات إلى إيطاليا لإخضاع المدن المتمردة وترسيخ نفوذ الإمبراطورية، غير أن صراعه مع البابا ألكسندر الثالث وتحالف المدن اللومباردية انتهى بانتكاسة كبيرة بعد هزيمته في شمال إيطاليا. واضطر في النهاية إلى الاعتراف بالبابا والتصالح معه. وفي اللقاء الشهير الذي جمع الرجلين في البندقية عام 1177، طويت صفحة واحدة من أعنف المواجهات بين الإمبراطورية والبابوية في العصور الوسطى.
بعد انتصار صلاح الدين الأيوبي على ملك القدس "جيدو اللوزينياني" عام 1187 في موقعة حطين، أعد بارباروسا حملة عسكرية –برية- بالتزامن والتنسيق مع حملتي ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا وفيليب أغسطس ملك فرنسا البحريتين. تأسس هذا التحالف الثلاثي الفريد بهدف تحرير القدس، ولولا هذا الهدف ما تحقق تاريخيًا، فالتنافس والغيرة بين فيليب وريتشارد كانت مشتعلة، وكان وجود فريدريك بارباروسا بشخصيته القوية وخبرته هو الضمان الوحيد لاستمرار هذا التحالف متماسكًا، بل كان يعتبر القائد الحقيقي للحملة بوصفه حامل لقب "كبير ملوك أوروبا".
انطلقت حملته في الحادي عشر من مايو 1189، ومع اقترابها من حدود الأراضي البيزنطية، كان الخوف والشك يستعران في صدر الإمبراطور البيزنطي، إذ اعتقد أن هدف بارباروسا ليس القدس، بل احتلال القسطنطينية. وعندما حاول البيزنطيون عرقلة مسير جيش بارباروسا، هددهم باجتياح العاصمة، مما أجبر الإمبراطور على الرضوخ وتزويد الجيش بالمؤن والسفن اللازمة لعبور مضيق الدردنيل. وبعد ثلاث عشر شهرًا من انطلاق حملته، عسكر الجيش على نهر سالف بالقرب من سلوقيا في أسيا الصغرى، وفي أحد أيام يونيو الحارة أراد أن ينعش جسده بعد تناول الغداء بالسباحة في مياه النهر، لم يعد منها حيًا. فغرق الملك العجوز أثناء السباحة في النهر. صدم الجميع بموته بشدة، ودمرهم الحزن لدرجة أن البعض، مترددين بين الخوف والأمل، أنهوا حياتهم معه، وفقًا لبعض الروايات. واجتاح آخرون اليأس لأنهم شعروا وكأن الله لا يهتم بهم؛ فتركوا الإيمان المسيحي ومارسوا عادات الوثنيين. كان لموته أثر مباشر على الحملة المشتركة، فبغيابه غابت أكبر قوة برية، مما وضع عبء المواجهة البرية المباشرة مع جيش صلاح الدين على عاتق جنود ريتشارد وحدهم، وبالتالي تصاعدت الخلافات بين ريتشارد قلب الأسد وفيليب أغسطس وأدت إلى انفصال فيليب عن الحملة بحجة المرض وعاد بجنوده لفرنسا.
دُفنت أحشاء الملك بارباروسا في طرسوس، وبعد فُصل لحمه عن عظامه بالغليان وفقًا لطريقة "موس تيوتونيكوس" Mos Teutonicus - وهي عادة جرمانية في العصور الوسطى كوسيلة للاحتفاظ بجثث الأفراد ذوي المكانة العالية، عند موتهم في البلاد الغريبة، بنزع اللحم عن الجسد بالغليان بحيث يمكن الاحتفاظ بالعظام ونقلها- ودُفن اللحم في أنطاكية في بداية يوليو، أمّا عظامه، فخيطت داخل كيس وتقرّر دفنها في بيت المقدس وُجهة الحملة الصليبية، لكنها لم تصل بيت المقدس، وبالتالي تتضارب السجلات التاريخية المتعلّقة بمكان مرقد عظامه الأخير، ولكنّ التقارير اللاحقة تشير إلى أنّه ودُفن في كاتدرائية صور. وبذلك أصبح بارباروسا الملك الوحيد الآتي من العصور الوسطى ولا يزال مكان دفنه مجهولًا. ورغم وفاة الإمبراطور تمكنت القوات الألمانية من الوصول إلى الشام والمشاركة في حصار عكا إلى أن تم الاستيلاء عليها في يوليو 1191. بعد نهاية الحرب الصليبية تضاربت الروايات حول وفاته وانتشرت شائعات وأساطير مختلفة بين العامة بأنه لم يمت، كما أشيع، وأنه يحيا في قلعة جبل كيفهويزر Kyffhäuser في ولاية تورينجن (شرق ألمانيا) مع ابنته وخدمه ورجال بلاطه، جالسًا على عرشه أمام طاولة ذهبية وعلى رأسه تاج المُلك الذهبي. نمت لحيته الحمراء عبر الطاولة ودارت حولها مرتين، وعندما تمر حولها للمرة الثالثة سينهض الإمبراطور من نومه ويعيد توحيد الإمبراطورية وتثبيتها ويحرر أرض الميعاد وقبر المسيح المقدس، ثم يعلق درعه على غصن شجرة كمثرى ذابل، وستخاض معارك ضارية وستزدهر الشجرة.
لماذا كيفهويزر؟ جغرافية الأسطورة وعرين الإمبراطور
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا استأثر جبل «كيفهويزر» تحديدًا دون غيره من جبال ألمانيا وسلاسلها الصخرية بشرف احتضان هذه الأسطورة الكبرى؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل تكشف عن تضافر مذهل بين عبقرية الجغرافيا السياسية والبقايا الأثرية المادية؛ إذ لم يكن الاختيار الفولكلوري عشوائيًا، بل جاء ليعكس مكانة هذا الجبل الاستراتيجية في قلب أحداث الإمبراطورية الرومانية المقدسة. فمن الناحية الأثرية والتاريخية، كانت قمة الجبل تحتضن واحدة من أعتى وأضخم القلاع الإمبراطورية في العصور الوسطى (Reichsburg)، وهي الحصن الذي أشرف فريدريك (بارباروسا) بنفسه على توسيعه وتشييد أبراجه الشاهقة ليكون مركز ثقل سيادي يحكم من خلاله قبضة تاجه على وسط ألمانيا. هذا الحضور المعماري المهيب، المعلق بين السماء والأرض فوق المنحدرات الصخرية الحادة، ألهب بمرور الزمن مخيلة سكان القرى المحيطة؛ إذ غدا من السهل على الخيال الجمعي البسيط أن يتصور أن الإمبراطور الذي بنى هذا الحصن الأسطوري لم يمت حقًا، بل انسحب تكتيكياً إلى السراديب السحرية والأقبية المخفية الكامنة تحت تلك الأنقاض الدارسة. وينضم إلى ذلك التكوين الجيولوجي الفريد للجبل؛ فهو نتوء صخري حاد يرتفع فجأة وسط السهول، ويتميز بطبيعة صخرية غنية بالمغارات العميقة والشقوق الجوفية الغامضة التي تختفي فيها المياه وتتألق خلف عتمتها بحيرات ممتدة. هذه الطبيعة التحت-أرضية المهيبة جعلت الجبل بيئة خصبة جداً لولادة قصص "العوالم الموازية" والملوك النائمين المحاطين بالتعاويذ. فضلًا عن ذلك، فإن وقوع الجبل في ولاية «تورينجن» -التي تُمثّل السرة الجغرافية والقلب النابض لألمانيا- منح الأسطورة بعدًا قوميًا مركزيًا؛ فلكي يتحول الإمبراطور إلى رمز لـ"رأب الصدع ولم الشمل"، وكان لازمًا أن يقبع في نقطة المنتصف السحرية التي تربط شمال الأمة بجنوبها، وشرقها بغربها، منتظرًا اللحظة الكونية التي تنقشع فيها الغربان ليخرج ويوحد البلاد من معقله الحصين.
وقد سجل الأخوان جريم أشهر صيغ أسطورة بارباروسا، حيث يظهر الإمبراطور العجوز نائمًا في قلعة جوفية داخل جبل كيفهويزر، جالسًا على عرش من العاج ورأسه مستند إلى مائدة من الرخام. أما لحيته الحمراء المتوهجة فقد نمت عبر القرون حتى أخذت تلتف حول المائدة، في إشارة إلى الزمن المتوقف بانتظار لحظة البعث. ومن حين إلى آخر يوقظه حلم عابر، فيرسل قزمًا صغيرًا ليتحقق مما إذا كانت الغربان لا تزال تحلق فوق الجبل. فإذا عاد القزم مؤكدًا استمرار وجودها، تنهد الإمبراطور وعاد إلى سباته قرنًا آخر.
وتحمل عناصر الأسطورة دلالات رمزية واضحة؛ فالغربان تمثل الشقاق والانقسام الذي يحول دون عودة الإمبراطورية، بينما يرمز النسر، شعار الإمبراطورية الرومانية المقدسة، إلى الوحدة والقوة المتجددة. ولهذا لن يستيقظ بارباروسا إلا عندما يختفي سرب الغربان ويحلّق النسر وحيدًا فوق الجبل، وعندها ينهض الإمبراطور مع فرسانه المسحورين ليعيد النظام والمجد إلى الأمة الألمانية. وهكذا تحوّل فريدريك بارباروسا في المخيال الشعبي من إمبراطور تاريخي إلى «ملك نائم» ينتظر عودته الموعودة، على غرار شخصيات الخلاص الأسطورية في التراث الأوروبي.
عندما أنجبت الملكة كونستانس ملكة صقلية وليدها الوحيد في سن متأخرة أرادت في أن يحمل اسم فريدريك تيمنًا بجده فريدريك الأول بارباروسا، ولم تكن تعلم أنه سينهل من معينه الأسطوري. توج ملكًا على الإمبراطورية الرومانية المقدسة وهو رضيعًا في المهد في فرانكفورت عام 1196، وريثًا لتاج والده الإمبراطور هنري السادس.
أرسل حملة صليبية إلى مصر في عام 1221، لكنها منيت بالفشل الذريع على أسوار مدينة دمياط. وقاد بنفسه الحملة الصليبية السادسة إلى فلسطين عام 1228 واستطاع إنجاز ما لم تنجزه الحملات السابقة عبر المفاوضات مع الملك الكامل، حيث تم التوصل بموجب معاهدة يافا 1229 إلى إبرام معاهدة مدتها عشر سنوات، يتنازل فيها الملك الكامل لفريدريك الثاني عن القدس وبيت لحم والناصرة، مع بقاء المسجد الأقصى بيد العرب.
تجمعت في شخصيته جمع بين صفات الإمبراطور المحارب والمشرّع، والراعي للعلوم، والدبلوماسي. كما أن انفتاحه على الثقافات المختلفة واهتمامه بالمعرفة جعلاه يختلف عن كثير من ملوك أوروبا في القرن الثالث عشر، رغم أن طموحه السياسي أدخله في صراعات مستمرة مع النبلاء والبابوية، إذ رفض فكرة تفوق السلطة البابوية على السلطة الزمنية للأباطرة، وحارب لحماية استقلال إمبراطوريته، ونجح في تثبيت أركان الدولة.
بعد وفاة الإمبراطور فريدريك الثاني عام 1250، انتقلت إليه أسطورة «الإمبراطور النائم» التي ارتبطت سابقًا بجده بارباروسا. فقد شاع بين قطاعات واسعة من الشعب الألماني أنه لم يمت حقًا، بل اختفى في أحد الجبال (ارتبطت لاحقًا بجبل كيفهويزر) وسيعود يومًا عندما تبلغ معاناتهم ذروتها ليقيم العدل في البلاد ويضع حدًا لفساد رجال الدين والنبلاء. وتجلّت هذه التطلعات بوضوح في نبوءات الراهب الدومينيكاني الأخ أرنولد من شوابيا، التي مثّلت إحدى أبرز الحركات الألفية الراديكالية في ألمانيا خلال القرن الثالث عشر. وقد استلهم أرنولد أفكاره من رؤى يواكيم الفيوري الذي قسّم التاريخ إلى عصور متعاقبة، وتنبأ بقرب حلول «عصر الروح القدس» بوصفه مرحلة جديدة من الحرية والتجدد الروحي. وفي هذا السياق لم يُنظر إلى فريدريك الثاني بوصفه خصمًا للكنيسة، بل باعتباره الحاكم الذي سيقود عملية إصلاح كبرى، في حين صُوّرت البابوية باعتبارها تجسيدًا للفساد والانحراف عن رسالة المسيحية الأصلية.
واكتسبت هذه الأفكار شعبية بين الفلاحين والحرفيين والفئات الفقيرة التي رأت في الإمبراطور الغائب رمزًا للخلاص الاجتماعي والسياسي. وتوقعت النبوءات أن يعود فريدريك ليجرد الكنيسة من ثرواتها ونفوذها ويعيد توزيع خيراتها على المظلومين والمهمشين. غير أن الآمال المرتبطة بعام 1260 لم تتحقق، ومع انقضاء الموعد الموعود تراجعت الحركات الألفية تدريجيًا، إلا أن صورة الإمبراطور المخلّص بقيت حية في المخيال الشعبي الألماني، لتندمج لاحقًا بأسطورة بارباروسا وتصبح جزءًا من التراث السياسي والأسطوري لألمانيا.
الإمبراطور المزيف
لقد كان الشوق إلى العدل المفقود أحد أهم العوامل التي غذّت أسطورة الإمبراطور العائد. فمع دخول الإمبراطورية مرحلة طويلة من الاضطراب السياسي عقب وفاة فريدريك الثاني عام 1250، وانتشار الفوضى وتدهور الأوضاع الاقتصادية وازدياد الأعباء الضريبية، ترسخ في المخيال الشعبي الأمل بعودة الحاكم العادل الذي يعيد النظام والإنصاف إلى البلاد.
وفي هذا المناخ ظهر عام 1283 رجل يدعى تيله كولوب (Tile Kolup)، عُرف لاحقًا باسم ديتريش هولتسشو، مدعيًا أنه الإمبراطور فريدريك الثاني الذي عاد بعد غياب طويل. ورغم أن ادعاءه قوبل بالسخرية في البداية، فإنه نجح تدريجيًا في استقطاب الأنصار بفضل معرفته الدقيقة بتفاصيل حياة الإمبراطور الراحل، وتشابهه النسبي معه في المظهر، فضلًا عن استخدامه أختامًا ووثائق مزورة منحته مظهر الشرعية. كما أحاط نفسه بخدم ذوي بشرة سمراء في محاكاة متعمدة للحاشية المتوسطية التي عُرف بها فريدريك الثاني في صقلية، مما عزز اقتناع العامة بأنه الإمبراطور الحقيقي. وسرعان ما تجاوزت الظاهرة حدود الدجل الفردي؛ فقد وجد كثير من الفلاحين والفقراء في ديتريش رمزًا للخلاص من الضرائب والظلم، بينما استغل بعض النبلاء قضيته لمعارضة حكم الملك رودولف الأول الهابسبورجي. وهكذا تحولت الأسطورة إلى قوة سياسية قادرة على تعبئة الأنصار وإثارة القلق في أوساط السلطة.
في النهاية، منتشيًا بالنجاح الذي حققه، تجاوز "الإمبراطور المزيف" حدوده، إذ توجه جنوبًا، وأعلن عن نيته عقد برلمان إمبراطوري ضخم في فرانكفورت، ودعا الملك رودولف للحضور حتى يمنحه، بصفته إمبراطورًا، مملكة ألمانيا. كان رد رودولف هو الزحف ضد المدعي وحصار المدن التي آوته وأجبر أنصاره على التخلي عنه. أُلقي القبض على ديتريش عام 1285، وحوكم بتهم انتحال صفة الإمبراطور والهرطقة والدجل، ثم أُحرق حيًا في فيتسلار.
تكتسب طريقة الإعدام هذه أهمية بالغة؛ إذ لم يكن الحرق يُستخدم في حالات التمرد السياسي، بل كان حكرًا على جرائم السحر والهرطقة. وهو ما يُصدق ما توثقه السجلات التاريخية من أن هذا الرجل كان مدفوعًا بـ"هوس ديني"؛ فلم يكتفِ بادعاء أنه "فريدريك الثاني" الحقيقي، بل نصب نفسه مخلّصًا أخرويًا بعثه الله لتأديب رجال الدين وبسط سيادته على العالم بأسره. ويبدو أن "فريدريك المزيف" ظل مقتنعًا بيقين تام حتى رمقه الأخير بأنه سيعود إلى الحياة في غضون أيام قليلة، بل إنه قطع هذا الوعد لأتباعه الذين صدقوه بلا تردد. وبالفعل، ظهر بعد ذلك شخص شبيه به في هولندا، زعم أنه قام من بين الأموات بعد ثلاثة أيام من حادثة الحرق، قبل أن يُقبض عليه ويُعدم بدوره في أوتريخت.
والمثير للدهشة، أن الأساطير الشعبية بدأت تتشكل حول شخصية "فريدريك المزيف"، تمامًا كما نسجت خيوطها من قبل حول الإمبراطور الحقيقي. ولم يؤدِ إعدامه حرقًا في "فيتسلار" إلا إلى ترسيخ هيبة الإمبراطور في الوجدان العام بوصفه كائنًا خارقًا وعصيًا على الموت؛ إذ أفادت الروايات المتداولة آنذاك بأنه لم يُعثر على أي بقايا لعظامه تحت رماد المحرقة، بل وُجدت مكانها حبة فاصوليا صغيرة! وهو ما دفع العامة للاستنتاج فورًا بأن العناية الإلهية قد أنقذت الإمبراطور، وأنه ما زال حيًا يرزق وسيعود يومًا ما. وقد تناقلت الأجيال هذا المعتقد جيلًا بعد جيل حتى منتصف القرن الرابع عشر».
ولم تكن ظاهرة "ديتريش هولتسشو" حادثة معزولة، بل جزءًا من موجة أوسع من مدّعي الهوية الإمبراطورية الذين استغلوا الاعتقاد الشعبي بأن فريدريك الثاني لم يمت، بل سيعود يومًا لاستعادة العدل والنظام. ففي السنوات التي أعقبت إعدام ديتريش ظهر عدد من المحتالين الذين قدموا أنفسهم بوصفهم الإمبراطور الغائب. ففي أوترخت وفِتسلار برز مدعٍ آخر بين عامي 1285 و1286، لكنه اعتُقل سريعًا وأُعدم شنقًا. وبعده بعام واحد ظهر شخص آخر في مدينة لوبيك شمال ألمانيا مدعيًا أنه فريدريك الثاني العائد، فقُتل على الفور. ولم تخمد الأسطورة حتى بعد مرور عقود على وفاة الإمبراطور؛ إذ ظهر مدعٍ جديد عام 1295، أي بعد نحو خمسة وأربعين عامًا من وفاة فريدريك، وانتهى هو الآخر إلى الإعدام.
وتكشف هذه الوقائع عن مدى رسوخ صورة الإمبراطور المخلّص في المخيال الشعبي الألماني خلال القرن الثالث عشر. فبالنسبة لكثيرين لم يكن فريدريك الثاني مجرد حاكم راحل، بل شخصية شبه أسطورية رفض الناس التسليم بغيابها، الأمر الذي جعل ادعاء العودة الإمبراطورية وسيلة فعالة لحشد الأنصار واستثمار آمال الجماهير الساخطة على أوضاعها السياسية والاجتماعية.
لكن مع مرور الزمن تلاشت الصلة بين أسطورة الإمبراطور العائد وفريدريك الثاني، لتستقر نهائيًا حول شخصية جده بارباروسا. وفي عام 1546 شهدت ألمانيا الوسطى موجة جديدة من الهوس الشعبي عندما انتشرت شائعات بأن بارباروسا خرج من مخبئه في جبل كيفهويزر، وأنه يستعد لاستعادة الإمبراطورية وطرد الأتراك من أوروبا وتحرير الأرض المقدسة. وسرعان ما تحولت الشائعة إلى ظاهرة جماهيرية؛ إذ توافد آلاف الفلاحين والرعاة إلى الجبل بعد تداول روايات عن رجل مسن ذي لحية حمراء وهيبة ملكية ظهر بين أطلال القلعة ثم اختفى. ولم يلبث أن ظهر شخص يقيم في أقبية الجبل معلنًا أنه بارباروسا نفسه، وأنه ينتظر فقط اكتمال التأييد السياسي قبل أن يخرج لاستعادة الحكم وإقامة العدل في الإمبراطورية. وقد حظي هذا «الإمبراطور» المزعوم بتأييد واسع، حتى قيل إن أكثر من ألفي زائر كانوا يقصدون الجبل يوميًا حاملين الهدايا والنذور. وأمام اتساع الظاهرة تحرك النبلاء المحليون لوضع حد لها، فأرسل الكونت جونتر من شوارتسبورج فرسانه ليلًا إلى القلعة، ليختفي الرجل فجأة من الأنظار. ورغم انكشاف الحقيقة لاحقًا ـ إذ تبين أن «بارباروسا» المزعوم لم يكن سوى خياط مختل عقليًا هارب من أحد المصحات، فإن كثيرين فضلوا الاعتقاد بأن الإمبراطور عاد ببساطة إلى مخبئه الجوفي في انتظار موعد آخر للظهور. واستمر تدفق الزوار إلى الجبل قرابة عامين، في دليل لافت على قوة الأسطورة وقدرتها على إحياء الأمل بالخلاص والعدل حتى بعد مرور ثلاثة قرون على وفاة صاحبها.
في القرن التاسع عشر أصبح بارباروسا البطل الأوحد للأسطورة بفضل قصيدة «بارباروسا الهرِم» الشهيرة للشاعر الألماني "فريدريك روكرت" التي نشرها عام 1817، وأسهمت في ترسيخ صورة الإمبراطور النائم في الوجدان الألماني. ففي القصيدة لا يموت فريدريك بارباروسا، بل يرقد مسحورًا ينتظر:
"بارباروسا الهرِم، الإمبراطور فريدريك، لم يمت؛ بل يرقد منذ قرون في أعماق القلعة الجبلية. هناك يجلس على عرش من العاج، وأمامه مائدة من الرخام يسند إليها رأسه المتعب. نمت لحيته الحمراء المتوهجة حتى التفّت حول المائدة، بينما يغفو بين الحلم واليقظة. ومن حين إلى آخر يومئ برأسه ويأمر صبيًا بالخروج إلى سفح الجبل ليراقب الغربان التي تحوم في السماء. فإن كانت لا تزال هناك، عاد الإمبراطور إلى نومه وقال: «لم يحن الوقت بعد؛ دعني أنام مئة عام أخرى». لكنه سيستيقظ يومًا، وحين يستيقظ سيعود معه مجد الإمبراطورية الغابر."
وفي عام 1837 أعاد الشاعر الألماني إيمانويل جايبل إحياء الأسطورة في قصيدته «فريدريك صاحب اللحية الحمراء». يصوّر جايبل الإمبراطور بارباروسا راقدًا في أعماق جبل كيفهويزر، جالسًا أمام مائدة رخامية تحيط بها لحيته الذهبية الطويلة، بينما ينام حوله فرسانه بكامل عدتهم الحربية وكأن الزمن قد تجمّد في انتظار ساعة الخلاص. وإلى جوارهم يجلس الشاعر هنري أوفتردنجن ممسكًا بقيثارته الصامتة، في إشارة إلى أن ألمانيا نفسها ما تزال تنتظر أغنيتها الكبرى.
لكن القصيدة لا تنتهي بانتظار أبدي كما عند روكرت؛ فعندما يحل «الصباح العظيم» ويختفي سرب الغربان الذي يرمز إلى زمن الانقسام والضعف، يستيقظ بارباروسا، ويهبّ فرسانه من سباتهم، وتُفتح أبواب الجبل ليخرج الإمبراطور على رأس موكبه المهيب. وعندئذٍ تنحني الشعوب له، ويعيد تأسيس الإمبراطورية الألمانية المقدسة في آخن. وهكذا تحوّلت أسطورة بارباروسا في شعر جايبل من حكاية شعبية عن ملك نائم إلى رمز قومي يعد الألمان ببعث وحدتهم ومجدهم السياسي المفقود.
وفي 20 ديسمبر 1865 منحت الصدفة أسطورة بارباروسا حياة جديدة. ففي أثناء حفر نفق لاستخراج النحاس في منطقة كيفهويزر، اكتشف عمال المناجم كهفًا طبيعيًا هائلًا تبلغ مساحته نحو خمسة عشر ألف متر مربع، تتناثر في أرجائه بحيرات جوفية تتلألأ بلون أخضر ساحر بفعل ترسبات الجبس والمعادن. وسرعان ما ربط السكان هذا الاكتشاف بالأسطورة القديمة، معتقدين أنهم عثروا على القاعة الجوفية التي يرقد فيها الإمبراطور النائم. ومنذ ذلك الحين عُرف الموقع باسم «كهف بارباروسا»، ليغدو شاهدًا ماديًا جديدًا عزز حضور الأسطورة في المخيلة الألمانية ومنحها قدرًا من الواقعية لم تكن تملكه من قبل.
ومع صعود الحركة القومية الألمانية في القرن التاسع عشر اكتسبت أسطورة بارباروسا معنى سياسيًا جديدًا، إذ تحولت من حكاية شعبية عن إمبراطور نائم إلى رمز لوحدة الأمة الألمانية المنتظرة. وبعد نجاح أوتو فون بسمارك في توحيد ألمانيا عام 1871 تحت قيادة بروسيا، جرى تقديم القيصر فيلهلم الأول بلقبه "صاحب اللحية البيضاء" Barbabianca بوصفه وريثًا لبارباروسا ومحققًا لنبوءته. وانتشرت آنذاك صورة رمزية شهيرة تصف فيلهلم بأنه «صاحب اللحية البيضاء الجالس على عرش صاحب اللحية الحمراء»، في إشارة إلى أن الإمبراطورية الألمانية الجديدة ليست إلا امتدادًا للمجد الإمبراطوري الذي جسده بارباروسا في العصور الوسطى.
وفي إطار بناء هوية قومية مشتركة للدولة الوليدة، تبنت النخب السياسية والثقافية الأسطورة وروّجت لها بوصفها جزءًا من الذاكرة الوطنية الألمانية. وبلغ هذا التوظيف الرمزي ذروته عام 1874 عندما أُطلقت بعثة علمية إلى مدينة صور في لبنان، بدعم من الدوائر الرسمية الألمانية، للبحث عن رفات بارباروسا الذي غرق خلال الحملة الصليبية الثالثة عام 1190. وقد عبّر منظمو البعثة صراحة عن أملهم في أن يؤدي العثور على رفاته ونقلها إلى ألمانيا إلى تعزيز الشعور القومي وربط الإمبراطورية الجديدة بإرث الإمبراطورية القديمة. ورغم فشل البعثة في العثور على أي أثر للإمبراطور، فإنها تكشف حجم المكانة التي احتلها بارباروسا في المخيلة القومية الألمانية آنذاك.
وتوج هذا المسار عام 1896 بإقامة النصب التذكاري الضخم في جبل كيفهويزر، حيث نُحت تمثال بارباروسا في أسفل النصب وكأنه ينهض من سباته الأسطوري، بينما اعتلى القيصر فيلهلم الأول قمته ممتطيًا جواده. وقد جسّد هذا التكوين الرمزي الفكرة التي سعت الدولة الألمانية إلى ترسيخها: أن حلم بارباروسا القديم قد تحقق أخيرًا في الإمبراطورية الألمانية الموحدة.
وفي النصف الاول من القرن التاسع عشر جمع الكاتب لودفيج بششتاين عددًا من الحكايات الشعبية المرتبطة ببارباروسا ضمن كتابه «الأساطير الألمانية» تحت عنوان «هبات الإمبراطور فريدريك». وتدور هذه القصص حول رعاة وموسيقيين وفلاحين بسطاء يُتاح لهم دخول العالم السحري الكامن في أعماق جبل كيفهويزر، حيث يرقد الإمبراطور المسحور في قاعته الجوفية محاطًا بفرسانه وكنوزه.
في إحدى الحكايات يُكافأ راعٍ صغير بغنيمة من الذهب بعدما عزف لحنًا من أناشيد البلاط الإمبراطوري، وفي أخرى يقود قزمٌ راعيًا فقيرًا إلى أعماق الجبل حيث يرى بارباروسا جالسًا في هيبة الملوك النائمين. كما يظهر الإمبراطور لموسيقي شاب يعزف له على الناي، فيستيقظ لحظة ليسأل سؤاله المعتاد: «هل ما زالت الغربان تحلق فوق الجبل؟» وعندما يسمع الجواب بالإيجاب يتنهد قائلًا: «إذن مئة عام أخرى من النوم»، قبل أن يعود إلى سباته. وفي حكايات أخرى تتحول أغصان الشجر وكرات البولينج وحزم القنب، بل وحتى شعرات من لحيته الحمراء إلى ذهب خالص بين أيدي من ينالون رضاه.
تكشف هذه الحكايات عن التحول العميق الذي طرأ على صورة بارباروسا في الوعي الشعبي. فالإمبراطور الذي كان في التاريخ قائدًا محاربًا صار في الأسطورة أبًا حاميًا للأمة، ينام تحت الجبل منتظرًا ساعة العودة، بينما يواصل مكافأة البسطاء والأوفياء من أبناء شعبه. وهكذا لم يعد بارباروسا مجرد شخصية تاريخية، بل تحول إلى رمز للخير والعدل والوحدة الوطنية، وإلى ملك أسطوري يربط بين الماضي المجيد والأمل بمستقبل أفضل.
غير أن أسطورة بارباروسا لم تحظَ بالإجماع في القرن التاسع عشر. فبينما احتفى بها الرومانسيون والقوميون بوصفها رمزًا للوحدة الوطنية والبعث القومي، تعرضت لنقد حاد من مفكري حركة «ألمانيا الفتاة» والتيارات الليبرالية واليسارية. فقد رأى هؤلاء أن الأسطورة لا توقظ الشعب بقدر ما تُخدّره، إذ تدفعه إلى انتظار مخلّص أسطوري يعيد المجد والعدل بدلًا من السعي إلى تحقيق الحرية والإصلاح بجهوده السياسية الخاصة.
وانتقد التنويريون النزعة الرومانسية التي مجدت العصور الوسطى وقدمتها كعصر ذهبي، رغم أنها كانت في نظرهم حقبة إقطاع واستبداد وتخلف. وحذروا كذلك من أن إحياء شخصيات إمبراطورية محاربة مثل بارباروسا قد يغذي نزعات قومية متطرفة وعدوانية، وهو تحذير بدا نبوئيًا عندما استعادت الدعاية القومية الألمانية الأسطورة لاحقًا، وصولًا إلى إطلاق اسم على الغزو النازي للاتحاد السوفيتي عام 1941.
وكان الكاتب هاينريش هاينه من أبرز المنتقدين للأسطورة. ففي ملحمته الساخرة «ألمانيا: حكاية شتاء» يصور بارباروسا شيخًا هرمًا غارقًا في أوهام الماضي، بينما يواجهه الشاعر بحقيقة أن العالم قد تجاوز عصر الأباطرة والفرسان. ويخبره بأن الشعوب لم تعد بحاجة إلى ملوك أسطوريين، بل إلى الحرية والمؤسسات الحديثة. وهكذا تتحول أسطورة الإمبراطور العائد عند هاينه من وعد بالخلاص إلى رمز لعجز المجتمع الألماني عن التحرر من أوهام الماضي.
أما كارل ماركس فقد نظر إلى الأسطورة بوصفها مثالًا على «الوعي الزائف» الذي يجعل الجماهير تنتظر الخلاص من شخصيات استثنائية بدلًا من انتزاع حقوقها عبر النضال السياسي والاجتماعي. ومن هذا المنظور لم يكن تمجيد بارباروسا سوى وسيلة أيديولوجية ساعدت على تبرير مشروع الوحدة الألمانية المحافظ الذي قاده بسمارك من أعلى، تحت راية الملكية البروسية، لا ثمرةً لحركة تحرر ديمقراطية شعبية. ولهذا سخر ماركس من الربط بين بارباروسا وقيصر ألمانيا الموحدة فيلهلم الأول، ورأى في تصوير الأخير بوصفه «صاحب اللحية البيضاء» الذي يحقق رسالة «صاحب اللحية الحمراء» مجرد أسطورة سياسية تخدم الدولة أكثر مما تخدم الشعب.
ولم يكن اختيار هتلر اسم «بارباروسا» لغزو الاتحاد السوفيتي عام 1941 قرارًا عسكريًا عابرًا، بل كان محمّلًا بدلالات تاريخية ورمزية واضحة. فقد سعت القيادة النازية إلى ربط مشروعها التوسعي بإرث الإمبراطورية الألمانية القديمة، مستحضرةً شخصية فريدريك الأول بوصفه أحد أعظم أباطرة العصور الوسطى. وهكذا قُدِّم الغزو في الدعاية النازية باعتباره امتدادًا لصراع تاريخي بين ألمانيا والشرق، وجرى تصويره على أنه مهمة حضارية تهدف إلى القضاء على ما أسمته الأيديولوجيا النازية «البولشفية اليهودية» والدفاع عن أوروبا.
وفي المخيال القومي الذي غذّته الدعاية الرسمية، بدا الرايخ الثالث وكأنه وريث للرايخ الأول الذي مثله بارباروسا، بينما صُوِّر هتلر بوصفه القائد الذي أعاد إيقاظ القوة الألمانية الكامنة بعد قرون من التراجع والانقسام. وقد وظفت آلة جوزيف غوبلز الدعائية رموزًا مستمدة من أسطورة كيفهويزر، فاستُحضر الإمبراطور النائم والعائد المنتظر في إطار سردية قومية تمجد القيادة المطلقة والوحدة الوطنية والتوسع الإمبراطوري.
ومع ذلك فإن أسطورة بارباروسا نفسها كانت أقدم وأكثر تعقيدًا من أن تُختزل في توظيفها النازي. فقد وُلدت في الأصل بوصفها تعبيرًا شعبيًا عن الحنين إلى العدل والاستقرار في زمن الفوضى، ثم تحولت في العصر الرومانسي إلى رمز للوحدة القومية الألمانية. غير أن التاريخ يبين كيف يمكن للرموز والأساطير، مهما كانت بريئة في منشئها، أن تُعاد صياغتها وتوجيهها لخدمة مشاريع سياسية متناقضة؛ من الأمل بالخلاص والوحدة إلى تبرير الحروب والتوسع والعنف. وهنا تكمن إحدى أهم دلالات أسطورة بارباروسا: ليس في ما تقوله عن الماضي فحسب، بل في الكيفية التي أعادت بها الأجيال المتعاقبة توظيفها وفقًا لحاجاتها وأحلامها ومخاوفها.
ولم تكن أسطورة بارباروسا استثناءً في التاريخ الإنساني، بل كانت تعبيرًا عن نمط متكرر يظهر في أزمنة الأزمات والانكسارات الكبرى. فحين يعجز الناس عن تقبل هزيمة قائد محبوب أو انهيار نظام سياسي يمثل آمالهم، تنشأ أساطير «الغيبة والعودة» بوصفها وسيلة رمزية لمقاومة الواقع والحفاظ على الأمل.
وقد عرف التاريخ الإسلامي نماذج عديدة لهذه الظاهرة؛ ففي العقيدة الشيعية الاثني عشرية يرتبط مفهوم الغيبة بانتظار عودة الإمام محمد بن الحسن المهدي لإقامة العدل في آخر الزمان. كما نشأت لدى بعض أتباع الحاكم بأمر الله الفاطمي عقيدة تؤكد أنه لم يمت بل دخل في غيبة وسيعود في المستقبل، وظهرت لدى بعض فرق الكيسانية فكرة بقاء محمد بن الحنفية حيًا في جبل رضوى حتى يؤذن له بالظهور. وفي كل هذه الحالات امتزج التطلع الديني إلى الخلاص بالاحتجاج على واقع سياسي أو اجتماعي مضطرب.
ولم تقتصر هذه الظاهرة على العالم الإسلامي؛ فقد آمن البرتغاليون قرونًا بعودة الملك سباستيان الأول بعد اختفائه في معركة وادي المخازن سنة 1578. كما شهدت روسيا ظهور عدد من «الديمتريين المزيّفين» الذين ادّعوا أنهم الوريث الشرعي الناجي من الاغتيال. بل إن المصريين القدماء نسجوا حول الفرعون نخت أنبو الثاني روايات جعلته الأب السري للإسكندر الأكبر، في محاولة رمزية لتحويل الفاتح الأجنبي إلى وريث شرعي للملك المصري. وعلى نحو مشابه، ظهرت في الذاكرة الشعبية المصرية لاحقًا روايات وأساطير تُصوّر السلطان طومان باي بوصفه بطلًا غائبًا، رغم مشهد رأسه المعلّقة على باب زويلة.
تكشف هذه الأمثلة جميعًا عن حقيقة تاريخية لافتة: فالشعوب لا تصنع أساطير الملوك الغائبين لأنهم أقوياء فحسب، بل لأنها تجد فيهم تجسيدًا لأحلام العدالة والاستقرار والخلاص. وحين تبدو الهزيمة أو الظلم أكبر من أن يُحتمل، يصبح انتظار العائد الموعود وسيلة للحفاظ على الأمل، حتى وإن كان هذا الأمل يعيش في منطقة ملتبسة بين التاريخ والأسطورة. غير أن مصير أسطورة بارباروسا يبين أيضًا أن الأساطير ليست بريئة دائمًا. فهي قد تمنح الشعوب عزاءً في لحظات الانكسار، لكنها قد تتحول كذلك إلى أدوات سياسية تُستدعى لتبرير مشاريع السلطة والحروب والتوسع القومي. وبين الحلم الشعبي والدعاية السياسية تنقلت شخصية الإمبراطور ذي اللحية الحمراء عبر القرون، من بطل تاريخي إلى ملك نائم، ومن رمز للعدل والوحدة إلى شعار استُخدم في خدمة مشاريع إمبراطورية متعاقبة. وهكذا تبقى أسطورة بارباروسا شاهدًا على قدرة الذاكرة الجماعية على إعادة تشكيل الماضي وفق حاجات الحاضر؛ فالأمم لا تستدعي أبطالها كما كانوا دائمًا، بل كما تحتاج إليهم أن يكونوا.


مراجع عامة
- الحركة الصليبية د. سعيد عبد الفتاح عاشور، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1963.
- الإمبراطور فريدريك الثاني وعصره، د. رأفت عبد العميد، دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة 1998.
- "Wo Barbarossa schläft - der Kyffhäuser: der Traum vom Deutschen Reich", Diana Maria Friz (1990).
- Freed, John B. Frederick Barbarossa: The Prince and the Myth. Yale University Press, 2015.



#شريف_الصيفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كوميونة مونستر أو -أورشليم الجديدة- (1534- 1535)
- البحث عن الله في زمن الرقمنة قراءة في أحدث كتب بيونج تشول ها ...
- المسيح غنوصيًا
- أوريجانوس السكندري
- ، زهرة برية على كرسي الأسقفية -سينيزيوس القيرواني-
- شكاوى الفلاح المصري
- وصف الأحوال في مدينة العمال، ووقائع أول إضراب في تاريخ العمل ...


المزيد.....




- حزب التجمع ينعي فقيد سيناء الغالي الشيخ على فريج راشد
- الأحزاب في دقيقة: الحزب الاشتراكي الديمقراطي
- الأحزاب في دقيقة: الليبراليون
- الأحزاب في دقيقة: حزب اليسار
- -لينين-.. أسطورة القطب الشمالي
- اليسار واختراق القلعة الرقمية للرأسمالية
- تركيا.. -حزب العمال الكردستاني- يحذر من تسريبات تقف وراءها ق ...
- بيان لعائلتي الشهيدين الدريدي وبلهواري بمناسبة الذكرى الثاني ...
- Against the False Symmetry of the Scissors: An Open Letter W ...
- Brussels to Host -The People’s Festival’: A Global Gathering ...


المزيد.....

- حينما غضب النيل / ماهر الكرارسي
- في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما ... / محسين الشهباني
- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - شريف الصيفي - ألمانيا في انتظار صاحب اللحية الحمراء