أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رزيقة عدناني - نقد حجة -تطبيق القرآن- التي يستعملها المسلمون المتشددون خاصة ضد المرأة















المزيد.....

نقد حجة -تطبيق القرآن- التي يستعملها المسلمون المتشددون خاصة ضد المرأة


رزيقة عدناني
فيلسوفة، باحثة في الفكر الإسلامي و كاتبة فرنسية ـ جزاذرية

(Razika Adnani)


الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 15:22
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في الجزائر يشن المحافظون والمتشددون هجومًا عنيفًا على النساء، بل حتى على الفتيات الصغيرات، لكي يفرضوا عليهن قوانينهم البالية التمييزية العنصرية ضد النساء، وذلك على غرار ما يحدث في الكثير من المجتمعات الإسلامية منذ تصاعد التيار الإسلامي المتطرف. في ليبيا، في جويلية الماضي، تداول مستخدمو الإنترنت مقطع فيديو يُظهر امرأة تُجلد علنًا بتهمة الزنا. وقبلها، أي في نوفمبر 2024، صرّح وزير الداخلية الليبي بأنه يريد فرض الحجاب على النساء والفتيات ابتداءً من سن التاسعة. في أفغانستان اتخذت حركة طالبان، عندما وصلت إلى السلطة، قرارات تحرم المرأة من جميع حقوقها كإنسانة وكمواطنة. وقبل ذلك، في إيران والسعودية، فرض الملالي والوهابيون قوانين مجحفة بحق النساء. في كل المجتمعات الإسلامية، عندما يريد المحافظون والمتشددون الوصول إلى السلطة، أو عندما يتمكنون من بلوغها، فإن أول ما يفكرون فيه هو فرض المزيد من القوانين الإسلامية الأشد مخالفةً للكرامة الإنسانية، ليس على النساء فقط، بل عليهن بدرجة أكبر، بدلًا من التفكير في إيجاد حلول للمشكلات السياسية، والثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية.

حجة " تطبيق القرآن"
لإضفاء المشروعية على قراراتهم يستعمل الإسلاميون الأصوليون دائمًا «حجة تطبيق القرآن» . يؤكدون أنهم يريدون تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية التي هي أحكام إلهية واردة في القرآن. وما ذُكر في القرآن لا بد من تطبيقه. وهي الحجة التي استعملها في الماضي أيضًا رجال الدين إلى حد سجن المرأة في البيت مدى الحياة. إذا كانت المجتمعات قد اخترعت السجن لحماية نفسها من المجرمين، فإن رجال الدين المسلمين سجنوا النساء لكونهن نساء، وهو ما يعد جريمة في حق الإنسانية. هكذا كتب القرضاوي في كتابه «كيف نتعامل مع القرآن العظيم؟» ردًا على الذين يريدون إلغاء التفاوت في الميراث بين المرأة والرجل: إنّ التفاوت حكم منصوص عليه في القرآن، وأن إبطاله هو مخالفةٌ لإرادة الله، بل «إعطاء المخلوق حق استدراك الخالق سبحانه والتعقيب على حكمه، فيُبقي من أحكامه ما يشاء، ويلغي ما يشاء». وهي الحجة التي يستعملها أيضًا أساتذة جامعيين. إذ خطب أستاذ للعلوم الاقتصادية وعلوم التسيير في الجامعة الجزائرية في مسجد قائلًا إنَّ الرجل إذا لم تكفِه امرأة واحدة، فليأخذ امرأة ثانية، وإذا لم يكفِه ذلك، فليأخذ ثالثة ورابعة. وأضاف أنه يعلم أن النساء لن يعجبهن هذا الكلام، ولكن الله هو الذي أراد ذلك وذكره في القرآن.
خطاب هذا الأستاذ يتضمن خطأين كبيرين. الأول من حيث العقيدة الإسلامية، لا يمكن للإنسان أن يدّعي أنه يعرف بالضبط ما أراده الله، إلا إذا كان قد بلغ علمه ودخل عالمه. تقوم العقيدة الإسلامية على فكرة أن علم الله وعالمه من صفاته التي لا يشاركه فيها أي مخلوق. الثاني من حيث الهرمنيوطيقا، أي علم التأويل، لا يمكن للإنسان أن يطبّق القرآن، وإنما فقط ما فهمه منه، خاصة أن الخطاب القرآني يستوجب تفسيرًا لأن كل آياته تقريبًا لا تعطي التفاصيل اللازمة لتطبيقها. وأما منهج «النقل» الذي قال به المسلمون الأوائل لكي يعتبروا تفسيرهم صورة طبق الأصل للنص القرآني فهو خيال لا وجود له في الواقع. التفسير ليس صورة طبق الأصل للنص الأصلي، لأن الفكر ليس آلة تصوير تصوّر معاني النص القرآني لتضعها في كتب التفسير. والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن لأستاذ جامعي يدرّس العلوم أن يجهل هذا؟ بل وكيف يمكن لشخص أن يكون أستاذًا جامعيًا يدرّس العلم ــ بالمعنى الإبستمولوجي ــ القائم على الروح العلمية التي من مبادئها الموضوعية والواقعية، وفي الوقت نفسه إمامًا، بل داعيةً دينيةً يقوم خطابه على العاطفة والذاتية في الدفاع عن الدين، بل على طريقة معينة في فهمه وتطبيقه؟
أما عن القرضاوي الذي يعتبر أن إلغاء التفاوت في الميراث هو مخالفة لأوامر الله، فهو لا يقول الحقيقة لأنه يعلم أن المسلمين أبطلوا الكثير من الأحكام القرآنية. لذلك، فبالنسبة له، ما هو ممكن بخصوص كل المسائل يتحول إلى ما هو غير ممكن عندما يتعلق الأمر بالمرأة، بل عندما يتعلق بالحفاظ على امتيازات الرجل.

حجة غير صحيحة
في الحقيقة يكفي أن نقارن بين "الشريعة العملية"، أي القوانين الموجودة في كتب التشريع، و"الشريعة القرآنية"، أي القوانين المذكورة في القرآن، لكي ندرك أن المسلمين ألغوا، أو نسخوا، أحكامًا كثيرة وفسروا آيات كثيرة تفسيرًا أقل ما نقول عنه إنه لا علاقة له بما تمكننا الآيات من فهمه. لذلك فإن تطبيق القرآن لم يكن يومًا تطبيقًا لكل القرآن ولا تطبيقًا للقرآن بعينه لأن تفسير القرآن ليس القرآن، والتمييز بينهما ضروري. إن قول المحافظين والمتشددين إن "الحكم الموجود في القرآن لا بد من تطبيقه" عندما يتعلق الأمر خاصة بالمرأة لا يتعارض فقط مع تاريخ الإسلام، وحقيقة القانون الإسلامي أو "الشريعة العملية"، بل ينفيه الخطاب القرآني نفسه. لقد أقرّ القرآن في آيتين على الأقل بأن هناك أحكامًا مذكورة في القرآن لكنها منسوخة أو منسية، أي ليست قابلة للتطبيق. وهما الآية 106 من سورة البقرة: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، والآية 101 من سورة النحل: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾. مع العلم أن القرآن لم يعيّن تلك الأحكام بالضبط، أي لم يقل ما هي الأحكام الناسخة والأحكام المنسوخة. لذلك، فالذين قرروا ذلك هم رجال الدين الذين عاشوا في القرون الأولى للإسلام.
لا يطبق المسلمون مثلًا حكم الآية 105 من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، التي تأمرهم بأن يهتموا بشؤونهم وألا يتدخلوا في شؤون الآخرين وأن يكونوا مسؤولين عن أفعالهم وليسوا عن أفعال الآخرين. كما أنهم لا يأخذون في الحسبان حرية المعتقد التي تؤكدها عدة آيات منها الآية 29 من سورة الكهف: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، والآية 256 من سورة البقرة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. لقد قرروا عدم تطبيق حكم هاتين الآيتين اللتين تعترفان حرية المعتقد. ولا يطبقون الآية 58 من سورة النساء: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ما دام المسلمون ما زالوا يمنحون الرجل حقوقًا أكثر من التي يمنحونها للمرأة وهو ظلم في حق المرأة لأن العدالة تقوم على رفض كل تمييز في الحقوق قائم على الجنس.

موضوع شرب الخمر في القرآن مثال آخر على أن حجة «ما هو وارد في القرآن يجب أن يُطبَّق»، التي يستخدمها المسلمون عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على امتيازات الرجل على حساب المرأة، غير صحيحة، وأنه لا يكفي أن يكون الحكم واردًا في القرآن لكي يستوجب تطبيقه. لو تأملنا فقط في آيات فترة المدينة، فالآية 219 من سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ والآية 43 من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ كلتاهما لا تحرمان الخمر. تؤكد الأولى أن شرب الخمر إثم، ولكنها تؤكد في الوقت نفسه أن له منافع، وتكتفي الثانية بالنهي عن السكر عند الصلاة.

لكن السياسيين والمشرعين قرروا عدم تطبيق حكم الآيتين، بل نسخهما بالآيتين 90 و91 من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. رغم أن الآيتين لا تقولان إن الخمر محرّم، بل تدعوان إلى تجنبه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى عملية النسخ تطرح مشكلة كبيرة ما دام ليس هناك أي دليل في القرآن يُمكّن من معرفة أيُّ آيةٍ تنسخ أخرى. وإذا كانت الناسخة لا بد أن تكون آخر ما نزل، فإن جمع القرآن في كتاب واحد لم يحترم الترتيب الزمني لنزول الآيات.

الحجاب وحجة القرآن
أكثر ما يتمسك به المسلمون الأصوليون والتقليديون هو الحجاب الذي يكون على الخصوص بتغطية المرأة لشعرها، وعند البعض الآخر لوجهها، رغم أنه لا توجد آية قرآنية واحدة تقول بذلك. أي لا يوجد في القرآن ما يقول صراحة إن المرأة يجب أن تغطي شعرها أو وجهها. بل إن كلمة "حجاب" كلباس خاص بالمرأة لم تُذكر أصلًا في القرآن. وإنما الذين قالوا بذلك هم المفسرون. أما الآية 31 من سورة النور ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، التي تتكرر في خطاب المدافعين عن الحجاب كدليل على أن الحجاب فرض قرآني، فهي تقول إن المرأة يجب أن تغطي "جيوبها"، ولا تقول إنها يجب أن تغطي شعرها أو وجهها. و"الجيوب" عند بعض المفسرين تعني فتحة الثياب وعند البعض الآخر الصدر. أما كلمة "الخمار" فلا تعني غطاء الشعر، بل تشير إلى كل ما يُستعمل للتغطية مثلما نقرؤه في «لسان العرب» لابن منظور.
ومثلما يمكن لكل شخص قادر على القراءة أن يرى أن الآية لا تقول "إن المرأة يجب أن تغطي جيوبها بالخمار الذي تغطي به شعرها"، وهو ما يستدل به الذين يفرضون الحجاب على النساء، ولا تقول "إن ما يظهر من زينة المرأة هما اليدان والوجه فقط". وإنما الذين قالوا بهذا كله هم المفسرون ورجال الدين. لذلك فالمرأة التي تلبس الحجاب، سواء غطت رأسها أو رأسها ووجهها، فهي تطبق أوامر رجال الدين وليس حكم القرآن.

أما بالنسبة للآية 53 من سورة الأحزاب ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ التي يستعملها المتدينون الأصوليون لفرض النقاب على النساء، بل ولحبسهن في البيوت وإخفائهن تمامًا عن أنظار الرجال، فهي تقيم ستارًا أو حاجزًا بين زوجات النبي وأصحابه الذين كانوا يطيلون الحديث معهن، وهو ما لم يعجب النبي. وحسب بعض المفسرين، الأمر تعلق بعائشة، أصغر زوجاته سنًّا. لذلك فهذه الآية لا تخص كل النساء المسلمات. والقرآن نفسه يؤكد في الآية 32 من السورة نفسها: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أن زوجات النبي لسن ككل النساء. لكن أغلب المسلمين لا يأخذون في الاعتبار ما نص عليه القرآن، أي أن ما يخص زوجات النبي من قواعد لا يخص كل النساء. وإلا لكان حكم الآية 53 قد دخل في الآيات المنسية بعد وفاة زوجات النبي وأصحابه.

الرجال وغض البصر
بما أن المسلمين حبسوا المرأة في البيت لكي يخفوها عن أعين الرجال، و هو ما يفعله الطالبان اليوم أيضا، فهذا دليل آخر على أنهم لا يطبقون أوامر القرآن؛ لأنهم لو طبقوا الآية 30 من سورة النور ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ التي تأمر الرجال أن يخفضوا بصرهم، لما كانت هناك ذريعة لحبس المرأة في البيت أو للفّ كل جسدها في القماش. اليوم في المجتمعات الإسلامية، يعتبر التحرش، الذي لا يكون إلا بالنظر الملح إلى جسد المرأة، من أكبر هوايات الرجال في المجال العام. في مصر وهو بلد أغلبية سكانه مسلمون محافظين 99% من الفتيات والنساء تعرّضن للتحرش الجنسي في الشوارع وفقًا لدراسة نشرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة بروموندوPromundo غير الحكومية.
كذلك أصبحت مراقبة لباس النساء وتحركاتهن الشغل الشاغل للإسلاميين الأصوليين.
لا بد من الإشارة إلى أن أغلب المفسرين اكتفوا بالقول إن الرجل لا يجب أن ينظر إلى ما ليس مباحًا بشكل عام دون الإشارة إلى المرأة، رغم أن موضوع الآيتين 30 و31 يتعلق بالعلاقات بين الرجل والمرأة والأمور الجنسية. لذلك فهذه الآية تدعو الرجال لخفض بصرهم أمام النساء مثلما تدعوهم للحفاض على فروجهم، بينما يدعي الذين يريدون فرض الحجاب على المرأة أنَّ الرجل لا يستطيع التحكم في غريزته الجنسية وأنَّ المرأة ليس لها بدٌّ من حماية نفسها ما اعتداءاته الجنسية سوى إخفاء جسدها حتى لا يراه الرجل وهو ما يتعارض تماما مع حكم الآية 30 من سورة النور التي تأمر الرجل أن يحافظ على فرجه.
في الحقيقة لو طبق المسلمون الآية 105 من سورة المائدة التي تقول لهم إنهم مسؤولون فقط عن أعمالهم وليس عن أفعال الغير، فإنهم حتى وإن لم يغضوا أبصارهم وعرفوا ماذا لبست النساء، فلن يتدخلوا، ما دام القرآن يقول لهم "عليكم أنفسكم".

لذلك، رغم أن عقوبة الجلد منصوص عليها في القرآن: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة﴾ (الآية 2، سورة النور)، مهما كان الشخص مسلمًا شديد التديّن، فهو ليس مجبورًا ــ مثلما فعل الأصوليون في ليبيا ــ على تطبيق هذه العقوبة التي هي تعذيبٌ للإنسان وإهانةٌ لكرامته. خاصة وأن المسلمين لا يطبقون كل أحكام القرآن. أي آن لديهم ما يمكنهم دينيا و عمليا من عدم تطبيق الأحكام التي تهين كرامة الإنسان. هذه الكرامة التي يؤكد عليها القرآن في الآية 70 من سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. ولا بد من الإشارة إلى أن الآية 2 من سورة النور تحدد العقوبة نفسها على الزاني والزانية. لكن المتطرفين الذين طبقوها في ليبيا لم يطبقوها إلا على المرأة، مثلما تناقلت وسائل الإعلام الخبر، مما يبين أن الغاية من تطبيق الحكم هي قمع المرأة و إهانتها أكثر من كونها تطبيقًا للقرآن.

إسلام الإسلاميين والمتطرفين ليس قدرًا محتومًا
هذا التحليل يبين أن مشكلة الإسلاميين المتطرفين الذين يهددون كل ما حققته المجتمعات الإسلامية من تطور اجتماعي وإنساني وأخلاقي بين القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وخاصةً مكتسبات النساء، تكمن أكثر في ثقافتهم وأخلاقهم وحالاتهم النفسية، مما تكمن في النصوص القرآنية ذاتها. بل هم يستعملون القرآن فقط كذريعة لفرض قوانينهم الكارهة للنساء، وهم مدفوعون في ذلك برغبتهم في إهانتهن والتسلط عليهن، ما دام وجود حكم قرآني لم يمنعهم من عدم تطبيقه لما اعتبروا أن ذلك لا يخدم مصلحتهم أو لا يحقق المجتمع الذي أرادوه. التسلط على المرأة يوهمهم أنهم أسياد، وهو شعور يحتاجون إليه لمواساة أنفسهم إزاء ضعفهم في كل المجالات العلمية والتكنولوجية والسياسية، والفكرية والثقافية والأخلاقية. إن الذي يريد تطبيق الدين يكون أول من يطبق أحكامه على نفسه قبل أن يمليها على الغير، ويكون في بحث مستمر عن الحقيقة، يراجع دائمًا نفسه خوفًا من أن يكون على خطأ، مما يكون حاجزًا يمنعه من الرغبة في فرض قوانينه وفهمه للدين على الغير. المتشددون، على عكس ذلك، يعتبرون أنفسهم يملكون الحقيقة، وأن كل من له رأي آخر في الدين هو على خطأ، بل كافر.
يبين هذا التحليل أيضًا أن إسلام الإسلاميين والمتطرفين ليس قدرًا محتومًا، أي يمكن للمسلمين أن يكونوا مسلمين بطريقة مختلفة تمامًا عما يمليه المتشددون والسلفيون الأصوليون. فيما يتعلق بالقرآن، الكتاب المؤسس للإسلام، يمكنهم أن يختاروا الآيات التي لها بُعدٌ إنساني، وهي موجودة في القرآن، ويعطلوا التي لا تناسب عصرنا وقيم الإنسانية. كأن يختاروا احترام الكرامة الإنسانية التي أكد عليها القرآن بدلًا من حكم الجلد الذي هو مذكور أيضًا في القرآن. لا شيء من الناحية الدينية يمنع ذلك. فالقرآن يعترف بالنسخ وآياته التي كثيرا ما تتعارض بالنسبة لمسألة واحدة، تفرضه. مثلما اختار الأولون الأحكام المناسبة لقيمهم وثقافتهم، يحق لمسلمي اليوم أن يختاروا ما يناسب قيمهم وثقافتهم. كذلك، مثلما فسر الأولون القرآن حسب وسائلهم المعرفية وقيمهم الاجتماعية والأخلاقية، يحق لمسلمي اليوم أن يفسروه حسب وسائلهم المعرفية وقيمهم الاجتماعية والأخلاقية. هذا الإصلاح التطوري ليس اليوم ضروريًا فقط، بل هو قضية مسؤولية نحو المسلمين ونحو الإنسانية. الشرط الوحيد لذلك هو الخروج من عهد تقديس الماضي وإسلام القدماء.



#رزيقة_عدناني (هاشتاغ)       Razika_Adnani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
-  الحوار بين الأديان و شروط تحقيقه


المزيد.....




- الخارجية الروسية تحدد دولة تتحمل المسؤولية الأكبر عن الأزمة ...
- في تركيا.. اكتشاف حجر أثري في مقبرة سلجوقية يتكرّر فيه اسم ا ...
- ذكرى المولد النبوي تشعل جدلاً واسعاً في سوريا.. عطلة رسمية و ...
- الهيئة الإسلامية المسيحية تحذر: اقتحامات المستوطنين للمسجد ا ...
- -الصوت اليهودي- تحذر من انضمام مصر لاتفاق مكة وتغيير موازين ...
- الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية: ضمانة حقيقية أم إجراء ...
- -سيُبنى بالتأكيد-.. حاخام إسرائيلي يكشف مساعي لإقامة كنيس با ...
- تصاعد اعتداءات المستوطنين يهدد الوجود الفلسطيني في بلدة الطي ...
- العلماء يدرسون أدمغة الرهبان التبتيين بهدف علاج الاضطرابات ا ...
- آخر القرى المسيحية بالضفة الغربية تحت حصار المستوطنين


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رزيقة عدناني - نقد حجة -تطبيق القرآن- التي يستعملها المسلمون المتشددون خاصة ضد المرأة