محمد ابراهيم عرفة
الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 10:42
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
مقدمة
تُعد مسألة المثلية الجنسية بين النساء ، أي الممارسة الجنسية بين النساء، من المسائل التي تحتاج إلى تمييز دقيق بين النص الشرعي المباشر وبين الاستدلال الفقهي الذي نشأ بعد ذلك.
فالقول بأن المثلية الجنسية بين النساء محرّم في الفقه الإسلامي التقليدي صحيح من حيث الاتجاه العام للفقهاء، لكن السؤال الأصولي الأكثر دقة هو: ما الدليل الذي تأسس عليه هذا الحكم؟ وهل هو نص قطعي، أم حديث، أم إجماع، أم قياس؟
وهذا السؤال مهم خصوصًا عند بناء قراءة إسلامية معاصرة؛ لأن قوة الحكم تختلف باختلاف مصدره. فالحكم الثابت بنص قطعي ليس كالحكم الذي تأسس على حديث ضعيف أو قياس مختلف في حجيته أو إجماع لا يمكن إثباته تاريخيًا.
أولًا: الأحاديث الصريحة في السحاق
من أشهر الروايات في الباب حديث:
««السحاق بين النساء زنا بينهن».»
وقد روي عن واثلة بن الأسقع، وجاء بألفاظ متقاربة، منها:
««سحاق النساء زنا بينهن».»
وهذا الحديث هو أهم رواية يُستدل بها على تحريم السحاق؛ لأنه لا يحتاج إلى استنباط بعيد، بل ينسب إلى النبي ﷺ وصف السحاق بأنه «زنا».
غير أن الإشكال الأساسي هو ثبوت الحديث.
فقد حكم ابن حزم على الرواية بأنها «لا يصح وهو منقطع»، كما حكم عليها الألباني بأنها ضعيف جدًا. وقد أخرجت الرواية مصادر متعددة، منها أبو يعلى والبيهقي وابن أبي الدنيا وابن عدي، لكن تعدد مواضع التخريج لا يعني بالضرورة تعدد الأسانيد الصحيحة؛ إذ تدور طرق الرواية على أسانيد فيها علل.
ومن ثم لا يصح تقديم هذا الحديث بوصفه حديثًا صحيحًا متفقًا على صحته.
رواية «السحاق زنا النساء بينهن»
وردت الرواية أيضًا بصيغة:
««سحاق النساء زنا بينهن».»
وقد أخرجها أبو يعلى والبيهقي وابن أبي الدنيا بطرق متقاربة، ومن طرقها رواية عن واثلة بن الأسقع. وقد حكم الألباني عليها بالضعف الشديد.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن اختلاف ألفاظ الرواية لا يعني بالضرورة وجود أحاديث مستقلة صحيحة؛ فكثير مما يرد في كتب التخريج هو طرق وألفاظ مختلفة للرواية نفسها.
ثانيًا: الروايات التي تتحدث عن استغناء النساء بالنساء
توجد كذلك رواية بلفظ قريب من:
««لا تذهب الدنيا حتى يستغني النساء بالنساء والرجال بالرجال...».»
وقد وردت مع الرواية السابقة في بعض طرق الحديث عن واثلة. وحكم الألباني على الطريق الذي جمع هذه الألفاظ بالضعف الشديد.
وعليه، لا ينبغي جعل هذه الروايات أساسًا مستقلًا قويًا لإثبات حكم شرعي قطعي.
ثالثًا: الأحاديث الصحيحة المتعلقة بالنساء ليست نصوصًا في السحاق
ينبغي في المقابل عدم الوقوع في خطأ معاكس، وهو القول إن كل الأحاديث المتعلقة بعلاقة المرأة بالمرأة ضعيفة.
فهناك أحاديث وردت في موضوع العورة والنظر والمباشرة بين النساء، مثل حديث النهي عن إفضاء المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد.
فهناك حديث عن زيد بن أسلم عن أبى سعيد الخدري قال قال رسول الله ( لا ينظر الرجل إلى عؤرة ولا تنظر المرأة إلى عشرة المرأة )رواه مسلم
زيد بن أسلم مداس وقد عنهم في الحديث فالحديث ضعيف
رابعًا: هل يوجد إجماع على تحريم المثلية الجنسية بين النساء؟
قد يُقال بعد ذلك: حتى لو كانت الأحاديث الخاصة بالسحاق ضعيفة، فقد انعقد الإجماع على تحريمه.
وهنا ننتقل من علم الحديث إلى علم أصول الفقه.
فالإجماع عند جمهور الأصوليين ليس مجرد أن نجد عددًا كبيرًا من الفقهاء يقولون بالتحريم، بل له مفهوم وشروط دقيقة.
ومن التعريفات المشهورة:
اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي.
ويُشترط في التصور الأصولي المعتاد أن يكون الاتفاق اتفاقًا حقيقيًا بين المجتهدين، لا مجرد اتفاق طائفة منهم، وأن يكون في مسألة قابلة للاجتهاد.
ومن هنا تظهر عدة أسئلة في دعوى الإجماع على السحاق.
1. هل ثبت اتفاق جميع المجتهدين؟
مجرد العثور على أقوال عند المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة وغيرهم لا يكفي وحده لإثبات الإجماع بالمعنى الأصولي الصارم.
فالإجماع يعني اتفاق جميع المجتهدين المعتبرين في العصر، وليس اتفاق جمهور الفقهاء أو غالبهم.
وقد نُقل عن الإمام أحمد قوله في دعاوى الإجماع: «من ادعى الإجماع فقد كذب»، مع تفسير ذلك بأنه ينبغي أن يقال: «لا نعلم الناس اختلفوا»؛ أي إن إثبات الإجماع التاريخي ليس أمرًا يسيرًا.
وبالتالي فإن إثبات أن «الفقهاء حرّموا السحاق» شيء، وإثبات أن إجماعًا قطعيًا منعقدًا استوفى شروط الإجماع شيء آخر.
2. الإجماع لا يعني مجرد اتفاق المتأخرين
إذا كانت المسألة قد بدأت فيها أقوال فقهية في القرون اللاحقة، فلا يكفي أن نجد اتفاقًا واسعًا في كتب الفقه المتأخرة لكي نثبت تلقائيًا وجود إجماع نبوي أو صحابي أو مبكر.
فالإجماع الأصولي له شروطه التاريخية، ولا سيما معرفة من قال ومن خالف.
وهذا مهم جدًا في المسائل التي لا يوجد فيها نص قرآني صريح ولا حديث صحيح صريح.
3. موقف ابن حزم من الإجماع
ابن حزم لا ينكر الإجماع من حيث الأصل، لكنه يضع له مفهومًا شديد الصرامة.
فهو يرى أن الإجماع الحقيقي هو ما أمكن اليقين باتفاق الأمة عليه، ولا يقبل التوسع في دعوى الإجماع على المسائل التي يمكن أن يكون فيها خلاف مجهول. كما يربط الأحكام الدينية بالقرآن والسنة الثابتة، ويرفض أن يتحول رأي الفقهاء أو قياسهم إلى مصدر مستقل للتشريع.
ولهذا فإن منهجه مهم جدًا في مناقشة السحاق: لا يكفي أن يقال «أجمع العلماء» ما لم يمكن إثبات الإجماع بطريقة يقينية.
خامسًا: هل يمكن قياس السحاق على الزنا؟
هذه هي النقطة الأصولية الأهم.
قد يقول الفقيه:
الزنا محرم لأنه علاقة جنسية محرمة، والمثلية الجنسية بين النساء كذلك علاقة جنسية محرمة؛ إذن يُلحق السحاق بالزنا قياسًا.
لكن هذا الاستدلال ليس تلقائيًا.
فالقياس في اصطلاح الأصوليين هو إلحاق فرع بأصل في حكمه لعلة جامعة بينهما.
ولكي يكون القياس صحيحًا، يجب تحديد:
1. الأصل.
2. حكم الأصل.
3. الفرع.
4. العلة الجامعة.
5. ثبوت أن العلة موجودة في الفرع.
وهنا تظهر مشكلة أساسية: ما هي علة تحريم الزنا تحديدًا؟
هل هي مجرد اللذة الجنسية خارج إطار الزواج؟
أم الإيلاج؟
أم انتهاك الفروج؟
أم اختلاط الأنساب؟
أم الاعتداء على حق الزوجية؟
أم مجموع هذه الأمور؟
إذا كانت العلة هي الإيلاج في فرج محرم، فإن هذه العلة لا توجد في السحاق؛ لأن السحاق، بالمعنى الفقهي الذي يُبحث هنا، لا يتضمن إيلاج
وهنا يفقد القياس أحد أهم عناصره: وجود العلة نفسها في الفرع
سادسًا: الفارق بين الزنا والسحاق من حيث الإيلاج
الزنا في التصور الفقهي التقليدي مرتبط بالإيلاج في الفرج المحرم.
أما المثلية الجنسية بين النساء فهو ممارسة جنسية بين امرأتين لا يتحقق فيها هذا النوع من الإيلاج.
ولذلك لا يصح أن يقال ببساطة:
المثلية الجنسية بين النساء = زنا
ثم يُبنى الحكم كله على هذه المساواة.
بل يجب أولًا إثبات أن العلة التي من أجلها حُرّم الزنا هي نفسها موجودة في السحاق.
فإذا كانت العلة شيئًا خاصًا بالإيلاج، فلا يتحقق القياس.
أما إذا ادعى الفقيه أن العلة هي «مطلق الاستمتاع الجنسي المحرم»، فإنه يحتاج إلى دليل مستقل على أن هذه هي علة حكم الزنا، وليس مجرد افتراضها.
وهذه نقطة أصولية دقيقة جدًا.
سابعًا: مشكلة قياس العقوبات
المسألة تصبح أكثر صعوبة إذا لم يكن المقصود مجرد القول بتحريم السحاق، وإنما إثبات عقوبة حدية عليه.
فالحدود في الفقه الإسلامي مبنية على الاحتياط الشديد، ولا يكفي فيها مجرد التشابه الظني.
ولهذا فإن الانتقال من:
«الزنا له حد»
إلى:
«السحاق له الحد نفسه»
يحتاج إلى دليل أقوى من مجرد التشابه.
والسؤال هنا ليس فقط: هل الفعلان متشابهان أخلاقيًا؟
بل: هل ثبت أن الشارع جعل لهما الحكم الحدّي نفسه؟
وهذا فرق كبير بين التحريم وبين إثبات العقوبة الحدية.
ثامنًا: إنكار ابن حزم لحجية القياس
تزداد أهمية هذه المسألة عند النظر إلى موقف ابن حزم.
فابن حزم من أبرز علماء الظاهرية الذين رفضوا القياس بوصفه دليلًا مستقلًا في الأحكام الشرعية.
ويصرح في الإحكام بأن القياس لا يجوز أن يكون طريقًا مستقلًا لإثبات الأحكام، ويناقش حجج القائلين به، ويرى أن الحكم الشرعي ينبغي أن يرجع إلى النص أو الإجماع المتيقن.
كما يظهر في المحلى موقفه الصريح من القياس، إذ يجعل القياس كله غير جائز في الدين، ويعدّ الأحكام الشرعية منوطة بالنصوص وما ثبت من السنة والإجماع بالمعنى الذي يقبله.
وعلى منهج ابن حزم، لا يمكن ببساطة أن نقول:
الزنا حرام → المثلية الجنسية بين النساء يشبه الزنا → إذن السحاق حرام بالقياس.
لأن المقدمة الثالثة لا تكون حجة عنده أصلًا ما لم يوجد نص يثبت الحكم.
تاسعًا: موقف الإمامية من القياس
هذه النقطة تحتاج إلى شيء من الدقة أيضًا.
المدرسة الإمامية الاثنا عشرية لا تقبل القياس الظني بوصفه دليلًا شرعيًا مستقلًا بالطريقة التي اعتمدها جمهور من أصوليي أهل السنة.
وتقرر كتب أصول الفقه الإمامي أن القياس الظني ليس حجة، مع وجود تفصيل مهم؛ فبعض الصور التي تكون فيها العلة معلومة قطعًا أو يكون التعدي من النص من قبيل مفهوم الأولوية لا تُعامل بالضرورة معاملة القياس الظني المرفوض.
وتظهر في كتب الإمامية عبارات صريحة في أن القياس عندهم غير حجة في الأحكام، ومن ذلك مناقشات العلامة الحلي لقياسات الخصوم، حيث يقرر في بعض المواضع أن «القياس عندنا باطل» في الأحكام الشرعية.
وبالتالي، فإن الاعتماد على القياس لإثبات حكم السحاق ليس مقبولًا وفق منهج ابن حزم ولا وفق المنهج الإمامي الرافض للقياس الظني.
عاشرًا: ماذا يبقى من الأدلة؟
بعد تفكيك الأدلة يمكن ترتيب المسألة هكذا:
الدليل الأول: القرآن
لا توجد آية قرآنية تذكر المثلية الجنسية بين النساء صراحة وتحكم عليه بالتحريم.
وقصة قوم لوط تتحدث بصورة مباشرة عن إتيان الرجال الرجال، ولذلك فإن تطبيقها على السحاق يحتاج إلى استدلال إضافي.
الدليل الثاني: الحديث
الحديث الأكثر صراحة:
««السحاق بين النساء زنا بينهن»»
ليس ثابتًا بسند صحيح؛ فقد حكم ابن حزم بأنه لا يصح ومنقطع، وحكم الألباني عليه بالضعف الشديد.
الدليل الثالث: الإجماع
وجود اتفاق واسع بين الفقهاء على التحريم لا يساوي بالضرورة إثبات إجماع أصولي قطعي، إلا إذا أمكن إثبات اتفاق جميع المجتهدين المستوفين لشروط الإجماع في عصر معين.
وهذا محل بحث تاريخي وأصولي مستقل.
الدليل الرابع: القياس على الزنا
هذا القياس يحتاج إلى إثبات العلة الجامعة.
والسحاق يختلف عن الزنا من حيث عدم تحقق الإيلاج الذي يرتبط به مفهوم الزنا في الاصطلاح الفقهي.
كما أن أصل حجية القياس نفسه محل خلاف كبير؛ فقد رفضه الظاهرية، وعلى رأسهم ابن حزم، كما لا يحتج به الإمامية في صورته الظنية المعروفة عند جمهور الأصوليين.
خاتمة
من الناحية الأصولية، يمكن بناء نقد قوي للاستدلال التقليدي على تحريم السحاق إذا فُككت الأدلة إلى عناصرها بدل جمعها في حجة واحدة.
فالحديث الصريح في المسألة ضعيف، والقرآن لا يذكر السحاق بنص خاص، ودعوى الإجماع تحتاج إلى إثبات شروط الإجماع ومصدره وإمكان التحقق من اتفاق جميع المجتهدين، أما القياس على الزنا فيفترض وجود علة مشتركة، مع وجود فارق واضح هو عدم الإيلاج، فضلًا عن أن حجية القياس نفسها ليست محل اتفاق بين المدارس الإسلامية
ومن ثم فإن النتيجة المنهجية الأكثر دقة ليست القول بأن «التراث الإسلامي أجمع على أن السحاق مباح»، فهذا غير صحيح تاريخيًا، وإنما القول:
إن الحكم الفقهي التقليدي بتحريم المثلية الجنسية بين النساء لا يستند، فيما يتعلق بالنصوص الصريحة الخاصة به، إلى آية قرآنية قطعية أو حديث صحيح صريح متفق عليه، وإنما دخلت في تأسيسه أحاديث ضعيفة، واستدلالات فقهية، ودعاوى إجماع، وقياسات تختلف حجيتها باختلاف المدارس الأصولية.
وهذا يفتح المجال أمام قراءة إسلامية معاصرة تعيد تقييم المسألة، خصوصًا إذا كانت تميز بين ما هو قطعي الثبوت والدلالة، وما هو اجتهادي قابل للنقاش
#محمد_ابراهيم_عرفة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟