|
|
قراءة سابرة لخطوات القائد الشيوعي سعيد مضية التي غمرتها الرمال
جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي
(Jihad Hamdan)
الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 14:13
المحور:
أوراق كتبت في وعن السجن
المقدمة: حفريات في ذاكرة لا تساوم نادرة هي المذكرات السياسية التي تنجو من فخ "النرجسية" وتلميع الذات لتتحول إلى وثيقة تشريح سوسيولوجي وسياسي لجيل بأكمله. لا يكتفي الرفيق سعيد مضية في مذكراته الصادرة في رام الله-فلسطين عام 2016 تحت عنوان خطوات غمرتها الرمال بسرد يوميات سيرته الفكرية، بل يقدم حفراً أركيولوجياً في ذاكرة الحركة الوطنية (الفلسطينية والأردنية) منذ منتصف القرن العشرين وما تلاها من زلازل سياسية واجتماعية. عبر منهجية توثيقية صارمة ينبش الرفيق الرمال عن الأسماء والتفاصيل، ويُخرج عشرات الوجوه من عتمة النسيان وزنازين الاعتقال إلى نور التاريخ؛ موثقاً بطولات الصمود تارة، وكاشفاً بمرارة وموضوعية عن لحظات الانكسار والارتجال تارة أخرى. إن قراءة هذه المذكرات ليست ترفاً أدبياً لاستعادة الماضي، بل هي اشتباك نقدي مع محطات مفصلية شكلت وعينا وأسست لهزائمنا؛ بدءاً من قمع الحريات والزج بالمعارضين في أقبية السجون، مروراً بزلزال حزيران ومأزق المقاومة، وصولاً إلى فخاخ الانفتاح الاقتصادي والتصحر الفكري. تفكك قراءتنا هذه المذكرات عبر سبعة محاور رئيسية، لتستنطق شهادات كُتبت بنزيف الأرواح، وعذابات الزنازين، وجسّدتها بطولات رفاقٍ قُدّت عزائمهم من صلابة المبادئ والإيمان بانتصار السجين على الجلاد، والعلم على الجهل، والنور على العتمة. المحور الأول: "سنة التيل" والنكبة.. تشظي الوعي المبكر وانبعاث الأسماء من تحت الرمال لا يمكن قراءة مذكرات سعيد مضية بمعزل عن الصدمات التأسيسية التي شكلت بنية وعيه الأول؛ إذ ينطلق النص من استنطاق الذاكرة المكانية لقريته حلحول من أعمال الخليل واصطدامها المبكر ببطش الانتداب البريطاني في حزيران عام 1938. يعمد الكاتب هنا إلى إزاحة الرمال عن أسماء حقيقية كادت أن تُنسى، محولاً ما عُرف بحادثة التيل (الأسلاك الشائكة) من مجرد سرد تاريخي عام إلى تراجيديا إنسانية موثقة بالأسماء والوجوه. ففي مواجهة غطرسة قائد الفرقة البريطانية دوغلاس غوردون الذي أمر بمنع الماء والطعام، يستعيد الكاتب ملامح الشهيد عبد الرحيم إبراهيم البو الذي قُتل برصاص الاحتلال أثناء محاولته التسلل لكسر الحصار. ولا يغفل عن تخليد بطولة النساء، فيستحضر هند أبو ريان عناني التي قادت نسوة القرية في محاولة جريئة لتقديم الماء للمحتجزين. وتتجلى ذروة المأساة في توثيق الفاجعة المزدوجة للشهيد رشيد سليمان نوفل الذي ألقى بنفسه في البئر ليُقتل بالرصاص، وشقيقه إبراهيم الذي فارق الحياة كمداً فور سماعه صوت الرصاصة التي اغتالت أخاه، بل ويمتد توثيق الألم ليشمل الضحايا الصامتين مثل هدبة أبو صايمة التي ماتت حزناً وكمداً على ضحايا القرية. سرعان ما تتمدد مساحة القهر من حيز القرية إلى فضاء الوطن مع حلول كارثة النكبة عام 1948؛ حيث يربط النص بين الانهيار وسقوط القرى المجاورة، مقدماً أسماء دفعت ثمن المواجهة، وفي طليعتهم الشهيد عبد الكريم عرمان الذي سقط في معارك كفر عصيون، والذي كان قد برز كأحد قادة فصائل ثورة 1936. وفي خضم هذا العجز، يسلط الكاتب الضوء على شخصيات تنويرية برزت لانتشال الجيل من الضياع، متمثلة في مديري مدرسة القرية؛ أحمد دويك الذي تمسك بضرورة التحاق الكاتب بالمدرسة مبكراً رافضاً تركه لرعي الأغنام، وجودت دويك الذي حوّل مقاعد الدراسة إلى جبهة مقاومة فكرية، موجهاً طلبته لتحدي العدو بالمعرفة والانفتاح الثقافي. في سياق هذا التردي السياسي، تبرز قدرة الكاتب على ممارسة النقد الذاتي للمجتمع، مستحضراً شخوصاً من الحياة اليومية لكشف التناقضات. وتجلت هذه النظرة في مفارقة موسم قطاف العنب؛ فبعد أن استجاب أهالي القرية لموعظة الإمام المصري الشيخ أمجد وأقسموا خلفه في المسجد على عدم غش البضائع، يُفاجأ الكاتب الشاب بأحد أقاربه يمارس الغش بفرز العنب الجيد لإخفاء الرديء. وحين واجهه بقسم الشيخ أمجد، جاءه الرد صادماً: "واحد مغفل زيك يحلف "! هذا التناقض الصارخ بين الخطاب الديني والممارسة اليومية، أحدث شرخاً عميقاً في قناعاته الموروثة، وكشف له عن قصور البنى التقليدية في تقديم إجابات لأزمات المجتمع، مما مهد الطريق لوعيه الفتي للبحث عن مسارات فكرية وسياسية بديلة. المحور الثاني: التمرد الفكري .. حين تتحول التهمة إلى هوية ينتقل الكاتب في هذا المحور من مرحلة الصدمة وتلقي القهر إلى مرحلة التمرد والبحث النشط عن أطر فكرية قادرة على تفسير الواقع وتغييره. وفي خضم هذا المخاض، يواصل مضية منهجيته في "أنسنة" التاريخ، مستحضراً شخصيات لعبت دوراً مفصلياً في صياغة وعيه. يبدأ الصدام الأيديولوجي المبكر في كلية الحسين بعمان، حيث رفض الكاتب الانسياق خلف الخطاب الديني السياسي الذي كان يمثله الشيخ عبد العزيز الخياط (نائب رئيس حزب التحرير الإسلامي آنذاك)، معتبراً هذا التوجه عاجزاً عن استئصال التقاليد البالية وعلاج جذور التخلف. وفي هذا الرفض، يستحضر الكاتب اسم زميله الأديب والناقد صبحي شحروري حيث تشاطرا الموقف وتدني العلامات في مادة الثقافة الإسلامية. وفي سياق التمرد الشبابي، يمارس الكاتب نقداً ذاتياً جريئاً حين يستذكر بمرارة حادثة طيش دفع ثمنها غالياً، وبطلها إبراهيم نسيبة، معلم النشاط الرياضي والمشرف على السكن الداخلي في الكلية. فقد لاحظ نسيبة تجاوزات الكاتب ونصحه بتعديل سلوكه، وفي إحدى الأمسيات، تعالت صرخة مفاجئة من الغرفة المجاورة دفعت المشرف للخروج مسرعاً ليستكشف الأمر، وليضبط الكاتب وهو ينقضّ على زميله مما أثار حفيظة المشرف. وتجلت عاقبة هذا "الاستهتار الأرعن" حين تفاجأ الكاتب بنسيبة عضواً في لجنة الامتحان العملي نهاية العام، ليُعطّل تقرير اللجنة حصوله على شهادة التربية والتعليم. كان ذلك درسا عمليا وقاسيا لم يتجاوزه سعيد إلا في العام التالي حين نال الشهادة أثناء تدريسه في مدرسة صوريف. وعلى النقيض من خطيئة الطيش وضعف الخطاب التقليدي، تبرز صورة ملهمة زلزلت وعي الشاب، حين اصطحبه مدرس علم النفس محمد العباسي (أبو المأمون) مع عدد من الطلبة لحضور الجلسة الأولى لمحاكمة فؤاد نصار، سكرتير الحزب الشيوعي الأردني، الذي قُبض عليه آنذاك في بيت يحوي مطبعة سرية. يصف الكاتب ذهوله الشديد أمام مشهد غير مسبوق في حياته؛ حيث وقف نصار يشن هجوماً صاعقاً على القاضي ويطعنً في شرعيته، كاسراً لأول مرة هيبة السلطة المطلقة التي تكرست في أذهان الأجيال بأن "طاعة الحكم واجب بموجب الشرع". ويستحضر السرد تفصيلاً دقيقاً من اليوم التالي للمحاكمة، حين ناقش الطلبة الحدث مع أستاذهم، مبدين إكبارهم وإعجابهم بشجاعة القائد. غير أن الأستاذ اختتم النقاش بملاحظة نقدية واقعية، معتبراً أن نصار أخطأ بتهجمه الحاد، لأن النتيجة المباشرة لتلك الجرأة كانت قرار القاضي تحويل المحاكمة إلى جلسات سرية، مما حجب الرؤية وقطع الأمل في حضور الجماهير والطلبة لها مجدداً. لقد كانت تلك المحاكمة، بنقاشاتها ونتائجها، تجربة زرعت الإعجاب العميق في نفس الكاتب وشكلت إلهاماً صامتاً، وإن لم تحفزه لاتخاذ إجراء تنظيمي مباشر في حينها. بموازاة هذا الإلهام، كان القمع البيروقراطي يمارس دوره العبثي في تعجيل انحياز الكاتب الفكري. يستحضر النص شخصية المفتش (مدير التربية)، ذلك الموظف المتسلق الذي حوّل عريضة بريئة وقعها طلبة مدرسة صوريف للمطالبة بحقوقهم التعليمية، إلى "مؤامرة شيوعية هدامة" ليثبت ولاءه للنظام ويحظى بالترقية. أدت هذه الانتهازية إلى معاقبة الكاتب ونفيه تعسفياً للتدريس في قرية بيت عوا النائية. وهناك، وسط مشاهد الفقر المدقع للفلاحين الذين حُرموا من أراضيهم، واعتداءات الاحتلال الليلية، أدرك الكاتب أن الشيوعية التي اتُهم بها زوراً هي في جوهرها انحياز للمسحوقين والمقهورين، فقرر المضي بإرادته الحازمة للبحث عن هذا الفكر واعتناقه، لتتحول التهمة الكيدية إلى هوية نضالية راسخة. لم يكن هذا التحول الفكري ليتبلور لولا الحراك الثقافي الذي كسر سياسة التجهيل. وهنا، ينفض الكاتب الرمال عن أسماء أضاءت عتمة تلك المرحلة، مثل "الأخوين الشويكي" اللذين أسسا كشكاً لبيع الصحف والكتب التقدمية الممنوعة وسط ساحة باب الزاوية في الخليل، وكانا يفرزان الزبائن بذكاء لتمرير المعرفة من تحت الأكداس. ولا يغفل السرد عن تخليد مبادرة المحامي الشاب محمد عياش ملحم الذي أسس من ماله الخاص، وهو العائد من بريطانيا، مكتبة عامة في زاوية مقهى قرية حلحول، لتصبح نافذة تنويرية تداول عبرها الفلاحون والشباب روايات مثل "الأرض" للشرقاوي، قبل أن تطالها يد المنع وتصبح محتوياتها "مواد جرمية". وتكتمل لوحة الصمود الفكري بذكر الرفيق المعلم محمد حسن عمرو، الذي طالته عقوبات المفتش ذاته بالنفي والتنكيل إلى بني نعيم ثم رام الله، لينتهي به المطاف معتقلاً في سجن الجفر الصحراوي. وفي رمزية بليغة تنتصر فيها الحياة على قحط المنافي والسجون، يروي الكاتب كيف زرع هذا المناضل بذرة مشمش وجدها في مربى داخل السجن، لتنبت وتتفرع وتثمر، وتُعرف بين المعتقلين بـ "شجرة محمد حسن عمرو". وفي ذات السياق تأصيل الوعي، تبرز ضرورة الإشارة إلى شخصية مخلص عمرو ودوره كمثقف حاول توظيف الثقافة في معركة مناهضة الانتداب وبناء التنظيم الثوري. يسلط الكاتب الضوء على مخلص عمرو كمفكر بارز ومناضل طليعي أُجهض مشروعه التنويري لا من قِبل العدو، بل من بعض رفاقه. لقد عومل مخلص عمرو بعقلية إقصائية ضيقة نظرت إلى سعة ثقافته واجتهاده الفكري كخطر يجب مقاطعته وتخوينه، وهذا مؤسفٌ عندما يضيق التنظيم ذرعاً بمثقفيه، فتتحول الثقافة والاجتهاد إلى نقيض للانضباط النضالي. المحور الثالث: "خلف الشاشة".. كواليس العمل السري وتضحيات المختفين ينتقل الكاتب من فضاءات التمرد العلني إلى خبايا العمل السري المنظم، ليقدم وثيقة استثنائية عن حياة الشيوعيين المطاردين وعائلاتهم؛ حيث يصبح التخفي أداة للبقاء واستمرار عمل الحزب وحائط صد لكسر احتكار السلطة للإعلام. في قاموس هذا العمل السري، يفكك الكاتب شيفرة مصطلح "الجهاز"، موضحاً أنه لم يكن يعني آلة الطباعة بحد ذاتها، بل كان يُطلق على "المواد المطبوعة" ونقلها السري. وتبرز جسامة هذه المهمة حين يستذكر الكاتب الرفيق الذي كُلف بنقل "الجهاز" (المطبوعات) على ظهره ليقع في قبضة الأمن إثر اشتباه موظف جمارك به، وهي الحادثة التي أدت إلى اكتشاف مطبعة الحزب واعتقال فؤاد نصار. لا يقدم مضية سردية بوليسية جافة، بل يتابع "أنسنة" النضال بنبش الرمال عن الرفاق الذين أداروا عجلة الوعي من خلف الجدران. يبرز هذا الجهد من خلال تأمين مسكن معزول، اختاره الرفيق جابر حسين جابر (أبو أمل)، ليكون حاضنة لآلة الطباعة (الستانسل) والعمل الحزبي. في هذا المخبأ، يخلّد السرد تفاصيل دقيقة لرفاق "القيادة الثلاثية" التي أدارت دفة الحزب خارج السجون. يستحضر الكاتب شخصية رشدي شاهين (أبو إبراهيم)، المثقف الثوري الذي سكن البيت الحزبي منتحلاً صفة عم الزوجة، والذي تميز بالدماثة وحب العزلة، وكان دأبه على الترجمة إلهاماً للكاتب في مهنته اللاحقة. وإلى جانبه، يبرز الرفيق نعيم الأشهب متخفياً كـشقيق للزوجة، متفرغاً ببراعة لصف الحروف وتدقيقها على ألواح الشمع، ليخرجا معاً أعداد الجريدة والكراريس. وتكتمل اللوحة القيادية بزيارات عبد العزيز العطي صاحب الابتسامة الوردية، وفهمي السلفيتي (أبو سليم)، الشخصية الكارزمية ذات الذكاء العملي والنقد الحدسي، والذي كان يشدد على فرائض اليقظة الأمنية معتبراً أن إصدار المطبوعات التثقيفية يوازي في أهميته قيادة الحزب ذاتها. على التوازي مع النضال السياسي، يرفع الكاتب الستار عن البطولة الصامتة والتكلفة الإنسانية الباهظة، مجسدة في زوجته فوزية (أم فؤاد). لقد حُرمت هذه الشابة من أبسط حقوقها في الحياة الاجتماعية وطقوس الأمومة الطبيعية، مندمجة في بيئة قاسية لإعاشة ضيوف دائمين من المطاردين. ولا يكتفي الكاتب بتصوير معاناتها، بل يوثق شجاعتها ورباطة جأشها؛ ففي إحدى المرات التي تواجدت فيها الشرطة في الحي، أصرت على أن يغادر الكاتب ورفيقه بينما تبقى هي لمواجهة الموقف بمفردها. كما يورد تفصيلاً إنسانياً شفيفاً حين أخفت حملها مرتين رغبةً وإصراراً منها على إنجاب بنت (أمل). ويمتد دورها لاحقاً لتعبر حواجز الاحتلال مخبئة المطبوعات تحت "ملايتها" لتسليمها للرفاق. ويمتد توثيق هذا التكافل الإنساني في الظل ليستحضر أسماء ساعدت في إتمام ولادات أطفال الكاتب المتعاقبة متجاوزين أعين المراقبة، مثل أم مخلص (شقيقة نعيم الأشهب) التي فتحت بيتها لاستقبال ولادات الزوجة، وإبراهيم عبد الرحمن (أبو بسام) الذي استضاف الأطفال وقت الأزمات. وفي خضم هذه العزلة المفروضة، حيث يختلط التخفي بالمخاطرات المحسوبة (كرحلة التسلل الشاقة للكاتب عبر النهر من حلحول برفقة محمود القاضي قبل استقراره بعمان)، لم يكن الموت والتعذيب بعيدين عن مخيلة قاطني البيت، إذ تتضاءل الحوادث العابرة، كالإمساك بحرامي يتلصص على نافذتهم، أمام الأخبار المفجعة التي تتسرب إليهم عن قسوة آلة القمع. يستحضر الكاتب بمرارة الشهيد عبد الفتاح تولستان الذي سُحق تحت التعذيب في دائرة المخابرات، وتمتد القائمة لتشمل قادة فكر ورفاقاً اغتالتهم المخابرات السورية مثل سعيد الدروبي وفرج الله الحلو أو قضوا في السجون المصرية مثل شُهدي عطية وفريد حداد، ليؤكد الكاتب أن الحياة "خلف الشاشة" لم تكن اختباء، بل وقوفاً دائماً على حافة الموت لضمان استمرار عمل الحزب بين الجماهير. المحور الرابع: الزنازين والسجون: صمود الرفاق وانكساراتهم في هذا المحور يوثق الكاتب فترات اعتقاله في السجون الأردنية، مؤرخاً دخوله السجن للمرة الأولى في 6 آذار 1966. وهنا يقدم تشريحاً نفسياً وسياسياً دقيقاً لأدوات القمع في سجن المحطة وسجن الزرقاء العسكري؛ ورغم أنه لم يذكر أسماء ضباط التحقيق والمخابرات الأردنيين صراحةً، مكتفياً بوصف رتبهم وهيئاتهم، إلا أنه أورد أسماء شخصيات سياسية وأمنية عليا في تلك الحقبة ارتبطت بسياسات الاعتقال، مثل رئيس الوزراء وصفي التل، ومدير المخابرات العامة محمد رسول الكيلاني. تبدأ المواجهة المباشرة مع جهاز المخابرات بعد نقله معصوب العينين إلى عمان. يصف جلسات التحقيق والحرب النفسية التي بلغت ذروتها في حادثة "فنجان القهوة الملغوم"؛ حيث فُكت العصبة عن عينيه ليجد نفسه في مكتب رحب ومشمس، ويبادره المحقق بالقول إنه يعرف خشية الشيوعيين من وضع مادة كيماوية في القهوة تجبرهم على إفشاء أسرارهم. وفي محاولة لاختراقه وادعاء التقارب الثقافي، تنازل المحقق عن فنجان قهوة أُعدّ له شخصياً وقدمه للكاتب كدليل على حسن النية. أدرك الكاتب الحيلة وقبل التحدي قائلاً: "أتمنى أن يكون ملغوماً لأثبت لك خطأ تقديرك"، ليرتشف القهوة ويشعر فوراً بـ "دوخة وخدر لذيذ". وبدلاً من الانهيار، حرر هذا الخدر لسانه بهجوم لاذع وذكي، مستحضراً قصة تراثية بطلها الإمام علي بن أبي طالب حين لجأ للقاضي زياد بن أبيه (مع أن الروايات التاريخية تنسب هذه الحادثة للقاضي شريح). ادعى الإمام أن رجلاً سرق سيفه الذي ضاع منه في معركة الجمل. وحين أحضر القاضي المتهم، طلب من الإمام الجلوس بجانب خصمه قائلاً: "اجلس يا أبا الحسن بجانب خصمك". ظهر الامتعاض على وجه الإمام علي، فظن القاضي أنه استاء من جلوسه بجوار خصمه، لكن الإمام أوضح أن امتعاضه كان لأن القاضي ناداه بكنيته "أبا الحسن"، ولم يفعل ذلك مع خصمه، مما رفع من مقامه وحجته على حساب خصمه، وهو ما يتنافى مع مبدأ المساواة المطلقة في القضاء. أسقط الكاتب هذه القصة ببراعة ليرفض عرض الصداقة المسموم من المحقق الذي ادعى أنهما يشتركان في الثقافة الإسلامية؛ مؤكداً له استحالة الصداقة والمساواة بين سجان يملك السلطة وسجين أعزل داخل زنزانة، وموجهاً له إهانة مبطنة بأن ثقافته الاستخباراتية مستمدة من وكالة المخابرات المركزية والسفارة الأمريكية وليس من قيم المجتمع. وفي فناء السجن، يوازن الكاتب بإنصاف تاريخي بين تراجيديا الانكسار وبطولات الصمود. فمقابل توثيقه للحظات الضعف الإنساني وانهيار بعض المناضلين (مثل طارق العسلي الذي استنكر مبادئه تحت ضغط التعذيب النفسي وتوبيخ زوجته، والشاعر عبد الرحيم عمر الذي انهار أمام دموع والده العجوز)، يستذكر الكاتب أسماء رفاق سطروا مواقف صمود استثنائية، من بينهم الرفيقان نعيم الأشهب وعربي عواد اللذان رفضا أي مساومة مع المحققين، حتى أن الأخير طرد خبيرة تحليل نفسي حاولت اختراق وعيه. كما يخلد السرد شجاعة الرفيق زكي طوال، الذي كان يقبع مقيداً بزرد من الحديد في قدميه؛ وحين أغلظ له أحد ضباط المخابرات القول، رد له الصاع صاعين متحدياً إياه، ليعاقب بالنقل مع إبقاء قيوده الحديدية التي كانت تبرد ليلاً وتحرمه النوم. لم يقتصر صمود الغالبية الساحقة من الشيوعيين على المواجهة أمام المحققين وفي أقبية التعذيب فحسب، بل امتد لمواجهة نزوع السلطات لحرمان الشيوعيين من الحصول على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم وكفاءاتهم. وهنا تجدرالإشارة الى استعداد ابو فؤاد للعمل مع رفيقيه عبد الكريم القاضي وإبراهيم عدوان في الاشغال العامة في رصف الطرق، وفي وقت لاحق اضطراره لفتح بقالة ومحل لبيع الخضار، وتكبُّد خسارة ٣٠٠ دينار باسعار بداية السبعينات، لم يستطع تأمينها الا ببيع قطعة ارض لقريب في حلحول. وهذا دفع فؤاد نصار لتأنيب قيادة الحزب بسبب تقاعسهم عن الاستفسار عن معيشة رفاقهم، ومساعدتهم. ولكن هذا الموقف لم يمنع لاحقا قطع الدعم المالي عن رفاق كرسوا حياتهم للتفرغ الحزبي. تكرر هذا على ىسبيل المثال مع شفيق العطي عندما اضطر في سن الشيخوخة لبيع جرار الغاز، ومع عبد الكريم القاضي وسالم حجازين وعبد العزيز العطي واخرين. وعلى النقيض من هذه البطولات، يكشف الكاتب جانبا من الوجه العبثي والساخر لبيئة السجن. وفي هذا السياق، يبرز اسم هارون هاشم رشيد (أبو المأمون)، وهو تاجر أقمشة بسيط كان يفصل بدلات للموظفين بالتقسيط المريح وبدون كمبيالات أو أوراق رسمية تثبت ديونهم، زُج به في السجن بتهمة ثقيلة ومفبركة هي التخطيط لانقلاب عسكري. وحين اشتكى أبو المأمون من أن أولئك الموظفين المنتفعين تنكروا لديونهم وتخلوا عنه في محنته، أطلق الكاتب تعليقه المرير: "هؤلاء جيشك الثوري الذي ستنفذ به ثورتك"، قاصداً بذلك السخرية من خذلان هؤلاء الموظفين. كما يفضح السرد سياسة إدارة السجون في ترويض الجواسيس وتوظيفهم، مستحضراً اسم يوسف قطينة المحكوم بالمؤبد بتهمة التجسس لإسرائيل، والذي مُنح صلاحيات واسعة كإدارة مطبخ السجن، في دلالة واضحة على الفساد المؤسسي الذي يكافئ الخونة ويقمع أصحاب الفكر. المحور الخامس: حقبة حزيران وتعدد أشكال المقاومة وغياب فؤاد نصّار ينتقل الكاتب في هذا المحور إلى الزلزال الأكبر الذي ضرب المنطقة؛ هزيمة حزيران 1967، ليقدم قراءة نقدية صارمة تتجاوز البكائيات لتشرح بنية الهزيمة وطبيعة المقاومة التي تلتها. يبدأ مضية نقده من زنزانته في سجن الزرقاء العسكري الأردني قبيل الحرب؛ فبينما كان رفيقه في السجن زكي طوال يعبر عن تفاؤل رغائبي بجيش جمال عبد الناصر وقدرته على توجيه ضربة قاصمة لإسرائيل، كان الكاتب يقرأ الواقع ببرود المحلل، متوقعاً بحسرة أن يرابط جيش الاحتلال قريباً على نهر الأردن وقناة السويس، لإدراكه أن العرب جُرّوا إلى حرب لم يستعدوا لها. وما إن وقعت الواقعة، حتى تكشفت هشاشة النظام الرسمي، مجسدة في المحافظ الأردني الذي نصح من لديه جناح أن يطير، فقد سقطت البلاد، ونجا بنفسه تاركا الجماهير العزلاء تواجه مصيرها. في هذا الفراغ الموحش بعد الاحتلال مباشرة، برز تباين جوهري في استراتيجيات المقاومة شغل حيزاً وازناً في الطروحات الفكرية والسياسية؛ فبينما انخرط الشيوعيون في العمل بين الجماهير متبنين استراتيجية التشبث بالأرض وتأطير المقاومة الشعبية لإفشال مخططات التهجير، اندفعت فصائل فلسطينية نحو خيار الكفاح المسلح وتشكيل الخلايا العسكرية العاجلة. وفي هذا السياق، يقدم الكاتب موقفه من ظاهرة الكفاح المسلح المنفلت الذي افتقر إلى التنظيم والعمق السياسي. يرفض مضية تقديس البندقية إذا خلت من الوعي، ويوثق ذلك بحادثة صدامه مع شابين مسلحين في قريته حلحول حاولا فرض "خاوة" (إتاوة) على الأهالي بحجة تمويل المقاومة مهددين إياه بالمسدس، فواجههما بشجاعة رافضاً هذا الأسلوب الفج الذي يُنفر الجماهير. كما يزيل الرمال عن أسماء مناضلين دفعوا ثمن هذا الارتجال، مثل الشهيد باجس أبو عطوان الذي قاد فصيلاً في جبال دورا واغتيل في مكيدة نتيجة غياب الخبرة الاستخبارية والتنظيمية. وتتجلى ذروة المواجهة مع الاحتلال إثر اعتقاله في الثالث من تشرين ثاني 1968 عقب توزيعه منشورات تحريضية في ذكرى وعد بلفور هربتها أم فؤاد. وهنا يوثق الكاتب وجوه السجانين الإسرائيليين وتفاصيلهم ورتبهم مجرداً إياهم من هالة الأسطورة. ويأتي النص على الميجر إيلي الذي صفع الكاتب برزمة المنشورات متوعداً إياه، والذي قُتل لاحقاً في اشتباك مسلح. ويبرز مدير المخابرات إسحق الذي خاض معه الكاتب جدالاً حول ديمقراطية إسرائيل مقارنة بـالملك حسين، ليتهمه إسحق بكونه جاسوساً للملك. ويستحضر السرد شخصية المحقق الميجر نور (أبو النور) الذي حاول اختراق وعي الكاتب بأسلوب استخباري ناعم ومخادع مدعياً البحث عن العقلانية. ولا ينسى السرد طاقم الحراسة؛ كعريف الغفر حاييم، الضخم الذي يوزع الضربات المبرحة على الأسرى بينما يحمل في داخله حنيناً متناقضاً لمدينة الإسكندرية التي عاش فيها، والعريف اليهودي اليمني نقر (نجار) الذي يحمل شارة مظلي وكان يتودد للسجناء. وفي غرف هذا السجن، ينقل الكاتب تفاصيل لقاءاته وحواراته العميقة مع رموز العمل الفدائي، كاشفاً مأزق الارتجال. يلتقي بالقيادي عبد العزيز علي شاهين (أبو علي)، الذي قاد خلية من خمسة عشر فدائياً من بني نعيم وحارة أبو سنينة، ليصارحه أبو علي بمرارة أن قيادتهم في عمان اكتفت بتسليمهم السلاح (الكلاشينكوف) وتدريبهم على إطلاق النار دون أي توجيه سياسي أو تنظيمي. وفي الزنزانة ذاتها، يبرز غازي عبد القادر الحسيني، الشاب الوسيم الذي ترك رئاسة اتحاد الطلبة في ألمانيا الغربية وعاد متسللاً مع رفيقه عدنان حلمي أبو عياش ووالده ليقاتلوا، ليكتشف غازي داخل السجن حقيقة مؤلمة صاغها للكاتب: عدم كفاية التدريب العسكري للفدائي... ينبغي تثقيف العناصر وتصليب مقاومتها بالثقافة السياسية. وسط هذه العتمة المشبعة بالتحليل السياسي، يستحضر رفاق غرفته عبد الكريم القاضي وإسماعيل الشروف ومحمد الشعراوي، معرّيا مقولة "الاحتلال الرحيم"، ومبينا أن السجون الإسرائيلية لم تكن مجرد مسالخ للأجساد، بل كانت مختبرات صاغ فيها الأسرى وعيهم النقدي لمراجعة أخطاء الثورة وتناقضاتها. ولعل أبرز ما يكشف مأزق الارتجال الذي ساد تلك المرحلة، هو استحضار الرفيق مضية، مرة أخرى، طيف القائد التاريخي فؤاد نصار كبوصلة للوعي المفقود. لقد امتاز نصار بعقلية إبداعية تلتقط المتغيرات وتطرحها للنقاش، متنبهاً بشجاعة لمظاهر النزق وغياب الوعي في النشاط الوطني الفلسطيني قبل عام 1948 حيث أعد ورقة باسم قيادة عصبة التحرر الوطني توضح ضرر هذه المثالب. لم تكن القيادة لديه مجرد موقع، بل مسؤولية أخلاقية وسياسية؛ ففي أحلك الظروف المالية والأمنية أصدر جريدة المقاومة الشعبية وجريدة العامل، ومطبوعات حزبية متنوعة. وحين اعتقل، تحمل بشجاعة مسؤولية كل أدبيات الحزب. وفي معتقل الجفر، واصل تعمقه في الاقتصاد السياسي والفكر الماركسي واللغات، رافضاً استقبال الزوار الرسميين حفاظاً على كرامة حزبه. لقد مثل رحيله في 30 أيلول 1976 فاجعة كبرى، وشيعته جماهير غفيرة أفرغت محلات الورود في عمان. ويلاحظ مضية بمرارة أن رحيل نصار أُغلق باب الإبداع الحزبي، لتسود الحزب بعد ذلك حالة من التشرذم والتكتل أفرزتها "أنيميا الثقافة" وإهمال التثقيف والتربية الحزبية، مما فاقم من مشاكل الشيوعيين قبل أن يتمكنوا من استعادة وحدتهم عام 1985 بمبادرة الرفيق فائق وراد. المحور السادس: رمال النمط الاستهلاكي والتصحر الفكري ونقد الليبرالية الجديدة لا تكتمل الرؤية النقدية في مذكرات سعيد مضية دون الوقوف عند تحليله السوسيولوجي والفكري للتحولات العميقة التي عصفت بالمجتمعين الفلسطيني والأردني في حقبة ما بعد حزيران 1967. يتجاوز الكاتب هنا نقد الاحتلال العسكري المباشر، ليوجه مشرطه نحو "الاحتلال الناعم" والهزيمة الداخلية، مفككاً بنية التخلف والتبعية. يبدأ مضية بتعرية وهم "الاحتلال الرحيم" الذي حاول وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه دايان ترويجه، عبر إغراق السوق بالسلع لإشباع نهم الاستهلاك لدى الشعب المحتل وتدجينه في يومياته، مستشهداً بمرارة بمقولة للأديب إلياس خوري في روايته باب الشمس: "نحن الفلسطينيين لم نعرف قيمة فلسطين إلا بعد أن فقدناها". وفي لجّة هذا الواقع المرتبك، يلتقط الكاتب ومضات ساخرة تعكس حالة الركود الاجتماعي والعزلة التي فُرضت على المناضلين؛ كدعابة صديقه علي الوحوش، العائد من موسكو، والذي مازح شقيق الكاتب مدعياً أن صاحب المقهى كان يدفع له ليأخذ سعيد مضية في مشوار خارج المقهى، كي يعود الزبائن الذين تجنبوا الجلوس معه خوفاً من المراقبة الأمنية. يغوص السرد بعد ذلك في تشريح الآفات الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت تمدد الليبرالية الجديدة، والتي بدأت بذورها كبديل مشوه للتنمية الحقيقية منذ عهد الإدارة الأمريكية للرئيس جون كينيدي. يوثق الكاتب كيف انزلق المجتمع في فخ "الأمريكان سيستم"؛ حيث رهن الموظف حريته وراتبه لتسديد أقساط الأثاث والكماليات، مما خلق طبقة برجوازية بيروقراطية فاسدة تستهلك أكثر مما تنتج، وتعتمد كلياً على القروض والمساعدات. وفي مواجهة هذا الانحدار، يستعرض الكاتب أسماء وشخوصاً تعكس التناقضات؛ فيستحضر رئيس الوزراء وصفي التل الذي وبّخ خريجي الثانوية في مؤتمر صحفي لرفضهم العمل "حصادين"، متجاهلاً مسؤولية الدولة عن توفير فرص تلائم تعليمهم. وفي المقابل، يشيد بجهود المحامي هاني الدحلة الذي نجح في استصدار قرار قضائي يجرم تدخل المخابرات في تعيينات الموظفين. وفي درس بليغ عن الزهد وسط حمى الاستهلاك، يخلد النص مقولة التاجر الحاج أسعد شاور (الذي عمل الكاتب لديه محاسباً)، حين شبّه الدنانير المتكدسة في درجه بـ "الزبالة" التي تجلبها أحذية الزبائن من الشارع، في إشارة عميقة لتفاهة الركض الأعمى خلف تراكم المال. ولم يقتصر التصحر على الاقتصاد، بل امتد لضرب البنية الثقافية والتعليمية؛ إذ يوجه مضية نقداً لاذعاً لتمدد التيارات السلفية المدعومة بالمال النفطي، والتي سيطرت على رياض الأطفال والمدارس لتكريس منهجية التلقين ووأد التفكير النقدي، محولةً التعليم الجيد إلى سلعة طبقية محتكرة لأبناء النخب في المدارس الخاصة. وفي محاولة فردية لمقاومة هذا التجهيل، يوثق الكاتب تجربته كمعلم للغة الإنجليزية في مدارس وكالة الغوث (مدرسة بنات بيت أولا)، حيث اعتمد منهجاً حوارياً مبتكراً بعيداً عن التلقين، وهو الجهد الذي توّجه مدير مدرسته محمد موسى العملة بإشادة نادرة، ليثبت الكاتب عملياً أن الانخراط في السياسة لا يعني الفشل المهني كما تروج السلطة لتشويه المعارضين. ورغم قتامة مشهد الاستهلاك والتصحر الفكري، يظل نبض المقاومة حاضراً، لكنه خاضع لمشرط النقد الدائم. يستحضر الكاتب جهود تنظيم العمل المناهض للاحتلال من خلال لقاءاته بالرفيق أنور جابر والوزير السابق رشاد الخطيب التميمي (أبو هشام). ومن خلال هذه النقاشات، ينبش السرد عن أسماء مناضلين سقطوا ضحية الارتجال والاختراقات الأمنية، كالشهيد سعيد لغزاوي (أبو منصور) الذي اغتيل في كمين بسبب وشاية جاسوس. ولأن التوثيق هو أداة الكاتب الأولى في المقاومة، يؤكد على ضرورة حفظ هذه التضحيات بوعي، مشيراً إلى قيامه بتنقيح وكتابة مقدمة لمخطوطة أعدها الشاعر رشاد الصغير تخلد سيرة الشهيد باجس أبو عطوان. المحور السابع: معارك الكلمة والنقابة.. هموم الصحافة ومأزق الالتزام الحزبي ينتقل الكاتب من عتمة العمل السري إلى فضاء العمل العلني في عمان، ليخوض معركة الوعي عبر بوابة الصحافة والعمل النقابي والثقافي. لم يكن العمل الصحفي بالنسبة لمضية مجرد مهنة للارتزاق، بل جبهة جديدة للمواجهة؛ فمن خلال عمله مترجماً في صحيفتي الدستور والشعب، أطل عن كثب على المطبخ السياسي للإمبريالية، كاشفاً كيف بدأت السياسة الأمريكية (في عهد ريغان والمحافظين الجدد) بإعادة صياغة المنطقة وفرض الانحياز الفج لإسرائيل. غير أن التجربة الأقسى في هذا المضمار كانت اصطدامه بالأسقف المنخفضة لحرية التعبير، واكتشافه لهشاشة العمل النقابي المخترق أمنياً وإدارياً. يفكك الكاتب وهم السلطة الرابعة، موثقاً كيف كانت إدارات الصحف الكبرى تأتمر بتوجيهات الأجهزة الأمنية للتحكم بانتخابات نقابة الصحفيين وقراراتها، وكيف تم فصله تعسفياً من صحيفة الدستور لوقوفه إلى جانب زملائه الصحفيين ضد رغبة الإدارة. كما يوثق حادثة فصل الأستاذ إبراهيم سكجها من رئاسة تحرير الشعب لجرأته في نشر بيان لمجلس السلم العالمي زوده به الكاتب. وفي لفتة نقدية ذاتية تتسم بشجاعة نادرة، يروي الكاتب مأزقه الأخلاقي المرير بين الوفاء الإنساني والمهني وبين الالتزام الحديدي بقرارات الحزب. تتجلى هذه المأساة حين ألزمه الحزب بدعم مرشح لانتخابات النقابة ضد الأستاذ إبراهيم سكجها (الذي كان قد احتضنه مهنياً ودفع ثمن موقفه). وأمام هذا التمزق الوجداني، يضطر الكاتب في خلوة الاقتراع للتصويت سراً لسكجها استجابة لضميره، في مفارقة تكشف كيف يمكن للقرارات الحزبية الفوقية أن تحرج مناضليها وتضعهم في مواجهة مع أخلاقياتهم الإنسانية، وهو الموقف الذي استغلته المخابرات لاحقاً لتعييره بالإقليمية. هذا العقم في العمل النقابي الصحفي، دفع الكاتب ليجد ضالته في الفضاء الثقافي الأرحب، حيث أسهم بفاعلية في التصدي لقرارات إغلاق رابطة الكتاب الأردنيين، متدرجاً في العمل الثقافي حتى انتخابه نائباً لرئيس الرابطة (الروائي مؤنس الرزاز) في عام 1994. لقد مثلت الرابطة له متنفساً حقيقياً لمقارعة التسطيح الفكري، ومحطة أخيرة في منفاه قبل أن يحمل همومه الثقافية وخبرته النقدية عائداً إلى حلحول في العام ذاته، ليبدأ فصلاً جديداً من النضال الثقافي في مواجهة التشوه السياسي ومشاريع التصفية. الخاتمة: نحو تعميق الوعي وتحرير العقل في ختام الغوص في رمال مذكرات سعيد مضية، تتكشف أمامنا حقيقة ساطعة طالما حاول التاريخ الرسمي طمسها: إن تحرير الأوطان لا يمكن أن يتحقق بأدوات مرتجلة، أو بندقية منفلتة، أو وعي زائف. لقد قدم الكاتب مرافعة تاريخية قاسية ضد ثقافة الشعارات والكفاح الذي يفتقر للبوصلة السياسية والتنظيمية، مثلما حاكم بشجاعة نادرة أنظمة القمع التي أسست لهزيمة 1967 ومهدت لها قبل أن تطلق رصاصة واحدة. ورغم ما يحمله هذا العمل من ثقل توثيقي، إلا أن الكاتب سمح أحيانا للسياسي بأن يطغى على دفء السيرة. فبينما تطل علينا تفاصيل شديدة العذوبة والصدق كمكابدة أم فؤاد والأطفال في خفايا البيوت السرية، أو لحظات التوتر والفكاهة المهربة داخل الزنازين، يسارع أبو فؤاد، مدفوعاً بصرامة المناضل، إلى إسدال الستار على هذه الحرارة الإنسانية ليعود إلى منصة التحليل حارما القارئَ من التوغل أكثر في الوجع الشخصي والهشاشة البشرية التي تمنح السير الذاتية خلودها، مفضلاً إبقاء الدمع الشخصي حبيساً خلف متاريس السياسة. لكن الأمانة التي حملها الرفيق مضية في تدوين هذه الشهادة، بأسماء شخوصها، وتفاصيل عذاباتها، ومفارقاتها المؤلمة والساخرة، تجعل من هذا العمل بوصلة نقدية للأجيال القادمة. لم تكن هذه المذكرات مجرد جدارية للرثاء والبكاء على من سقطوا في ساحات المواجهة أو غرف التحقيق، بل كانت وثيقة صارمة للمراجعة الذاتية، وصرخة مدوية لرفض التلقين، مع التأكيد على أن التشبث بالأرض لا يكتمل إلا بالتمسك بالعقل النقدي الحر والحرص على تربيته وتعميمه. فالمذكرات، في جوهرها، انتصار للذاكرة الحية والوعي الشجاع على رمال النسيان والتزييف.
#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)
Jihad_Hamdan#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حلف مكة: إعادة إنتاج التبعية ومنع فرض توازنات إقليمية جديدة
-
في عيد ميلادي الثاني والسبعين
-
لا تحفروا لي قبراً: الذكرى الخامسة والخمسون لاستشهاد القائد
...
-
مائة عام على ميلاد القائد الشيوعي البارز فائق ورّاد من البرل
...
-
-سندكة- المؤن: مقاربة لغوية وتداولية في قاموس اللجوء
-
الدلالات المعجمية والبراغماتية لعبارة -تكسي اسكارسا-
-
عمرٌ واحدٌ أم عُمران والشمس والقمر يحسبان؟
-
محنة العقل: تتغير الأماكن والأزمان ولا يتغير بطش السلطان
-
قراءة لغوية نفسية في رواية روبنسون كروزو: اللغة كأداة للهيمن
...
-
حملة مكافحة الفساد في العراق بين فك الاشتباك السياسي وتصفية
...
-
إن غدا لناظره قريب وسيسقط اتفاق الإطار كما سقط اتفاق 17 أيار
-
الذكرى السابعة والستون لاستشهاد فرج الله الحلو: الأيقونة الت
...
-
ستارمر يستقيل قبل أن تتحرك بوارجه نحو هرمز
-
مشاركة أكاديمية وسياسية واسعة في فعالية اليوم العالمي للحوار
...
-
سيرة كلمة: -بنك- وعطلة البنوك
-
تأملات فلسفية لمرآة جندرية
-
قراءة لغوية تداولية في قصيدة ظفر الرهان للشاعر محمد خالد الن
...
-
ألبانيا تنتفض ضد استعمار رأس المال وجرافات كوشنير
-
قراءة لسانية رمزية في قصيدة -وشمٌ في القلب- للشاعر نضال برقا
...
-
هل اضطر ترامب للاستماع إلى إيران فأوقف إطلاق النار في لبنان؟
المزيد.....
-
ألمانيا وإيطاليا.. خلاف متصاعد بشأن استقبال المهاجرين
-
استشهاد طفل في نابلس وتصاعد حملات الاعتقال والاستيطان بالضفة
...
-
ليبيا.. تنفيذ أحكام بالإعدام بحق 10 مدانين في قضايا إرهاب وا
...
-
ليبيا: إعدام 10 مدانين بقضايا إرهاب واغتيالات
-
مقارنه حول مفهوم اليوم الاخر من منظور العقيده الاسلاميه والع
...
-
الاحتلال يمدد اعتقال طبيبة فلسطينية رغم إصابتها بأزمة قلبية
...
-
منع اللاجئين من توكيل المحامين يحرمهم من الحماية والخدمات ال
...
-
لبنان.. اعتقال -دكتور فود- بعد ساعات من احتفال -شروق صن شاين
...
-
الأمم المتحدة تحذر من عودة الفظائع إلى جنوب السودان قبيل الا
...
-
-ثقب أسود- على الحدود.. مخاوف من توسع صلاحيات الجيش الأمريكي
...
المزيد.....
-
رهائن عاصفة الصحراء
/ ملهم الملائكة
-
١-;-٢-;- سنة أسيرا في ايران
/ جعفر الشمري
-
في الذكرى 103 لاستشهادها روزا لوكسمبورغ حول الثورة الروسية *
/ رشيد غويلب
-
الحياة الثقافية في السجن
/ ضرغام الدباغ
-
سجين الشعبة الخامسة
/ محمد السعدي
-
مذكراتي في السجن - ج 2
/ صلاح الدين محسن
-
سنابل العمر، بين القرية والمعتقل
/ محمد علي مقلد
-
مصريات في السجون و المعتقلات- المراة المصرية و اليسار
/ اعداد و تقديم رمسيس لبيب
-
الاقدام العارية - الشيوعيون المصريون- 5 سنوات في معسكرات الت
...
/ طاهر عبدالحكيم
-
قراءة في اضراب الطعام بالسجون الاسرائيلية ( 2012) / معركة ال
...
/ كفاح طافش
المزيد.....
|