أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - حين يموت شاهد... يموت جزء من التاريخ














المزيد.....

حين يموت شاهد... يموت جزء من التاريخ


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 13:03
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


في كل يوم يرحل إنسان، يخسر أهله صديقًا أو أبًا أو أخًا، لكن التاريخ قد يخسر أكثر من ذلك بكثير. فهو لا يفقد شخصًا واحدًا، بل يفقد ذاكرة كاملة كانت تسكن في عقله.
لهذا، لم أعد أنظر إلى وفاة الشهود بالطريقة نفسها التي كنت أنظر بها من قبل. فمنذ أن دخلت عالم التوثيق، أصبحت أرى أن كل شاهد يرحل يحمل معه وثائق غير مكتوبة، وأسئلة لن تجد جوابًا، وحكايات لن تُروى مرة أخرى.
فالوثائق، مهما كثرت، لا تستطيع أن تخبرنا بكل شيء.
إنها تقول لنا ماذا حدث، لكنها كثيرًا ما تعجز عن أن تقول لنا لماذا حدث، وكيف فكر الناس في تلك اللحظة، وما الذي دار خلف الكواليس. وهذه التفاصيل لا تحفظها إلا ذاكرة البشر.
لقد أدركت هذه الحقيقة أكثر من مرة أثناء عملي على مشاريع التوثيق. كنت أصل إلى شخص عاصر الأحداث، فأكتشف أنه الوحيد الذي يعرف قصة بعينها، أو يحتفظ برسالة لم يرها أحد، أو يتذكر تفصيلاً غاب عن جميع المصادر. عندها كنت أشعر أنني لا أجري مقابلة صحفية، بل أنقذ قطعة من التاريخ من الضياع.
لكن الزمن لا ينتظر.
كم من شاهد قلت في نفسي: "سأزوره لاحقًا"، ثم بلغني خبر وفاته. وكم من مقابلة تأجلت أيامًا أو أسابيع، فإذا بها لا تتم أبدًا. عندها أدركت أن الباحث لا يملك رفاهية التأجيل، لأن الزمن يعمل في الاتجاه المعاكس.
ولهذا أصبحت أؤمن بأن أول واجبات الموثق ليست الكتابة، بل الاستماع.
أن يجلس إلى الناس وهم ما زالوا قادرين على التذكر، وأن يمنحهم الوقت الكافي ليحكوا، وأن يصغي إلى التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية اليوم، لكنها قد تصبح بعد سنوات مفتاحًا لفهم مرحلة كاملة.
ولعل أكثر ما يؤلمني أن كثيرًا من كبار السن يرحلون وهم يعتقدون أن حياتهم لا تستحق أن تُروى، بينما يدرك الباحث أن بين أيديهم كنوزًا لا تُقدَّر بثمن. فكل واحد منهم عاش زمنًا لن يعود، ورأى أشخاصًا لن يراهم أحد بعده، وسمع روايات ستنتهي بانتهاء صوته.
إن التاريخ لا يُفقد بالحروب وحدها، بل يُفقد أيضًا بالصمت، وبالتأجيل، وبإهمال الشهود حتى يسبقنا إليهم الموت.
ولهذا، فإنني أدعو كل باحث، وكل صحفي، وكل طالب، إلى أن يبدأ بمن هم حوله. لا تنتظر الشخصية الأشهر، فقد يكون أعظم شاهد على حدث كبير رجلٌ يعيش في قرية بعيدة، أو امرأة احتفظت في ذاكرتها بتفاصيل لم تُكتب في أي كتاب.
إن الأمم التي تحترم ذاكرتها، لا تنتظر حتى ترحل الأجيال، بل تسارع إلى تسجيل أصواتها، وحفظ شهاداتها، وصيانة تجاربها.
أما نحن، فلا يزال أمامنا وقت... لكنه ليس وقتًا مفتوحًا.
فكل شاهد يرحل، يترك وراءه مقعدًا فارغًا في قاعة التاريخ.
وكل سؤال لم نطرحه عليه، سيبقى بلا إجابة إلى الأبد.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.. الطريق إلى سلام لا يع ...
- ليست كل قصة تستحق كتابًا
- من يكتب تاريخ الذين لم يكتبوا تاريخهم؟
- السلام الذي ينهي حرب 15 أبريل ولا يعيد إنتاجها
- الموثق... شاهد لا قاضٍ
- اكتبوا عنهم وهم أحياء
- لكل إنسان قصة تستحق أن تُروى
- لماذا اخترت التوثيق طريقًا؟
- الباحث الحقيقي لا يبحث عن الإجابات... بل عن الأسئلة المنسية
- الكتابة مقاومة للنسيان
- لسنا أسرى الماضي... لكننا مسؤولون عن حفظه
- التوثيق... حين يصبح إنصافًا للتاريخ
- أخطر ما يهدد الذاكرة ليس النسيان... بل التأجيل
- نحن لا نفتقد العظماء... بل نفتقد من يكتب عنهم
- من يستحق أن نكتب عنه؟
- ليس كل ما يُعرف يُكتب... أخلاقيات التوثيق
- الصحفي الذي لا يوثق... يكتب نصف الحقيقة
- الأرشيف المفقود... لماذا تضيع ذاكرة السودان؟
- الكاتب لا يكتب ليُخلَّد... بل لئلا يضيع الإنسان تأملات في مع ...
- الأمم لا تُبنى بالحجارة... بل بالذاكرة


المزيد.....




- مرتزقة كولومبيون وقود لحرب نظام كييف
- اليمن.. الحوثيون يحذرون دول المنطقة من المشاركة في العقوبات ...
- بعد زيارتها لأوكرانيا.. رئيسة وزراء الدنمارك تنتقد نصائح جرا ...
- نيبينزيا: روسيا لن تقبل تجميد النزاع تحت ستار وقف النار ولن ...
- بن سلمان في باريس.. مدن ملاهي واستثمارات سعودية بالمليارات ف ...
- تفاؤل وترحيب في دمشق برفع سوريا من قائمة -الدول الراعية للإر ...
- عون: ماضون بالتفاوض ونرفض الوصاية
- وزير الخارجية الأمريكي يبحث مع نظيره الألماني النزاع الأوكرا ...
- السلطات الأمريكية تخدع 6 مرحلين إلى ليبيريا رفضوا الخروج من ...
- عمان.. لقاء سوري إسرائيلي لخفض التوتر


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - حين يموت شاهد... يموت جزء من التاريخ