أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - هَيا… بسملة… جميلتان... وسؤال














المزيد.....

هَيا… بسملة… جميلتان... وسؤال


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 10:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial

"هيا عمرو"، و"بسملة أشرف"، جميلتان من مصر. لكنهما ليستا بطلتين من الحكاية نفسها، بل شاهدتان على فلسفتين مختلفتين في فعل الإنجاب والنظر إلى الطفل. الفارق بين الفلسفتين ليس في مقدار المال الذي تحوزه الأسرة، ولا في مستوى التعليم الذي حصّله الأبوان، بل في الإجابة عن سؤال واحد: لماذا ننجب؟
في الفلسفة الأولى، الطفلُ غايةٌ. يولد لأن الحياة تستحق أن يُضاف إليها إنسانٌ جديد. فيُربَّى، ويُعلَّم، ويُنفق عليه من كدّ أبويه، ويُغرس في قلبه معنى المسؤولية والرحمة والواجب، حتى يصبح في الغد قادرًا على أن يردَّ بعض جميل الحياة إلى الناس. أما في الفلسفة الثانية، فالطفل وسيلة. يُولد ليعيَن الأسرة على أعباء الحياة، ويشارك في سد حاجاتها، ولو كان الثمن طفولته، أو تعليمه، أو سلامته، أو حياته نفسها.
الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط" لخّص جوهرَ الأخلاق حين كتب: "عامل الإنسان دائمًا بوصفه غايةً في ذاته، لا مجرد وسيلة.” وما الطفل إلا الإنسان في أصفى لحظات وجوده. فإذا تحوّل من غاية إلى وسيلة لسد حاجات الأسرة، أو إلى يدٍ عاملة تُستنزَف قبل أن يكتمل نموها، فقد انهارت الفكرة الأخلاقية للإنجاب من أساسها.
جميلتان من مصر. لكن كأنهما ابنتا وطنين مختلفين، تحكمهما ثقافتان مختلفتان. إحداهما تستثمر في الإنسان، والأخرى تستهلكه قبل أن يكتمل إنسانًا. في الثقافة الأولى، تقف "هيا"، طالبة الطب، وسط النيران والدم والذعر دون خوف. عقصت خصلات شعرها، وسارعت لتنقذ مصابي فاجعة أرابيلا مول. لم تولد هذه البطولة في لحظة؛ بل نبتت في بيت آمن وعلى مقاعد مدرسة وجامعة، بين أبوين صالحين، عبر سنوات طوال من التربية القويمة، والإنفاق على التعليم، وغرس القيم. أبوان احتضنا ابنتهما حتى اشتدّ عودُها وصارت بطلة يُحتفى بها ويُشارُ إليها. في الثقافة الثانية، نتعرف على "بسملة". طفلة لم تتجاوز العاشرة. بطلة أخرى لكن من طراز مختلف. تخرج من بيتها إلى الشارع، لتعمل وتنفق على أبويها. حملت فوق كتفيها الصغيرتين مسؤولية لم يخلقها الله لتحملها، وذات يوم قاس، ابتلعتها عجلاتُ الطريق. لم تمُت “بسملة” لأنها كانت تعمل فقط، بل لأنها وُلدت داخل فكرة ترى أن الطفل يمكن أن يكون عائلًا لمن أنجبه، قبل أن يشتد عوده.
الطفلُ ليس امتدادًا لملكية والديه، ولا مشروعًا اقتصاديًا يعيل الأسرة. الطفلُ إنسان كامل الكرامة منذ لحظة ميلاده، له حق أصيل في الأمان، والتعليم، والرعاية، واللعب، وأن يعيش كامل طفولته، بكل ما تحمل من معاني الفرح، قبل أن يطالبه أحد بأعباء الحياة الثقال.
الحديث عن "هيا" و"بسملة"، ومثيلاتهما، ليس للمقارنة بين صبيّة وطفلة، صارتا حديث المدينة في الأيام السابقة، بل لتأمل فكرتين عن الأبوة والأمومة، بينهما بَونٌ شاسع. فكرة ترى أن إنجاب الأبناء مسؤولية أخلاقية هائلة، نسهر عليهم ونضحي من أجلهم، ونرعى نموهم يومًا بعد يوم، وننفق عليهم ونعلمهم حتى يصبحوا إضافة طيبةً إلى الحياة. وفكرة أخرى ترى إنجاب الطفل مجرد نتيجة بيولوجية للزواج، دون إحساس بالتبعة، ولا التعب، اللهم إلا وهن الحمل ومشقة الفصال اللذين تتحملهما الأم وحدها، فلا ضير على الأب أن يُنجب طفلا في إثر طفلٍ دون حساب، مادام الأطفال سيتحولون إلى عمالة ومصادر للدخل، وسد حاجات الأسرة. بين هاتين الثقافتين يتقرر مصير الطفولة؛ أتبقى وعدًا بالحياة، أم تتحول إلى ثمن تدفعه الحياة؟
الفقر ليس المتهم الوحيد في محنة “بسملة” وأمثالها من الأطفال. فالتاريخ، لا سيما تاريخ مصر، مليء بأسر فقيرة أنجبت علماء ومبدعين، لأن الفقر لم يسلبها الإحساس بالمسؤولية. كما أن الثراء وحده لا يصنع إنسانًا صالحًا. الفارق الحقيقي هو الوعي بأن الأبوة والأمومة ليستا غريزة فحسب، بل ثقافة، وضمير، واختبار أخلاقي عسير، يتجدد كل يوم.
"هيا عمرو” ستصبح، بإذن الله، طبيبةً بعد سنوات قليلة. ونراهنُ عليها بأنها ستكون طبيبة مرموقة، لأنها قبل أن تحمل لقب طبيبة، حملت ما هو أثقل من اللقب: النبل. حملت معنى الطب في أنبل صوره: أن تمد يدها لإنقاذ إنسان مأزوم. أما “بسملة”، التي لم تمهلها الدنيا لتحمل لقب “طفلة”، فقد حملت ما لا يطيقه الكبار، ثم رحلت قبل الأوان. ولعل الله قد ادخر لها في رحمته فرحًا لم تعرفه على الأرض. ولعلّها تعيش طفولتها في فردوسه الأعلى.
مقام السؤال:
لسنا نملك أن نختار الظروف التي نولد فيها، لكننا نملك أن نسأل: هل الإنجاب حقٌّ مطلق للكبار، أم حقٌّ مشروط بحقوق الصغار؟ وهل يكفي أن يكون الإنسان قادرًا بيولوجيًا على أن يُنجب، أم ينبغي أن يكون قادرًا أخلاقيًا على أن يُربي

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبي… وأبي… ويدي اليسرى
- -الملك لير- … الملك -يحيى الفخراني-
- -فتاة المترو-… حين تتذكّرُ الحكايةُ كاتبَها
- عن الزلزال… سألوني!
- -مصنع السحاب-… خطيئةٌ اسمُها -الوعي-
- أنا... -ربَّةُ منزل-
- المهرجان القومي للمسرح… -قنصوة- والانحياز للجمال
- هاني شنودة…الذي غنّى للحياة
- أنا أعلمُ كلَّ شيء يا أبي… ربما!
- المونودراما
- انتصرت مصرُ… وغادرتْ
- لغةُ -الأعلام-… وبلاغتُها
- شجرةُ الأقدارِ البديلة… الغصنُ الأعوج
- مقامُ السؤال … أثرُ الفراشة
- 90 دقيقة من الأمل… والهدف الرابع
- الذي أورثني قلبًا عاطلا عن البغضاء
- الاختلافُ… وفنُّ بناء الجسور (3)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (2)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (1)
- في مقام : -علي الحجار-


المزيد.....




- بعد جدل متجدد.. الإفتاء المصرية ترد على -الطعن- في احتفالات ...
- الجزائر.. توقيف مشتبه به في قضية الإساءة إلى الإسلام والنبي ...
- مذيعة مصرية تثير الجدل بتعليقات عن الأذان والمسيحيين.. ووقف ...
- نتنياهو يحذر من وصول -الإخوان المسلمين- لحكم إسرائيل
- من الرهاب إلى الإعجاب.. كيف أصبح الإسلام -رمز الانضباط- عند ...
- 8 دول عربية وإسلامية تدين مخطط E1 الاستيطاني وتحذر من تقويض ...
- كيف أعاد -الإخوان المسلمون- في مصر تشكيل استراتيجيتهم الإعلا ...
- مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى
- الفاتيكان يعتزم إنشاء محطة طاقة شمسية بـ100 مليون يورو
- سولتانوفسكي: موسكو مستعدة لمشاورات منفصلة في الفاتيكان ولا ت ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - هَيا… بسملة… جميلتان... وسؤال