أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مصطفى صامت - الصوفية الجزائرية من الجذور الأمازيغية إلى الدبلوماسية الروحية.















المزيد.....

الصوفية الجزائرية من الجذور الأمازيغية إلى الدبلوماسية الروحية.


مصطفى صامت

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 08:46
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


مع رحيل قامة روحية وعلمية من شيوخ الطريقة التيجانية في الجزائر، والمشهد المهيب الذي خصصه مريدو الطريقة لإمامهم سيدي محمد العيد التجاني يجدر بنا تجاوز خطاب التعازي التقليدي، و التأمل و البحث في جوهر الظاهرة الصوفية ومؤسسة "الزاوية" في شمال إفريقيا.

إن الفكر الصوفي في الجزائر لم ينشأ مقطوعا عن جذوره، ولم يكن مجرد طارئ فكري ورد من المشرق، بل جاء سفيرا واستجابة لبنية نفسية واجتماعية ضاربة في أعماق التاريخ
الشمال افريقي.
حيث تؤكد الشواهد التاريخية والأركيولوجية أن الوجدان الشمال افريقي امتلك عبر العصور حسّا روحيا مرتبطا بالرمز، والأثر الصالح، والمكان المقدس ، فهذه شهادة المؤرخ الإغريقي هيرودوت في كتابه الرابع (الفقرة 172) ينقل لنا طقوس قبيلة "الناسامون" الليبية القديمة، مشيرا إلى أنهم كانوا يؤدون أيمان القسم بوضع أيديهم على قبور الرجال المعروفين بالعدل والصلاح، وكانوا يمارسون طقس "الاستخارة" بالذهاب إلى أضرحة أسلافهم والنوم فوقها بعد الصلاة لتلقي الإشارات والرؤى في المنام.

وفي الشواهد الأركيولوجية تتجسد هذه السيكولوجية في المعالم الجنائزية الضخمة التي ملأت شمال إفريقيا، كالنُصب الميغاليتية، ودولمينات "البازينات" والأضرحة الملكية التاريخية مثل ضريح "إيمدغاسن" الأمازيغي في الأوراس، و"الضريح الملكي الموريتاني" في تيبازة، وضريح الملك "سيفاقس" في عين تموشنت. واضرحة لجدار بتيارت ...

وفي الفترة المسيحية تجلى هذا الارتباط لاحقاً في العصر المسيحي عبر الحركة "الدوناتية" وتعظيم أضرحة الشهداء كالقديس سيبريان والشهيدة بيربيتوا ، حيث حرص الأهالي على التبرك بأضرحتهم والدفن إلى جوارها.

حين دخل الإسلام المنطقة، لم يستأصل هذا الموروث النفسي، بل احتواه وصقله. تحول مفهوم "الأكورام" (الرجل الصالح الأمازيغي) و"الشهيد" إلى مفهوم "الولي الصالح"
و"شيخ الزاوية"، وتحولت طقوس التبرك إلى رباطات علمية، ومجالس لذكر الله، وتأسيس للكتاتيب القرآنية وإصلاح ذات البين وان ربط العادات الشعبية مثل "تمشرط" بعاشوراء وعيد الفطر...

في العهد العثماني كان الزاوية كدولة موازية وضامن للتماسك القبيلي ، حيث كانت سلطة "الإيالة" أو البايلكات تتركز في المدن الساحلية ومحاور الجباية (مناطق المخزن والإنكشارية)، بينما كانت المناطق الداخلية والجبلية والصحراوية تُدار اجتماعيا وقضائيا عبر شبكة الزوايا. لعب رجال الزوايا دور الموحدين بين الأعراش والقبائل الأمازيغية والعربية، فكان شيخ الزاوية يُدخل "الصلح" بجهده العرفي وسلطته الروحية لحقن الدماء، وإدارة الأوقاف، ورعاية الغرباء، فصهرت الزاوية العصبيات القبائلية في بوثقة الهوية الجامعة وكانت مدارس لتلقي العلوم النقلية الشرعية تدار بالاوقاف وصدقات المحسنين.

و مع الاحتلال الفرنسي الجزائر عام 1830، لم تكن الجيوش النظامية هي من تصدى للاستعمار في العمق، بل كانت الزوايا والطرق الصوفية هي المحرك الأساسي للمقاومة الشعبية المسلحة. وتكفي القراءة في انتماءات قادة المقاومات الشعبية للتحقق من ذلك، فالحاج محمد زعموم وعلي بن سالم كانوا من مرابطي قبائلهم و الأمير عبد القادر من الطريقة القادرية، و لالة فاطمة نسومر والشيخ بوزيان من قادة مقاومة جرجرة والزعاطشة، و الشيخ المقراني والشيخ الحداد من الطريقة الرحمانية. و الشيخ بوعمامة قائد مقاومة الجنوب الغربي (1881)، ينتمي للطريقة الزيانية/الطيبية.

و عقب إخماد ثورة 1871، التي هددت الكيان الفرنسي بسبب توسعها أدركت الإدارة الاستعمارية أن "الزاوية" هي النواة الصلبة للهوية والتماسك الوطني، فشرعت في تطبيق خطة ممنهجة لتفكيكها تمثلت في مصادرة أموال الأوقاف (الحبوس) لتجفيف الموارد المالية للزوايا. ثم هدم الكتاتيب، ونفي الشيوخ وسجنهم، وإغلاق المدارس القرآنية،
كما عملت على استبدال الدور الاجتماعي والتعليمي للزوايا بهيئات مدنية استعمارية كالمكاتب العربية ، والإدارة المدنية، والمدارس الفرنسية، مع محاولة إيجاد وتنصيب قيادات روحية شكلية خاضعة للهيمنة لضرب مصداقية الزاوية الأصيلة.

وبعد الاستقلال واجه التدين الصوفي الشعبي هجمة أيديولوجية شرسة من التيارات الإسلامية السياسية والسلفية
الوافدة من المشرق. فرفعت هذه الجماعات شعار "محاربة البدع والخرافة والشركيات" غطاءً للطعن في مشروعية الزوايا، ولم يكن الهدف مجرد نقاش عقائدي، بل صراعا
محموما على السلطة الدينية والرمزية لتفكيك المرجعية الروحية المحلية المتسامحة، وإحلال إيديولوجيات حزبية وافدة تبحث لنفسها عن موطئ قدم وتاريخ متخيل في منطقة لم تمتلك فيها أي عمق تاريخي.

ولحسن الحظ ان السلطة القائمة أدركت اهمية هذا الارث الروحي وجعلت منه المرجعية الدينية الوطنية، غير أن هذا التبني تنقصه جهود سياسية مدروسة كان يمكن ان تعود للوطن بالفائدة العظيمة ان حسن استغلالها عبر استثمار القوة الناعمة التي تمثلها الزاوية التجانية في إفريقيا حيث تتجلى اليوم كإرث روحي وجيوسياسي هائل للجزائر، فالأضرحة المرجعية للطريقة ومقرها التأسيسي الذي يقبع في عين ماضي، وتماسين، وبوسمغون، والذي يتبعه عشرات الملايين في دول غرب إفريقيا (كالسنغال، مالي، نيجيريا، والنيجر).
يمكن تحويل هذا النفوذ عبر الانتقال من البروتوكولات الشرفية إلى إستراتيجية دولة من خلال بناء الشراكات مع دول القارة الإفريقية عبر البعد الشعبي والوجداني الممتد.
و فتح الزوايا والمعاهد الجزائرية لتأطير وتكوين طلاب العلم والقيادات الروحية من دول الساحل وغرب إفريقيا، لنشر الفكر المعتدل ومواجهة خطر التيارات المتطرفة في المنطقة التي تهدد حدودنا والتي تتخذى من مرجعيات وافدة تم اعدادها في مخابر سياسية معادية.

وكذلك تسهيل و فتح مسارات الزيارات لأتباع الطريقة التيجانية الإفريقيين إلى معالمها في الصحراء الجزائرية، مما ينشط المنطقة اقتصاديا ويعزز موقع الجزائر كحاضنة روحية وثقافية للقارة الإفريقية وهو ما سيقلص لنا تكلفة اموال الخزينة العمومية المدفوعة لشراء النفوذ والولاء والاسقرار في دول المنطقة .



#مصطفى_صامت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حركة تحرير أزواد و-النصرة-: تقاطع المصالح الميدانية وخصومة ا ...
- القلاع الصامدة والرياح السامة: معركة الوجود في جزائر الألفية ...
- من كراسوس إلى ترامب : كيف تصنع الذاكرة التاريخية شجاعة الإير ...
- الأمازيغية المعيارية: بين جهل الخصوم وحتمية التخطيط اللغوي
- شعار -الجزائر جزائرية-... و المغالطات الأيديولوجية
- عروبة الفينيقيين بين التاريخ الأكاديمي وترهات الأيديولوجيا
- ما الذي جعل نشطاء الحركة الأمازيغية يصنعون راية أمازيغية ؟
- عنتر بن شداد الوهراني الذي هزم جيشا من ألف رجل لوحده !
- ماسينيسا أم حنبعل ... من أدخل الرومان الى شمال إفريقيا ؟
- الحراك بين حلم جزائر الغد ومخاوف السقوط في الدولة الاسلامية ...
- الحراك بين حلم جزائر الغد ومخاوف السقوط في الدولة الاسلامية ...
- الحراك بين حلم جزائر الغد ومخاوف السقوط في الدولة الاسلامية ...
- أسماء حمبلي، أوراسية تخترق منطقة اللامفكر فيه بالقول أن الإن ...
- مؤرخوا البلاط أو مؤرخوا زوج دورو كما يسميهم الجزائريون ، محم ...
- القومية العربية والفينيقية في لبنان والدور الفرنسي لإسقاط ال ...
- بلغاريين في الجزائر دون علم المؤرخيين ؟؟
- خرافة عروبة الفينيقيين والدجل التاريخي للعروبيين في الجزائر
- حراك 22 فيفري بالجزائر ... خلفيات وتحديات
- لماذا تتربع ولاية تيزي وزو على قائمة الناجحين في شهادة البكا ...
- أسئلة غير بريئة في فرضية الأصل المشرقي للامازيغ


المزيد.....




- مرتزقة كولومبيون وقود لحرب نظام كييف
- اليمن.. الحوثيون يحذرون دول المنطقة من المشاركة في العقوبات ...
- بعد زيارتها لأوكرانيا.. رئيسة وزراء الدنمارك تنتقد نصائح جرا ...
- نيبينزيا: روسيا لن تقبل تجميد النزاع تحت ستار وقف النار ولن ...
- بن سلمان في باريس.. مدن ملاهي واستثمارات سعودية بالمليارات ف ...
- تفاؤل وترحيب في دمشق برفع سوريا من قائمة -الدول الراعية للإر ...
- عون: ماضون بالتفاوض ونرفض الوصاية
- وزير الخارجية الأمريكي يبحث مع نظيره الألماني النزاع الأوكرا ...
- السلطات الأمريكية تخدع 6 مرحلين إلى ليبيريا رفضوا الخروج من ...
- عمان.. لقاء سوري إسرائيلي لخفض التوتر


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مصطفى صامت - الصوفية الجزائرية من الجذور الأمازيغية إلى الدبلوماسية الروحية.