|
|
ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد زين العابدين نموذجًا (9-9)- جزء (1- 5)
عبدالله الفكي البشير
كاتب وباحث سوداني
(Abdalla Elfakki Elbashir)
الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 01:08
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
البحث العلمي وأمن المعرفة والفكر تقنيات الكتابة: اجتزاء النص وإلحاقه بالاستنتاج المراد إثباته
"والآن نأتي للنقد بالاعتدال والمسؤولية.. وهذا يتطلب العلم والصدق". محمود محمد طه، نوفمبر 1971
كشفت الحلقات السابقة، بما أوردناه من كتابات وأحاديث ومواقف موثقة، أن مصير زعم الدكتور أمين بأن المفكر محمود محمد طه «لم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية والإسلامية» (ص 189)، هو البطلان، ومن ثم التبخر ناحية السماء. ونقف الآن عند محور يتناول "تقنيات الكتابة: اجتزاء النص وإلحاقه بالاستنتاج المراد إثباته". وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك آنفًا، بما يعني حضور هذا الأسلوب والسلوك الكتابي في تناول الدكتور أمين لفكر محمود محمد طه. يقول الدكتور أمين، في تقييمه لما قدمه المفكر محمود محمد طه، مكمّلًا للجملة أعلاه: "واكتفى فقط باستعارة نظام الحكم الجمهوري الديمقراطي الفدرالي باعتباره أصلح أنواع الحكم لتحقيق المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجدل بأن المخرج من التخلف والتيه الذي ترزح فيه المجتمعات الإسلامية هو طريق محمد" (ص 189). وأتبع ذلك بنص من المفكر محمود محمد طه، هو: "وننذرهم عواقب الإبطاء في الأخذ به.. ثم إننا، من وراء المسلمين، وبعد المسلمين، نقدمه للإنسانية جمعاء، فليس لها من طريق غيره إلى كمال التحرير، ولا كمال التمدين" (ص 189). وهنا لا بد من التنبيه إلى أن جملة «ولا كمال التمدين»، وهو الرسم الصحيح، وردت عند الدكتور أمين بصيغة «ولإكمال التمدين»، وهو رسم غير صحيح للنص، بالمقارنة مع ما ورد في المصدر: محمود محمد طه، طريق محمد، 1969، ص 16-17. ما أتى به الدكتور أمين أعلاه اشتمل على اجتزاء للنص وإلحاقه بالاستنتاج الذي يريد إثباته، حين جعل من النص سندًا لزعمه بأن المفكر محمود محمد طه "لم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية والإسلامية"، وإنما «اكتفى» بالقول إن المخرج من التخلف والتيه الذي ترزح فيه المجتمعات الإسلامية هو طريق محمد. وهذا ما يجب تصحيحه وتبيينه بالرجوع إلى مصادر محمود محمد طه، لا بالاستناد إلى استنتاجات الدكتور أمين أو إلى نصوص جرى إخراجها من سياقها وإلحاقها بدلالة لا تنهض بها. فالمسألة هنا ليست مجرد اختلاف في قراءة فكر محمود محمد طه أو في تقييمه، وإنما تتعلق أولًا بطريقة التعامل مع النصوص والمصادر التي يُبنى عليها الحكم. ومما يجعل مهمة التصحيح والتبيين سهلة، أن الدكتور أمين، في تناوله أعلاه، لامس أحد أهم مرتكزات فكر محمود محمد طه، دون أن يبدو مدركًا لامتداداته وأبعاده في مجمل الطرح الفكري. ثم إن رؤية محمود محمد طه تجاه ما أورده الدكتور أمين تكاد ترد في معظم مصادر محمود محمد طه، إن لم تكن فيها كلها. ومن ذلك، على سبيل المثال، لا الحصر، كتاب أسس دستور السودان (1955)، وكتاب: الإسلام (1960)، وكتاب: رسالة الصلاة (1966)، وكتاب: طريق محمد (1966)، وكتاب: الرسالة الثانية من الإسلام (1967)، وكتاب: الثورة الثقافية (1972)، وكتاب: تعلموا كيف تصلون، 1972، وكتاب: الإسلام وإنسانية القرن العشرين، 1973، والكتاب الثاني من سلسلة رسائل ومقالات، 1973، وكتاب: الدين والتنمية الاجتماعية (1974)، وغيرها. إلى جانب بعض المحاضرات، منها، على سبيل المثال، لا الحصر: "المجتمع السليم"، مدينة الجيلي، 3 أكتوبر 1968، وكذلك عدد من المقابلات الإعلامية، وهي منشورة وكذلك الكتب، في موقع الفكرة على الإنترنت https://www.alfikra.org إن ما وقع فيه الدكتور أمين ليس أمرًا معزولًا عن سياق الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه؛ بل هو، في تقديري، علة ظلت ملازمة لكثير منها، الأمر الذي يجعل من البحث العلمي خطراً على أمن المعرفة والفكر، كما سيأتي التفصيل لاحقاً. وأود هنا أن أشير إلى موضوع أمن المعرفة والفكر، من حيث ظهور المصطلح ومفهومه عندي، سيأخذ حيزاً في الكتاب الذي سيصدر لاحقاً بنفس عنوان سلسلة المقالات هذه. فهذه علة غير مقبولة في النقد، لأن العلم بالموضوع والإلمام بمصادره من أهم شروط النقد العلمي. وكما يقول المفكر محمود محمد طه، فإن النقد "بالاعتدال والمسؤولية" يتطلب العلم والصدق. ولهذا، واستيفاءً لاستحقاق النقد العلمي، يكون المطلوب من الباحث أن يدرس موضوعه ويتعمق فيه، مع الإلمام التام بمصادره، قبل الخروج بالاستنتاجات وإطلاق الأحكام التقريرية. أما أن يُنتقى نص من سياقه، ثم يُلحق باستنتاج يراد إثباته، فذلك لا يصنع نقدًا للنص بقدر ما يصنع نصًا يخدم الاستنتاج. وهذا ما سنصوبه ونبينه أدناه.
إنجاب الفرد الحر هو الغاية وبناء المجتمع الصالح وطريق محمد هما الوسيلة الناس لا يتفاضلون إلا بالعقل والأخلاق
نقف هنا لنصوّب ونفرز الخلط الذي قدمه الدكتور أمين بشأن هذه المسألة، خاصة زعمه "بأنه المخرج من التخلف والتيه الذي ترزح فيه المجتمعات الإسلامية هو طريق محمد"، في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة. يقول المفكر محمود محمد طه إن كل شيء في الرسالة الثانية من الإسلام هو وسيلة إلى إنجاب الفرد الحر، حريةً مطلقة: المجتمع، والإسلام، والقرآن، والعبادات من باب أولى. فإذا ما قُهر الفرد، كما يرى طه، وحُمل على العبادة بالإكراه، تكون الوسيلة قد هزمت الغاية منها، وهو وضع معكوس بطبيعته. والسؤال هنا: كيف يكون إنجاب الفرد الحر، حريةً مطلقة؟ يجيب طه في كتابه: الرسالة الثانية من الإسلام بأن إنجاب الفرد الحر يكون بوسيلتين اثنتين: أولاهما وسيلة المجتمع الصالح، وثانيتهما المنهاج التربوي العلمي الذي يواصل به الفرد مجهوده الفردي ليتم له تحرير مواهبه الطبيعية من الخوف الموروث. وهذا المنهاج هو، عند طه، تجسيد لحياة النبي الكريم، كما بيّن في كتابه طريق محمد. والطريق هو النهج العملي الذي يوصل إلى الله، أي الحضور مع الله. وهذه الوسيلة الثانية، طريق محمد، هي وسيلة العقل الجاد في تحرير نفسه بمجهوده الفردي، الذي يبدأ من حيث ينتهي مجهود المجتمع في تحرير كل فرد، ويكون مجهود الفرد، في هذا المستوى، امتدادًا وتتويجًا للمجهود الذي أسهم به، ويسهم دائمًا، في كيان الجماعة. (محمود محمد طه، أسس دستور السودان، 1955). أما المجتمع الصالح، وهو الوسيلة الأولى لإنجاب الفرد الحر، حريةً مطلقة، فهو المجتمع الذي يقوم، كما يقول طه في كتابه: الرسالة الثانية من الإسلام، على ثلاث مساويات: المساواة الاقتصادية، والمساواة السياسية، والمساواة الاجتماعية. فالمساواة الاقتصادية، وتسمى في المجتمع الحديث الاشتراكية، تعني أن يكون الناس شركاء في خيرات الأرض. والمساواة السياسية، وتسمى في المجتمع الحديث الديمقراطية، تعني أن يكون الناس شركاء في تولي السلطة التي تقوم على تنفيذ مطالب حياتهم اليومية. ثم تأتي المساواة الاجتماعية، وهي، إلى حد ما، نتيجة للمساواتين السابقتين، ومظهرها الجلي محو الطبقات وإسقاط الفوارق التي تقوم على اللون، أو العقيدة، أو العنصر، أو الجنس، من رجل وامرأة. فلا ينبغي أن يكون هناك تمييز بين الأفراد يقوم على أي اعتبار من هذه الاعتبارات. فالناس، عند طه، يتفاضلون بالعقل والأخلاق، وليس بالدين أو اللسان أو اللون أو الإثنية أو الجنس. وتستهدف المساواة الاجتماعية، عند طه، محو الطبقات، ومحو الفوارق بين المدن والأرياف، وذلك بإتاحة الفرص المتساوية للتثقيف والتمدين، حتى يكون التزاوج بين جميع أفراد المجتمع أمرًا عاديًا. وهذا، عند طه، هو المحك الصادق في مبلغ المساواة الاجتماعية. والمجتمع الصالح، بعد أن يقوم على هذه المساويات الثلاث، التي يتكفل القانون بتنظيمها ورعايتها، حيث تهيئ الحكومة للفرد الحرية، والعلم، والفراغ وتوفر له حاجات معدته، وجسده، يقوم أيضًا، كما يقول طه، على رأي عام سمح، لا يضيق بأنماط السلوك المختلفة لدى النماذج البشرية المتباينة، ما دام هذا السلوك لا يعود إلا بالخير والبركة على المجتمع، ولا يحارب مناهج الفكر المتحرر. ومن ثم، فإن وضع هذه التصورات جنبًا إلى جنب يكشف بوضوح أن طريق محمد ليس، في تصور المفكر محمود محمد طه، بديلًا عن معالجة قضايا التخلف، ولا مجرد إجابة روحية منفصلة عن البناء الاجتماعي؛ وإنما هو جزء من منهاج متكامل غايته النهائية إنجاب الفرد الحر حرية مطلقة. والمجتمع الصالح، بدوره، ليس غاية مستقلة، وإنما إحدى الوسائل التي تهيئ البيئة التي يبدأ فيها تحرير الفرد، ثم يواصل الفرد بنفسه هذا التحرير عبر المنهاج التربوي العلمي. ولهذا فإن طه يقول: "المجتمع وسيلة موسلة لحرية الفرد" (1974)، كما سيرد التفصيل لاحقاً. وهنا تحديدًا يظهر موضع الخلط عند الدكتور أمين، والذي ينبغي تصحيحه: اختزال هذا البناء الفكري في القول إن المخرج من التخلف والتيه هو "طريق محمد" فقط، يفصل الوسيلة الثانية عن الوسيلة الأولى، ويفصل كلتيهما عن الغاية التي وضعهما طه في خدمتها: إنجاب الفرد الحر، حريةً مطلقة. ومثل هذا البحث العلمي يمثل خطراً على أمن المعرفة.
البحث العلمي وأمن المعرفة والفكر اجتزاء النصوص ونسف المشترك الإنساني: الفرد والمجتمع والحرية
طه: "المجتمع وسيلة موسلة لحرية الفرد" (1974) ديوي: "الحرية الفعّالة وظيفةٌ للشروط الاجتماعية القائمة". (1935). فوكو: "الفرد هو بلا ريب الذرّة الوهمية لتمثّل أيديولوجي للمجتمع؛ لكنه، في الوقت نفسه، واقعٌ تُنتجه تلك التقنية السلطوية". (1975). باكونين: "المجتمع يخلق الحرية الفردية، والمجتمع (الجذر والشجرة) والحرية (الثمرة)". (1871). سن: "إن الحرية الفردية في جوهرها منتج اجتماعي" (1999).
"المجتمع أكبر وسيلة من وسائل فرصة الانسان ليعيش في حرية".. "تنظيم الجماعة وسيلة إلى الحرية". محمود محمد طه، 1974
تُعدّ العلاقة بين الفرد والمجتمع والحرية من القضايا المركزية في الفكر الإنساني الحديث والمعاصر؛ إذ لم تُفهم حرية الفرد، في كثير من التصورات الفكرية، بوصفها انفصالًا عن المجتمع، وإنما بوصفها إمكانًا يتشكل داخل شروط اجتماعية وثقافية وسياسية تساعد على تحقيقها. ومن هذه الزاوية، تبرز أهمية قراءة تصور محمود محمد طه للمجتمع باعتباره وسيلة إلى إنجاب الفرد الحر، ومقارنته، في حدود المشترك المفهومي، ببعض التصورات التي قدمها مفكرون آخرون حول الصلة بين الحرية الفردية والبنية الاجتماعية. فقد عبّر محمود محمد طه عن هذه الفكرة بوضوح حين قال: «المجتمع أكبر وسيلة من وسائل فرصة الإنسان ليعيش في حرية»، كما قال: «الفرد اخترع المجتمع.. وهو إنما اخترعه ليتوسل به إلى منازل فرديته وذاتيته»، وخلص إلى أن «تنظيم الجماعة وسيلة إلى الحرية» (1974). وهذه العبارات تكشف أن المجتمع، في تصوره، ليس غاية تُبتلع في داخلها فردية الإنسان، وإنما هو وسيلة لتهيئة الشروط التي تمكن الفرد من بلوغ حريته.، الحرية المطلقة. ويؤكد طه هذا المعنى في موضع آخر بقوله إن تحقيق حرية الفرد يقتضي تحقيق حرية الجماعة، لأن الفرد لا يستطيع أن يمارس حريته في مجتمع غير حر. ومن ثم فإن المجتمع الصالح، عنده، هو الذي يحقق التوازن بين حقوق الجماعة وحقوق الفرد، فلا تتحول الجماعة إلى أداة لقمع الفرد، ولا تتحول حرية الفرد إلى ذريعة لهدم الجماعة. وكلما ارتقى التنظيم الاجتماعي، أصبحت القيود الضرورية لحماية المجتمع أكثر اتساعًا ورفقًا بحرية الفرد، بما يجعل التنظيم الاجتماعي نفسه وسيلة إلى إنجاب الإنسان القادر على حسن التصرف في حريته. وهنا تظهر خصوصية تصور طه: الجماعة وسيلة، والفرد غاية، لكن الوصول إلى حرية الفرد لا يتم بإلغاء المجتمع، وإنما بإصلاحه وتطويره بحيث يصبح حاضنة للحرية. ولهذا يربط طه الحرية بالمسؤولية الأخلاقية؛ فـ "حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة" هو، عند طه، قمة الأخلاق، وهي أيضاً قمة المدنية، ولا تُنال الحرية إلا بثمنها، ومن ثمنها حسن التصرف في حرية القول، وحرية العمل (الرسالة الثانية من الإسلام، 1967). وهذا التصور لا يقف، من حيث المبدأ العام، منعزلًا عن بعض التيارات الكبرى في الفكر الإنساني التي ربطت الحرية الفردية بالشروط الاجتماعية التي تتيح ممارستها. فقد ذهب الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي جون ديوي (1859- 1952)، في حديثه عن الحرية، إلى أن الحرية الفعّالة تتصل بالشروط الاجتماعية القائمة التي تمكن الإنسان من الفعل وتحقيق إمكاناته. وعند المفكر الثوري الروسي ميخائيل باكونين (1814- 1876) نجد تأكيدًا قويًا على أن الحرية الفردية لا تنشأ خارج المجتمع، بل تتكون داخله؛ فالمجتمع، في تصوره، هو الشرط الذي يجعل حرية الفرد ممكنة. أما المفكر الفرنسي ميشال فوكو (1926- 1984) فقد أعاد التفكير في الفرد ذاته بوصفه نتاجًا لشبكات السلطة والتقنيات الاجتماعية التي تشكل الذوات، في حين يؤكد الفيلسوف الهندي أمارتيا سن أن الحرية الفردية، في جوهرها، ذات طبيعة اجتماعية، وأن إمكان ممارسة الحرية يتوقف على توافر القدرات والشروط التي تتيح للإنسان أن يختار ويفعل. وهذا ما فصلنا بشأنه في كتابنا: أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية: التنمية حرية- محمود محمد طه وأمارتيا كومار سن (مقاربة)، 2022. ولا يعني استحضار هذه التصورات أن طه يتطابق مع ديوي أو باكونين أو فوكو أو سن، ولا أن بينهم وحدة في المرجعيات أو الغايات أو المنهج؛ فالفروق الفكرية بينهم واسعة وجوهرية. وإنما المقصود هو الإشارة إلى مشترك إنساني ومفهومي يتمثل في رفض النظر إلى الحرية الفردية باعتبارها ظاهرة تنشأ في فراغ اجتماعي، وفي إدراك أن المجتمع، بما يتضمنه من مؤسسات وقيم وعلاقات وشروط، يؤدي دورًا أساسيًا في إمكان تحقق حرية الإنسان. ومن ثم فإن عزل تصور محمود محمد طه للفرد عن تصوره للمجتمع والحرية يؤدي إلى إفقار المعنى الذي أراد بناءه. ومن هنا تبرز المشكلة المنهجية في بعض القراءات التي تتناول فكر محمود محمد طه من خلال نصوص منتزعة من سياقاتها الفكرية. فحين يُستشهد بقول طه إن المخرج من التخلف والتيه الذي ترزح فيه المجتمعات الإسلامية هو «طريق محمد»، ثم يُقدَّم هذا القول بمعزل عن تصوره الأشمل لبناء المجتمع، وللحرية الفردية، ولتطور الإنسان، وللعلاقة بين الشريعة والمجتمع والفرد، فإن القارئ لا يتلقى الفكرة التي أرادها صاحبها في سياقها، وإنما يتلقى جزءًا منها قد يقود إلى دلالة مختلفة. وبهذا فإن معالجة الدكتور أمين حامد زين العابدين لفكر محمود محمد طه، في كتابه الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، تثير سؤالًا منهجيًا يتجاوز حدود الاختلاف في تفسير فكرة بعينها: إلى أي مدى حافظت الدراسة على وحدة النص الفكري لطه، وعلى الترابط بين مفاهيمه، بدل التعامل معها من خلال شواهد منفصلة؟ فغياب تصور طه للمجتمع باعتباره وسيلة إلى الحرية، عند مناقشة موقفه من الحداثة أو من طرحه الفكري، لا يمثل مجرد إغفال لتفصيل ثانوي؛ لأنه يحجب أحد المفاتيح التي تساعد على فهم نظرته إلى الإنسان والمجتمع والدين. إن قيمة البحث العلمي لا تكمن في العثور على نص يؤيد نتيجة مسبقة، وإنما في وضع النص داخل بنيته الفكرية والتاريخية، وقراءة أجزائه في ضوء بعضها بعضًا. ولذلك فإن اجتزاء النصوص لا يضر بالنص وحده، بل يضر ببنية المعرفة التي يُفترض أن تنتجها الدراسة. فحين يُنتزع قول من سياقه، ثم يُبنى عليه حكم واسع بشأن صاحب القول، يصبح القارئ أمام صورة مجزأة للفكر، لا أمام الفكر نفسه. وهنا تكتسب عبارة "أمن المعرفة والفكر" دلالتها المنهجية. والمقصود بها، في هذا السياق، ليس تحصين معرفة معينة من النقد أو الاختلاف، وإنما حماية العملية المعرفية من التشويه الناتج عن الانتقاء، والاجتزاء، وإهمال السياق، وإسناد النتائج إلى نصوص لا تنهض بها وحدها. فكما أن أمن المعرفة والفكر يقتضي حرية البحث والنقد، فإنه يقتضي أيضًا الأمانة في عرض موضوع البحث، وإتاحة النصوص المتعارضة مع النتيجة، وعدم اختزال طرحه فكري واسع في شواهد منتقاة. وقد خلصتُ، في دراستي لموقف الأكاديميا السودانية من المفكر محمود محمد طه، ضمن كتابي: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ (2013)، إلى أن جانبًا من الكتابات الأكاديمية السودانية عن طه أسهم، من خلال الانتقائية والاختزال والتغييب والتجاهل، في إنتاج معرفة مبتورة عن طرحه الفكري. وذهبتُ هناك إلى الربط بين بتر المعرفة في عقول الطلاب وبين ما اعتبرته لاحقًا "بترًا للأراضي" في إشارة إلى انفصال جنوب السودان عام 2011. غير أن هذا الربط، لكي يكون جزءًا من حجة أكاديمية متماسكة، ينبغي فهمه بوصفه أطروحة تحتاج إلى البرهنة التاريخية والاجتماعية المستقلة، لا بوصفه نتيجة تلقائية يمكن استخلاصها مباشرة من نقد الكتابات الأكاديمية عن محمود محمد طه. فالعلاقة بين أداء المثقفين، وبنية المعرفة الأكاديمية، والتحولات السياسية والاجتماعية التي انتهت إلى انفصال جنوب السودان، علاقة مركبة تتطلب أدلة متعددة المستويات. وعليه، فإن نقد كتاب أمين حامد زين العابدين لا ينبغي أن ينتهي إلى مجرد القول بأنه أخطأ في تفسير محمود محمد طه، وإنما إلى مساءلة المنهج الذي أنتج ذلك التفسير. فإذا كان النص يُنتزع من سياقه، وإذا كان مفهوم يُفصل عن المفاهيم التي تمنحه دلالته، فإن النتيجة قد تكون صورة مختلفة عن صاحب الفكر الذي يفترض البحث العلمي أن يدرسه. إن فكر محمود محمد طه، في قضية الفرد والمجتمع والحرية تحديدًا، يقدم مثالًا واضحًا على ضرورة قراءة الطرح الفكري في كليته؛ فالفرد عنده لا يتحرر بإلغاء الجماعة، والجماعة لا تُصان بإهدار الفرد، وإنما يكون المجتمع وسيلة إلى إنجاب الإنسان الحر. ومن ثم فإن تغييب هذا البعد من فكره، عند تناول موقفه من المجتمع أو الحداثة أو الإسلام، لا يحذف فكرة جزئية فحسب، بل يحذف حلقة أساسية من البناء الفكري الذي تتأسس عليه رؤيته للإنسان. وهكذا تصبح قضية اجتزاء النصوص قضية تتصل مباشرة بأخلاقيات البحث العلمي: فالمشكلة ليست في أن يختلف الباحث مع محمود محمد طه، ولا في أن يقدم قراءة نقدية لطرحه، وإنما في أن يُنسب إلى النص ما لا يقوله في سياقه، أو أن يُحجب عن القارئ ما يكمل دلالته. فحرية البحث لا تنفصل عن أمانة البحث، ونقد الأفكار لا يستقيم من دون تمثيل عادل لها. ومن هذه الزاوية تحديدًا، فإن البحث في فكر محمود محمد طه يحتاج إلى تحرير النص من الانتقائية، والمعنى من الاجتزاء، والمعرفة من التشويه.
من هو الفرد الحر حرية مطلقة؟
الفرد الحر حرية مطلقة، عند محمود محمد طه هو الذي "يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول". غير أنه لا يمكن أن يبلغ الفـرد الحرية الفردية المطلقة، كما يرى طه، وهو منقسم على نفسه، وبعضه حرب على بعض. بل لا بد له من إعادة الوحدة إلى بنيته، حتى يكون في سلام مع نفسه، قبل أن يحاول أن يكون في سلام مع الآخرين، فإن فاقد الشيء لا يعطيه. وتحقيق السلام هو غاية التوحيد، فغاية التوحيد أن تعيش في سلام مع الله ومع نفسك ومع الآخرين. والتوحيد، عند طه، صفة الموحِد (بكسر الحاء)، وليس صفة الموحَد (بفتح الحاء).. فإن الموحَد غني عن توحيد الموحدين، بعد أن وحد نفسه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ (سورة آل عمران: 18). ويقول طه: فإذا استيقنا هذه الحقيقة فقد وجب علينا السير في تحقيق التوحيد في بنيتنا، وذلك بإتقان العبادة حتى تفضي بنا إلى العبودية.. والعبادة المفضية إلى العبودية ليست قياما في المحاريب فقط، وإنما هي، إلى ذلك، حسن معاملة للناس في الطرقات، والأسواق، وفي كل منزلة تنزلها، أو مقام تقومه. (محمود محمد طه، القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى، 1971). ولمَّا كان الفكر حركة بين طرفين، هما: الذاكرة، والخيال .. ويتحرك بينهما متحرك هدفه التوحيد بين النقيضين ففي ذلك اكتماله، واستواؤه، فإن أقوى ما يبلغه الفكر حين يستوي على خط الاستواء بين هذين النقيضين: الذاكرة (الماضي) والخيال (المستقبل).. وعندما جعلت وظيفة القرآن ترويض هذا الفكر، وتهذيبه، جعل خير ما فيه الكلمة "لا إله إلا الله" .. ولقد جاءت لا إله إلا الله، بين النفي "لا" والإثبات "إلا" فلكأنها تقرر أن الحق، أقوى ما يكون الحق، لا هو إلى طرف النفي، ولا هو إلى طرف الإثبات، وإنما هو "بين بين" ونقطة البين بين هي نقطة الاستقامة. وتمثل نقطة الاستقامة، إعادة الوحدة إلى البنية التي تعني أن الإنسان يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول.. وهذا هو، كما يقول طه، مطلوب الإسلام، وذلك حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾ (سورة الصف). للمزيد أنظر المصادر التي أشرنا إليها آنفاً.
إضاءة على طريق محمد: روح الإسلام محمد الإنسان
إذا كان بناء المجتمع الصالح، عند محمود محمد طه، يمثل الوسيلة الأولى لتهيئة الشروط التي تمكن الإنسان من بلوغ حريته، الحرية الفردية المطلقة، فإن "طريق محمد" يمثل، في الفكرة الجمهورية، منهاجًا تربويًا وسلوكيًا للارتقاء بالفرد نحو الحرية الفردية المطلقة. ومن هنا فإن تناول عبارة طه عن أن المخرج من التخلف والتيه الذي ترزح فيه المجتمعات الإسلامية هو "طريق محمد" بمعزل عن تصوره للمجتمع والحرية والفرد، يؤدي إلى فصل النتيجة عن مقدماتها، وإلى حجب البناء الفكري الذي تنتظم فيه هذه الدعوة. وقد فصَّل محمود محمد طه هذه الرؤية في العديد من كتبه، كما ورد آنفاً. ففي كتابه الإسلام (1960)، يقول: "لقد آن الأوان لتفصيل الرسالة الثانية، وذلك بالنظر في تكميل تشريع الرسالة الأولى، بتطويره ليحقق قسطا أكبر من الهدف الديني، والعمدة في التطوير أمران: حاجة المجتمع المعاصر، وروح الإسلام". ربط طه الرسالة الثانية بحاجتين متلازمتين: حاجة المجتمع المعاصر، وروح الإسلام. وحاجة المجتمع المعاصر، عنده، هي تحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة، بينما تتمثل روح الإسلام، التي عاشها المعصوم، في الحرية الفردية المطلقة. ويأتي مفهوم الأخلاق بمعني "حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة" وهذه هي سنة النبي. فسنته، كما يقول طه، "هي مقدرته، في متقلبه ومثواه، وفي منشطه ومكرهه، على حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة، وتلك هي قمة الأخلاق، وهي أيضا قمة المدنية". ويرى طه أن العدالة الاجتماعية الشاملة لا تتحقق إلا بقيامها على ثلاث مساويات: المساواة الاقتصادية، والمساواة السياسية، والمساواة الاجتماعية، كما ورد التفصيل آنفاً. وهنا تتضح الصلة العضوية بين هذا المحور والمحور السابق المتعلق بالفرد والمجتمع والحرية؛ فطه لا يضع الحرية الفردية في مواجهة العدالة الاجتماعية، وإنما يجعل إحداهما شرطًا للأخرى. فالإسلام، في تصوره، استطاع أن يفض التعارض بين حاجة الفرد وحاجة الجماعة، وأن ينسق الحاجتين في بناء واحد: تكون فيه حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة امتدادًا لحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة. ولذلك يقول إن الإسلام استطاع أن يجعل "تنظيم الجماعة وسيلة إلى الحرية". كما أن الإسلام، عند طه، قد وصل بفضل التوحيد، إلى هذا التحقيق الدقيق، بين الفرد والجماعة، شرع كل تشريعاته بصورة تحقق في سياق واحد، حاجة الفرد وحاجة الجماعة. وبهذه فإن طرح طه لا يقوم على التضحية بالفرد في سبيل الجماعة، ولا على التضحية بالجماعة في سبيل الفرد. فالتضحية بالأول تهزم الغاية بالوسيلة، والتضحية بالثانية تفرط في أهم وسائل تحقيق الفردية. ولذلك يرى طه أن التشريع الإسلامي، في صورته التي يقترح تطويرها، ينبغي أن يحقق في سياق واحد حاجتين متلازمتين: حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة. وعلى هذا الأساس تأتي الدعوة إلى "طريق محمد" باعتبارها دعوة إلى الانتقال من مستوى الشريعة إلى مستوى السنة، حيث تطوير التشريع بما يتناسب مع اليوم، حيث عصر الفردية والفكر والعلم. فالسنة، كما يرى، قامت على أصول القرآن، بينما قامت الشريعة على فروعه؛ وأصول القرآن عنده في مستوى المسؤولية، وفروعه في مستوى الوصاية، كما ورد التفصيل آنفاً. ولذلك يرى أن عصر "الفردية" يستدعي إعادة النظر في الغاية من التشريع، بحيث تصبح شريعة العبادة وشريعة المعاملة وسيلتين لتحقيق "الفرديات" لدى الأفراد. ومن هنا تبرز، في فكر طه، الحاجة إلى الدعوة إلى إحياء السنة وإلى "طريق محمد" باعتباره الطريق الأقرب، في تصوره، إلى الله وإلى تحقيق الحرية الفردية المطلقة. وهذه العبارة لا يمكن فهمها، منهجيًا، من خلال معناها اللغوي المجرد أو من خلال إسقاط مفهوم شائع أو سائد عن "السنة" عليها؛ إذ إن طه يقدم تعريفًا خاصًا للسنة، ويفرق بينها وبين الشريعة تفريقًا جوهريًا. ففي الرسالة الثانية من الإسلام يقرر طه، قائلاً: "إن مما ألف الناس أن سنة النبي هي قوله، وإقراره، وعمله.. والحق أن هذا خطأ..."، ولهذا يحتاج إلى تمييز؛ إذ يرى أن قول النبي وإقراره، في أصل وظيفتهما التشريعية والتعليمية، داخلان في مستوى الشريعة، بينما تكون سنته في عمله الخاص الذي يعبر عن مستوى نبوته وحاله في المعرفة بالله. ويضيف أن بعض أقوال النبي يمكن أن تلحق بالسنة إذا كانت تعبر عن حال قلبه من المعرفة بالله، أما الأقوال التي قصد بها تعليم الأمة في أمور الدين فهي، شريعة. وبذلك يصبح الفرق بين السنة والشريعة، كما يقول طه، "هو الفرق بين الرسالة، والنبوة، أو هو الفرق بين مستوى الأمة، من أعلاها إلى أدناها، ومستوى النبي.. وذلك فرق شاسع وبعيد" مرتبطًا بالفرق بين النبوة والرسالة، وبين مستوى النبي ومستوى الأمة. فالسنة "هي عمل النبي في خاصة نفسه"، بينما الشريعة هي تنزله إلى مستوى الأمة، ليخاطبها بما تطيق ويكلفها بما تستطيع. "فالسنة هي نبوته، والشريعة هي رسالته، وإنما في مضمار رسالته هذه قال المعصوم: (نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم)، ليؤكد الفارق بين مستوى الحقيقة التي يعيشها النبي ومستوى الخطاب الذي يوجهه إلى الجماعة.
السنة هي الفكر
إن مفهوم "طريق محمد" لا يكتمل عند طه بمجرد التمييز بين السنة والشريعة، وإنما يرتبط بمفهوم أعمق هو الفكر. فالسنة، في تصوره، ليست مجرد مجموعة من الأفعال التاريخية التي يعاد تكرارها، وإنما "هي سنّة الله.. والسنّة هي النهج، وهي السمت، وهي الهيئة، وهي الصفة التي يكون عليها الأمر.. وسنة الله الحكمة.. والحكمة هي وضع الأمور في نصابها".. ويستشهد طه بقوله تعالى في حق لقمان الحكيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (سورة لقمان: 12) ويقول طه: "فالحكمة هي الشكر لله.. والشكر لله هو استعمال النعمة فيما خلقت له.. فالحكمة هي نهاية العلم ونهاية الرحمة.. هذه هي سنة الله.. وسنة النبي إنما هي مبلغ تخلقه بسنة الله". ولذلك يرى طه أن حياة النبي لم تكن قائمة على العادة والتكرار الآلي، وإنما على العلم والفكر والعمل بمقتضى العلم. ويقول المعصوم: (تخلقوا بأخلاق الله.. إن ربى على سراط مستقيم).. وفي هذا السياق ترد عبارته ذات الدلالة المركزية: "كانت سنة النبي العلم، والعمل بمقتضى العلم"، وأنه "كان لا يأتي أمرًا ولا يدع أمرًا إلا نتيجة للفكر"، ولذلك كان ينمي الفكر ويحارب العادة. ومن هنا يصل طه إلى خلاصة شديدة الأهمية لفهم طرحه: "يمكن القول بأن السنة هي الفكر". وهذه النقطة تحديدًا تكشف أن "طريق محمد" عند طه لا يعني مجرد استعادة صورة تاريخية جاهزة، وإنما يعني الاقتداء بمنهج في التفكير والعمل، يجعل الإنسان قادرًا على تجاوز سلطان العادة، وتقديم الفاضل على المفضول، وربط الفعل بالعلم والوعي والفكر.
تحرير الفكر
يذهب طه أبعد من ذلك حين يجعل تحرير الفكر غرضًا أصيلًا من أغراض الدين. فالعبادة والتكليف، في تصوره، لا ينتهيان عند مجرد الامتثال، وإنما يستهدفان تحرير الفكر وترويضه وتحييده حتى يصبح الإنسان أكثر قدرة على التخلص من سلطان الرغبة والعادة. ولهذا يستشهد بقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزّل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾، ليربط بين إرسال الرسول، وإنزال الذكر، وتشريع الشرائع، وبين الغاية النهائية المتمثلة في أن يتفكر الناس. وعلى هذا الأساس تصبح الدعوة إلى "طريق محمد" دعوة إلى إحياء السنة بمعناها الذي يحدده طه: الفكر، والعلم، والعمل بمقتضى العلم، والتحرر من سلطان العادة، والارتقاء بالإنسان نحو الحرية. ويؤكد، قائلاً: "إن السنّة هي (الفكر)، وأنها إنما تتجه إلى إيقاظ الفكر وتحريره وترويضه وتحييده". ولذلك يقرر، قائلاً: "لقد آن أوان السنّة، في عصر (الفكر) و (العلم)"..
قراءة "طريق محمد" والحاجة للحذر المنهجي
إن قراءة "طريق محمد" في فكر محمود محمد طه تحتاج إلى قدر كبير من الحذر المنهجي؛ إذ لا يكفي اقتطاع عبارة واحدة من طرحه ثم بناء الحكم عليها بمعزل عن المفاهيم التي تفسرها. فعبارة "طريق محمد" مرتبطة عنده بسلسلة متكاملة تبدأ بالمجتمع الصالح، وتمر بالعدالة الاجتماعية، ثم بالحرية الفردية، وتصل إلى تطوير التشريع، والتمييز بين الشريعة والسنة، ثم إلى تحرير الفكر من سلطان العادة. وهنا تكمن أهمية إعادة النظر في معالجة الدكتور أمين حامد زين العابدين لفكر محمود محمد طه في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025). فإذا جرى استحضار "طريق محمد" بوصفه إجابة جاهزة على أزمة المجتمعات الإسلامية، من دون عرض البناء الفكري الذي يفسر لماذا وصل طه إلى هذه النتيجة، فإن القارئ يتلقى النتيجة دون مقدماتها، والشعار دون فلسفته، والمصطلح دون جهازه المفهومي. وهذا هو جوهر الإشكال في اجتزاء النصوص: ليس الخطر فقط في حذف جملة من سياقها، وإنما في تفكيك العلاقات التي تمنح الجملة معناها. فالنصوص الكبرى لا تعيش منفردة؛ بعضها يفسر بعضًا، والمفهوم يستمد دلالته من موقعه داخل البناء الفكري العام. وحين يُعزل "طريق محمد" عن "المجتمع الصالح"، وعن "الحرية الفردية المطلقة"، وعن "العدالة الاجتماعية الشاملة"، وعن «الفكر» و«العلم» و«السنة»، فإن صورة طرح طه تتغير بالضرورة. ومن ثم فإن أمن المعرفة والفكر، في هذا المستوى، يعني قبل كل شيء أمن السياق: أن يُعرض الفكر كما بناه صاحبه، ثم يحق للباحث بعد ذلك أن يختلف معه، وأن ينقده، وأن يرفض مقدماته أو نتائجه. أما أن يُختزل الطرح أولًا ثم يُنقد في صورته المختزلة، فذلك لا يمثل نقدًا للفكر في كليته، وإنما نقدٌ لصورة جزئية أعاد الباحث تشكيلها من خلال عملية الانتقاء. ولذلك فإن السؤال المنهجي الذي تطرحه دراسة فكر محمود محمد طه لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا قال طه؟ وإنما أيضًا: في أي سياق قاله؟ وما المفاهيم التي تفسره؟ وما النصوص الأخرى التي تكمل دلالته؟ فهذه الأسئلة هي التي تحول دون أن يصبح البحث العلمي أداة لإعادة إنتاج صورة مبتورة عن موضوعه، ومن ثم يمثل خطراً على أمن المعرفة والفكر. إن «طريق محمد»، وفق البناء الداخلي للفكرة الجمهورية، ليس فصلًا منفصلًا عن قضية الفرد والمجتمع والحرية، وإنما هو امتداد لها: المجتمع الصالح يهيئ شروط الحرية، وطريق محمد يربي الفرد على ممارستها، والفكر يحرره من سلطان العادة، والسنة تمثل عند طه مستوى العمل بمقتضى العلم. وبهذا الترابط تتضح وحدة الطرح؛ كما تتضح، في المقابل، خطورة قراءة أي حلقة منه بمعزل عن الحلقات الأخرى. إن الدفاع عن هذا الترابط ليس دفاعًا عن محمود محمد طه ضد النقد، وإنما دفاع عن حق الفكر في أن يُنقد كما هو، لا كما تعيد القراءة المجتزأة تشكيله. فالنقد العلمي الحقيقي يبدأ من الأمانة للنص، ويصبح أكثر قوة كلما كان أكثر قدرة على مواجهة الفكرة في اكتمالها، لا في أجزائها المنتقاة. نلتقي مع الجزء (2- 5) من الحلقة التاسعة (9- 9).
#عبدالله_الفكي_البشير (هاشتاغ)
Abdalla_Elfakki_Elbashir#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا
...
-
ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا
...
-
ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا
...
-
ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا
...
-
ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا
...
-
ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا
...
-
ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا
...
-
ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا
...
-
ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا
...
-
ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا
...
-
نحن والتراث... تصاهل الأفكار على أرض الثورة الجزائرية- قراءة
...
-
كتاب جديد- نظرية صوفية للتطور: الإصلاح الحداثي لمحمود محمد ط
...
-
نحو مسار جديد للعلاقات المصرية- السودانية: قراءة في رؤية الم
...
-
تقديم لكتاب: الفكرة الجمهورية من خلال الردود على معارضيها، ل
...
-
تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي: الفهم الجديد للإسلام/
...
-
السودان: الإرث الثوري لدولة ما بعد الاستقلال: إضاءة على ثورة
...
-
السودان: الإرث الثوري لدولة ما بعد الاستقلال: إضاءة على ثورة
...
-
السودان: الإرث الثوري لدولة ما بعد الاستقلال: إضاءة على ثورة
...
-
تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي: تأثير المفكر محمود محم
...
-
السودان: الإرث الثوري لدولة ما بعد الاستقلال- إضاءة على ثورة
...
المزيد.....
-
بعد جدل متجدد.. الإفتاء المصرية ترد على -الطعن- في احتفالات
...
-
الجزائر.. توقيف مشتبه به في قضية الإساءة إلى الإسلام والنبي
...
-
مذيعة مصرية تثير الجدل بتعليقات عن الأذان والمسيحيين.. ووقف
...
-
نتنياهو يحذر من وصول -الإخوان المسلمين- لحكم إسرائيل
-
من الرهاب إلى الإعجاب.. كيف أصبح الإسلام -رمز الانضباط- عند
...
-
8 دول عربية وإسلامية تدين مخطط E1 الاستيطاني وتحذر من تقويض
...
-
كيف أعاد -الإخوان المسلمون- في مصر تشكيل استراتيجيتهم الإعلا
...
-
مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى
-
الفاتيكان يعتزم إنشاء محطة طاقة شمسية بـ100 مليون يورو
-
سولتانوفسكي: موسكو مستعدة لمشاورات منفصلة في الفاتيكان ولا ت
...
المزيد.....
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
المزيد.....
|