أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - حين تتكلم اللغة بلسان الطبيعة: من يذكّر الشمس ويؤنّث القمر














المزيد.....

حين تتكلم اللغة بلسان الطبيعة: من يذكّر الشمس ويؤنّث القمر


عبد علي سفيح
باحث اكاديمي


الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 00:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حين تتكلم اللغة بلسان الطبيعة: من يذكّر الشمس ويؤنّث القمر؟

اعداد: عبد علي سفيح

قرأتُ عن المفكر والطبيب والمحامي الإكوادوري Eugenio Espejo، المتوفى سنة 1795، فاستوقفني حديثه عن العلاقة بين الثقافة والطبيعة، وكيف يمكن للإنسان أن يبني جزءًا من منظومته الفكرية واللغوية من خلال علاقته بالبيئة التي يعيش فيها.

ومن هنا جاءني سؤال بسيط، لكنه قادني إلى سؤال أكبر: لماذا جعل العرب الشمس مؤنثة والقمر مذكرًا؟

قد يبدو السؤال في البداية سؤالًا نحويًا بسيطًا، لكنني وجدته يفتح نافذة على علاقة الإنسان بالطبيعة والثقافة واللغة. وأنا لست متخصصًا في علم اللغة، لكنني أعتقد أن الباحث لا ينبغي أن يحبس نفسه داخل حدود اختصاص واحد؛ فالسؤال الواحد قد يحتاج إلى أكثر من علم لكي نقترب من جوابه.

في البداية فكرت في البيئة. الشمس في البيئة العربية شديدة الحضور؛ تمنح الضوء والحياة، لكنها أيضًا تحرق وتفرض على الإنسان أن ينظم حركته وفق حضورها. أما القمر، فكان رفيق الليل والسفر والهدوء، وكان ضوؤه يساعد الإنسان على الحركة في بيئة قاسية الحرارة.

لكن عندما وسعتُ دائرة البحث، اكتشفت أن البيئة وحدها لا تكفي لتفسير المسألة.

ففي الفرنسية نقول:
le soleil ـ الشمس مذكر
la lune ـ القمر مؤنث.

وفي الإسبانية:
el sol ـ الشمس مذكر
la luna ـ القمر مؤنث.

وفي الإيطالية الصورة نفسها تقريبًا.
لكن الألمانية تقلب الصورة تمامًا:

die Sonne ـ الشمس مؤنث
der Mond ـ القمر مذكر.

فهل تعيش الشمس الألمانية والقمر الألماني في طبيعة مختلفة عن الشمس والقمر الفرنسيين؟

بالتأكيد لا. إذن نحن أمام شيء أكثر تعقيدًا من البيئة. اللغات الرومانسية ورثت كثيرًا من هذا التوزيع من اللاتينية؛ فكلمة الشمس في اللاتينية sol كانت مذكرة، وكلمة القمر luna كانت مؤنثة، وانتقل هذا التصنيف إلى لغات مثل الفرنسية والإسبانية والإيطالية.

أما الألمانية، ومعها تقاليد جرمانية أقدم، فاحتفظت بصورة معاكسة: الشمس مؤنثة والقمر مذكر. وتظهر هذه الثنائية أيضًا في بعض التصورات والأساطير الجرمانية القديمة.

وهنا بدأت أرى المسألة من زاوية مختلفة:

البيئة لا تدخل اللغة مباشرة؛ وإنما تمر أولًا عبر الثقافة والخيال والأسطورة. فالإنسان لا يرى الطبيعة كما هي فقط، وإنما يفسرها ويمنحها صفات ومعاني، ثم تتحول هذه المعاني عبر الزمن إلى رموز، وقد تستقر بعض هذه الرموز في اللغة.

وهذا يقودنا إلى العربية لماذا كانت الشمس عند العرب مؤنثة والقمر مذكرًا؟

يمكن أن يكون للتصنيف النحوي تاريخه الخاص وأسبابه اللغوية، ولذلك لا يصح أن نزعم أن البيئة وحدها هي التي صنعت هذا التذكير والتأنيث. لكن يمكننا، من زاوية ثقافية وتأملية، أن نسأل:

هل ساهمت علاقة الإنسان العربي بالشمس والقمر في الطريقة التي تخيلهما بها؟

الشمس قوة حاضرة، شديدة، مانحة للحياة ومصدرة للحرارة في الوقت نفسه. والقمر رفيق الليل، والسفر، والهدوء، والهداية.

ثم إن صورة المرأة كانت حاضرة بقوة في الخيال العربي، حتى أصبحت المرأة والمكان والذاكرة مدخلًا أساسيًا في القصيدة العربية.

يقول طرفة بن العبد:
لخولةَ أطلالٌ ببرقةِ ثهمدِ
تلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليدِ

ويقول النابغة الذبياني:
يا دارَ مَيّةَ بالعلياءِ فالسندِ
أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ

وكأن الشاعر العربي كثيرًا ما كان يدخل إلى العالم من بوابة المرأة والمكان والذاكرة.

لكنني لا أريد أن أحول هذا التأمل إلى حقيقة لغوية قاطعة.

فالأكثر إثارة بالنسبة لي هو السؤال نفسه:

هل اللغة تصف الطبيعة، أم أنها تصف الإنسان وهو ينظر إلى الطبيعة؟

ربما تكون الإجابة هي الثانية.
فاللغة لا تخبرنا فقط عن الأشياء، وإنما تخبرنا أيضًا عن الطريقة التي رأى بها الإنسان الأشياء.

ولهذا فإن اختلاف الشمس والقمر بين اللغات ليس مجرد اختلاف في قواعد النحو.

إنه يذكرنا بأن الإنسان نفسه شريك في صناعة المعنى.

فالشمس واحدة، والقمر واحد، والطبيعة واحدة؛ لكن صورتهما في مخيلة الشعوب ليست واحدة.

وهنا أعود إلى الفكرة التي أثارتها في البداية:

البيئة تؤثر في الإنسان، لكن الإنسان لا يستقبل البيئة استقبالًا سلبيًا؛ بل يعيد تفسيرها من خلال ثقافته وأساطيره وتجربته التاريخية، ثم يحول هذا التفسير إلى لغة ورموز وقيم.

ومن هنا ربما يمكن أن نفهم اللغة باعتبارها ذاكرة ثقافية للطريقة التي عاش بها الإنسان مع الطبيعة.

ولعل أجمل ما في البحث ليس أن نصل سريعًا إلى جواب نهائي، وإنما أن نكتشف أن وراء كلمة صغيرة مثل «الشمس» أو «القمر» تاريخًا طويلًا من علاقة الإنسان بالسماء والأرض والمرأة والرجل والليل والنهار.

فاللغة لا تقول لنا فقط: ماذا نرى؟
بل قد تقول لنا أيضًا : كيف تعلمنا أن نرى.



#عبد_علي_سفيح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا تحولت الحداثة العربية من مشروع لتحديث الدولة والمجتمع ...
- ايران والعرب في القرن العشرين مرآتان لسؤال واحد
- كربلاء المنشور الحضاري
- كربلاء: حين تكشف الحضارة الرافدينية عن نفسها
- عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مؤسسة لإعادة انتاج المجتم ...
- في الجغرافيا التاريخية يقال إن الأساطير والأديان مرآة لمزاج ...
- من دموع الآلهة الى الصفر والواحد: رحلة العقل البشري بين سحر ...
- الوحش العاقل-: لماذا فشل الانسان في تعريف نفسه عبر التاريخ؟
- الشرق الأوسط...حين يصبح الاختيار مرادفا للكلفة
- من - السدارة- الى -البيرية-...حين يكتب غطاء الرأس تاريخ العر ...
- النسر...حين تتحول المعاناة الى قوة
- عش كالذئب....لا كالقطيع بلا ملامح
- الثعلب والقنفذ
- دولة البلوط وسلطة النخيل
- حين تتحول- الازدواجية- الى عذر جاهز
- العقد الإجتماعي للمرجعية الدينية في النجف الأشرف
- من شارل ديغول إلى رجب طيب أردوغان: سر لم يفهمه الاسلاميون ال ...
- العراق تجربة العالم للقرن الحادي والعشرين
- العراق تجربة العالم للقرآن الحادي والعشرين
- من القبيلة إلى الامبراطورية: نابليون بوتابرت نموذجا بين عبقر ...


المزيد.....




- بعد جدل متجدد.. الإفتاء المصرية ترد على -الطعن- في احتفالات ...
- الجزائر.. توقيف مشتبه به في قضية الإساءة إلى الإسلام والنبي ...
- مذيعة مصرية تثير الجدل بتعليقات عن الأذان والمسيحيين.. ووقف ...
- نتنياهو يحذر من وصول -الإخوان المسلمين- لحكم إسرائيل
- من الرهاب إلى الإعجاب.. كيف أصبح الإسلام -رمز الانضباط- عند ...
- 8 دول عربية وإسلامية تدين مخطط E1 الاستيطاني وتحذر من تقويض ...
- كيف أعاد -الإخوان المسلمون- في مصر تشكيل استراتيجيتهم الإعلا ...
- مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى
- الفاتيكان يعتزم إنشاء محطة طاقة شمسية بـ100 مليون يورو
- سولتانوفسكي: موسكو مستعدة لمشاورات منفصلة في الفاتيكان ولا ت ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - حين تتكلم اللغة بلسان الطبيعة: من يذكّر الشمس ويؤنّث القمر