قمرات السيد
الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 16:40
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
ارتبط بالمولد النبوي الشريف عادة سيئة كانت تعرف بالدوسة ولقد عبرت الكاتبة الإنجليزية(لوسي دف جوردون) عن دهشتها الشديدة من الدوسة حين شاهدت مظاهر احتفال المصريين المسلمين بالمولد النبوي والدوسة عام1866م حيث كتبت قائلة:- "لقد شاهدت مولد النبي والدوسة العجيبة، إنها منظر عجب: رجال كثير عددهم، يبدو عليهم أنهم سكارى بحميا الدين".
ويقال أن أصل الدوسة يرجع إلى القرن العاشر، عندما أراد أحد الشيوخ دخول مدينة القاهرة بعد عودته من أداء فريضة الحج، فاحتجزه الجند بحجة أنه لم يقدم الدليل المادي والأسانيد القوية على قوة إيمانه بل لم يظهر من الصفات ما يؤهله للمركز الديني الذي كان يشغله؛ لذا فقد فرضوا عليه أن يقدم من الكرامات ما يثبت أنه شيخا جليلا له مكانته الفعلية، فطلب منهم أن يحضروا له عدد من الزجاجات الفارغة ثم يضعونها على الأرض بشكل منتظم فمر عليها الشيخ ممتطيا جواده دون أن تنكسر منها واحدة، وشاهد هذه المعجزة أعداد ضخمة من الرجال والنساء، ويقال أن النساء من شدة انبهارهن مما رأينه أخذن في دفع أبنائهن أمام الشيخ الذى مر فوق أجسامهم بجواده دون أن يصيبهم أي أذى، وترددت هذه المعجزة كثيراً حتى أعتقد فيها المصريون وصاروا يكررونها كل عام، بحيث أصبحت جزءا لا يتجزأ من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وذلك على الرغم من صعوبة وغرابة هذه القصة، ولم يقتصر احتفال المصريين بالدوسة على المولد النبوي فحسب بل أخذوا يمارسونها أثناء احتفالهم بالموالد الخاصة ببعض الأولياء مثل مولد الإمام الشافعي ومولد الإمام الحنفي ومولد الإمام الدشطوطي.
ومثلما تنصب الخيام من أجل الاحتفال بالمولد النبوي فإنها تنصب كذلك للدوسة حيث تجد في كل خيمة أحد كبار المشايخ وحوله أتباعه من الدراويش وبين هذه الخيام توجد خيمة خاصة بالخديو، وأخرى خاصة برجال البلاط.
وقدم بتلر(Butler )- واحد من رجال البلاط في عهد الخديو إسماعيل- وصفا دقيقا لتلك العادة من خلال مشاهدته لها حيث ذكر أن تلك الاحتفالات كانت تقام كل ليلة وتستمر لمدة أسبوع حيث يأتي المصريون المسلمون من كل مكان لرؤية أصدقائهم ولكي يحضروا حلقات الذكر، وكان رجال الشرطة يعملون على حفظ النظام ومنع المزاحمات والمضايقات المفترض حدوثها من الجماهير الغفيرة المصطفة لمشاهدة هذه المعجزة الجليلة -طبقاً لوجهة نظرهم- ففي اليوم الأخير من الأسبوع المحدد لهذا الاحتفال تقام الدوسة حيث يوضع على طول الطريق عدد هائل من الحصر عرض كل منها عشرة أقدام وعلى تلك الحصر يستلقي عدد من الدراويش ووجوههم منبطحة إلى الأرض لكي يمر شيخ الطريقة السعدية فوقهم ممتطيا جواده، وتبدأ مراسم الدوسة حينما يصل الخديو في حوالي الساعة الثانية عشر صباحاً إلى مكان الاحتفال ويستقر في خيمته.
وينبغي الإشارة إلى أن شيخ الطريقة السعدية كان يقضي الليلة التي تسبق ليلة الاحتفال، في تأدية الصلوات والإعداد للمعجزة التي ستحدث في اليوم التالي، ويظل على تلك الحالة حتى ينتهي من صلاة الظهر فياليوم المحدد للاحتفال، ثم يمتطي صهوة جواده ويتجه به إلى مكان الاحتفال حيث يجد ما لا يقل عن خمسة آلاف شخص ينتظرون قدوم الموكب الكبير وبعد إعطاء إشارة معينة يبدأ الحاضرون في ترديد بعض الكلمات الغير مفهومة والتي تكون بمثابة إعلان قدوم موكب الدراويش الكبير تتقدمه أعلام بعضها خضراء وبعضها الأخر حمراء مكتوباً عليها آيات من القرأن الكريم، ويظهر هؤلاء الدرويش في هيئات مختلفة فمنهم من يرتدي ملابس خاصة به ومنه من هو عاري الجسم حتى منتصفه تقريبا ومنهم من حلق رأسه وترك بها خصلة من الشعر ومنهم من يصل شعره حتى أكتافه.
وبمجرد وصول ذلك الموكب تبدأ حلقات الذكر حتى تنهك قوى الدراويش ويخرج من أفواههم الزبد مثل المجانين، فلا يستطيعون الوقوف على أقدامهم دون مساعدة، وإلى جانب حلقات الذكر هذه كان من الدراويش من يمزق" الثعابين" بأسنانه ويأكلُها بشراهة، ومنهم من يضرب شدقه بدبوس ذي ظرف غليظ بعنف وقسوة، ومنهم من يضع حد السيف على بطنه ثم ينام فوقه حتى يعلو عليه شيخهم، ثم يبل بريقه موضع السيف أو موضع الدبوس ليشفى، وجميعها لا شك حركات جنونية تأتي نتيجة ما يتعاطونه من حشيش، وتجعل منظر هؤلاء الدراويش مفزعا ومثيرا لدرجة تدعو رجال البلاط الجالسين في خيمتهم إلى متابعة ذلك المنظر باهتمام بالغ .
ويأخذ كل من هؤلاء الدراويش مكانه وعندما تعطى الإشارة يسقطون مباشرة على الأرض، ووجوههم منبطحة على الحصر، وحينئذ يأتي أحد المشايخ لكي يتأكد من التصاق الأجسام ببعضها البعض وعدم وجود فراغات بينها كأنهم يكونون جسدا واحدا وكانوا يرددون بين آن وآخر كلمة الله.. الله كأنهم يستعينون بها على تحمل الآلام، وكان أصدقاؤهم يضعون أحذيتهم تحت وجوه الراقدين على الأرض، ويقربون أقدامهم بجانب بعضها البعض ليجعلوا من تلك الأجسام شيئا واحداً متماسكاً يدوس فوقه الحصان الذي يجب أن تكون خطواته بعيدة عن الرأس والقدم، وتأخذ الحركة في السكون، ويضعون رؤوسهم فوق أياديهم المتشابكة، وبعد ذلك يأتي الحصان حاملا شيخ الدراويش أو بالأحرى شيخ الطائفة السعدية، الذي كان يلبس عمامة خضراء كبيرة وعلى جانبيه اثنان يمسك كل منهما بلجام الفرس واثنان آخران يسندان الشيخ، الذي تكون عيناه مغلقتان، ويتمايل يمينا وشمالا وكأنه في نشوة روحية، وأمام الحصان مباشرة يجري رجل أخر فوق الأجسام الراقدة وأمامه اثنان آخران يتحركان بسرعة ويصرخان معلنين قدوم الشيخ حتى تستعد أجسام الراقدين لمروره فوقها، ويقول بتلر أن بعض الناس قد أخبروه بأن الحصان لا يضع أرجله فوق الأجسام مباشرة وإنما يمر فقط بينها، ولكنه يؤكد أنه رأى بنفسه أن تلك الأجسام كانت متلاصقة جدا حتى أن الحصان لابد وأن يدوس فوقها، ورأى كذلك استسلام الأجسام المخيف" فتتخلع العظام وتطقطق الأعضاء ويتهشم من يتهشم فما يصاب بأذى إلا من قل إيمانه أو ثقلت كفة آثامه، طبقاً لاعتقادهم الذي ورثوه عن الجاهلين".
ويستمر الحصان في سحق الأجسام ويظل الدراويش صامتين لحظة بعد مروره ويتحمل الجميع الصدمة الأولى في صمت، ويعتبرون ذلك دليلا على قوة إيمانهم وبعد ذلك يحاول الجميع النهوض فيصدر منهم أنين مخيف، وبعضهم يصرخ بشدة ويسقط بعد ذلك مغشياً عليه وبالجملة فإن جميعهم يكونون في حالة من الألم الشديد تنتهي بوفاة البعض منهم، ومما يزيد من ألمهم أن حوافر الحصان الذي يقوم بعملية الدوسة بها طبقة سمكية من الحديد، وعقب الدوسة مباشرة يأتي أتباع الطائفة السعدية ويأخذون الضحايا بعيدا عن مكان الاحتفال، بل بعيدا عن القاهرة نفسها، فيدفنون الموتى سرا ولا يعلم أحد عددهم حتى لا تشوب المعجزة شائبة، مما يدفع الناس للاعتقاد بأن هؤلاء الدراويش لم يمس أحد منهم بسوء وبعد أن يمر شيخ الطائفة السعدية فوق الأجسام يعود من طريق أخر إلى خيمة الخديو حيث ينزل من فوق حصانه ويتفوه بكلام غير مفهوم فلا يحسن أياً من رجال البلاط استقباله،عندئذ يعود مرة ثانية للميدان فيجتمع حوله جمهور كبير من الناس المتلهفين للتبرك بلمسه وتقبيل يده ويد كل من يستطيع لمسه.
وأثارت هذه العادة استنكار الأجانب فقد رفضها بتلر وطالب الخديو مرارا وتكرار التصدي لها خاصة بعد أن ذكر له ما رآه بعينه من خسائر في أرواح المصريين وقيام أتباع الطائفة السعدية بإخفاء أثار تلك الجريمة وبالرغم من ذلك فإن الخديو كان لا يملك السلطة -على حد قوله- لإبطال تلك العادة القديمة التي أصبحت راسخة في العقول، فكان يخشى إذا أبطلها إثارة الشعور الديني ضده، وقد عبر عن استنكاره لها بقوله:- "إنها عمل مخيف وأنا أخجل منها شخصيا"، كما كان يعتقد خطأ أن الجروح الناتجة عنها هي جروح سطحية فقط ولكن "بتلر" أخبره بما رآه بنفسه من ألم هؤلاء البؤساء وعذابهم، وأخبره أيضا بما رآه في حوافر الحصان من حديد، فنتيجة لذلك أرسل الخديو مجموعة من الأطباء للوقوف على حقيقة الأمر من خلال الكشف على أجسام الراقدين، لكنهم -للأسف الشديد- لم يتوصلوا لشئ لتمكن أتباع الطائفة السعدية من إخفاء الأجسام كالعادة.
وعلى الرغم من أن الدوسة تقليد غير آدمي لا يتنافى فقط مع مبادئ الإسلام السمحة بل وأيضا مع العقلية المستنيرة والحضارية التي كان عليها الخديو إسماعيل- والتي كان يتطلع من خلالها إلى وضع مصر في مصاف الدول المتقدمة والحضارية- ورفضه التام لتلك العادة القديمة التي تعد من قبيل الخزعبلات إلا إنه في بداية عهده كان مترددا في محاربتها خوفاً من إثارة الشعور الديني للمصريين من ناحية، وحتى لا يظن الناس أنه أبطلها استجابة للضغط الأوروبي الواقع عليه من ناحية أخرى، ويتضح ذلك مما قاله لبتلر:"إنني إذا أبطلت الدوسة فأن الناس سوف يقولون أني فعلت ذلك تحت الضغط الأوروبي وليس بدافع من رغبتي"، ولكن بعد أن علم الخديو بالمخاطر الشديدة والخسائر البشرية التي تنجم عنها حاول جاهدا القضاء عليها خاصة بعد أن أتته الفرصة عند وفاة الشيخ البكري الذي أمتطى جواده وسار به فوق أجسام الناس لعدة سنوات بالإضافة إلى مرض الجواد نفسه واقترابه من حافة الموت بعد وفاة الشيخ، فاستشار الخديو رجال الدين في ذلك لكنهم كانوا متحفظين في إجاباتهم لخوفهم الشديد من الناس رغم اعترافهم أن الدوسة ضد الدين الإسلامي، فعمل الخديو على نقل مكان المولد من بولاق إلى العباسية حتى يكون في ذلك قضاء على الاعتقاد القديم وبالرغم من ذلك لم يتمكن من القضاء على الدوسة التي ظلت تقام حتى أواخر عهده وكانت الصحف تنشر أخبارها.
#قمرات_السيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟