أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 12:00
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
حين أقول إنني أريد أن أوثق الشخصيات، أو المهن، أو الأماكن، يسألني بعض الأصدقاء: وهل ستكتب عن الجميع؟
والإجابة دائمًا: لا.
ليس لأن الوقت لا يكفي، وإنما لأن التوثيق ليس جمعًا عشوائيًا للحكايات، بل اختيار واعٍ لما يستحق أن يبقى في الذاكرة.
لقد تعلمت من العمل في الصحافة أن كل إنسان يحمل قصة، لكنني تعلمت من التوثيق أن ليست كل قصة تصلح لأن تصبح كتابًا.
فالكتاب ليس مجرد سرد للأحداث، وإنما محاولة للإجابة عن سؤال واحد: لماذا ينبغي أن يعرف الناس هذه القصة بعد خمسين عامًا؟
إذا لم أجد جوابًا مقنعًا لهذا السؤال، فإنني أؤجل المشروع، مهما كانت القصة مؤثرة.
أصبحت أبحث عن الشخص الذي غيّر شيئًا في مجتمعه، أو المهنة التي تكشف جانبًا من تاريخ الناس، أو المكان الذي يروي تحولات وطن، أو المؤسسة التي صنعت أثرًا ثم غابت عن الذاكرة.
لم تعد الشهرة تثير اهتمامي بقدر ما يثيره الأثر.
ولهذا، فإنني لا أبحث عن الأكثر حضورًا في وسائل الإعلام، بل عن الأكثر حضورًا في حياة الناس، حتى وإن كان مجهولًا خارج دائرته.
كما أنني لا أبدأ أي مشروع قبل أن أتأكد من وجود قيمة مضافة. فإذا كانت الشخصية قد كُتب عنها عشرات الكتب، فإنني أسأل نفسي: ماذا سأضيف؟ أما إذا وجدت فراغًا في المكتبة، فإنني أشعر أن هناك مسؤولية تنتظر من ينهض بها.
وهناك معيار آخر لا يقل أهمية: إمكانية الوصول إلى الحقيقة.
فلا يكفي أن تكون الشخصية مؤثرة، بل يجب أن تكون هناك فرصة لجمع الوثائق، وإجراء المقابلات، ومراجعة المصادر، حتى لا يتحول الكتاب إلى رواية تعتمد على الظنون.
ولقد أصبحت، مع مرور الوقت، أؤمن بأن الموثق لا ينبغي أن يلهث وراء الموضوعات الرائجة، وإنما وراء الموضوعات الباقية.
فما يملأ صفحات الأخبار اليوم، قد ينساه الناس بعد أشهر. أما الكتاب الجيد، فيجب أن يكون صالحًا للقراءة بعد عقود، لأنه لا يلاحق اللحظة، بل يحفظها.
وربما لهذا السبب، أصبحت أميل إلى الشخصيات التي لم تنل حقها، وإلى المهن التي اندثرت، وإلى المدن التي تغيرت، وإلى المؤسسات التي صنعت أثرًا ولم تجد من يوثقها.
إن هدفي ليس أن أكتب أكبر عدد من الكتب، بل أن أكتب الكتب التي كان ينبغي أن تُكتب منذ زمن.
وأحسب أن هذا هو الفارق بين من يكتب ليملأ رفوف المكتبات، ومن يكتب ليسد فراغًا في الذاكرة.
فالتوثيق، في نهاية الأمر، ليس فن اختيار الموضوعات المثيرة، بل فن اختيار الموضوعات الضرورية.
وربما كان السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل مشروع توثيقي هو: إذا لم أكتب هذه القصة اليوم، فهل سيكتبها أحد غدًا؟ فإذا كانت الإجابة: ربما لا... فهنا تبدأ مسؤولية الكاتب، وهنا تبدأ الرحلة.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟