أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عماد حسب الرسول الطيب - أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي















المزيد.....

أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 09:33
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


2. التكوين الاجتماعي لوعي محتج

جُندب بن جنادة، المعروف بأبي ذر الغفاري، جاء من قبيلة غفار التي كانت تقع خارج مراكز القوة التجارية والسياسية التي تركزت بصورة أوضح في مكة. وهذا لا يعني أن غفار كانت قبيلة فقيرة بالمعنى الحديث، ولا أن أبا ذر نشأ في قاع اجتماعي يمكن تعريفه بمقاييس الفقر النقدي المعاصر؛ فاقتصاد الجزيرة العربية قبل الإسلام كان أكثر تعقيداً، وكانت المكانة والثروة تتداخل فيهما الحيازة الرعوية، والسيطرة على الموارد، والتحالفات القبلية، والحماية، والغزو، والتجارة. لذلك فإن الفارق بين غفار وقريش لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية فقير/غني، بل يُفهم بوصفه اختلافاً في الموقع داخل بنية اجتماعية واقتصادية كانت تتفاوت فيها مراكز القوة ومصادر الثروة والنفوذ. لقد كانت قريش أكثر اندماجاً في شبكة التجارة المكية والإقليمية، بينما كانت غفار تتحرك في فضاء قبلي مختلف.

تورد الروايات أخباراً عن ممارسة بعض أفراد غفار للغزو وقطع الطريق قبل الإسلام، لكن هذه الأخبار لا ينبغي أن تُستخدم ببساطة دليلاً على فقر القبيلة أو انحطاطها الاجتماعي. فالغزو في البيئة القبلية لم يكن بالضرورة نشاطاً استثنائياً تفرضه المجاعة، بل كان جزءاً من آليات الحصول على الموارد وتوسيع القدرة والنفوذ في مجتمع لم تكن فيه دولة مركزية تحتكر العنف. ومن ثم فإن موقع غفار كان هامشياً بالنسبة إلى مركز القوة القرشي، لكنه لم يكن موقعاً سلبياً خالياً من أدوات القوة داخل النظام القبلي نفسه.

الموقع الاجتماعي وحده لا يصنع وعياً احتجاجياً. الشرط المادي يهيئ إمكانات معينة، لكن الوعي يتشكل في تفاعل الموقع الاجتماعي مع التجربة المعيشة، واللغة الفكرية المتاحة، والعلاقات التي يدخل فيها الفرد، واللحظة التاريخية التي تفتح أمامه إمكانات لم تكن مفتوحة من قبل. وحين وصل الخطاب الإسلامي المبكر إلى أبي ذر، لم يلقَ في وعيه استقبالاً عابراً، بل التقى باستعداد اجتماعي ونفسي جعله قادراً على تلقّي بعض مضامينه المساواتية بأقصى درجات الجذرية.

كان أبو ذر من أوائل من أسلموا، وتعرض للأذى بسبب إعلانه إسلامه في مكة، وتكشف الروايات المبكرة عن شخصية لم تكن مستعدة لتأجيل قناعتها أو مواءمتها مع ميزان القوة القائم. وهذا التبكير في الإيمان، مقترناً بموقع اجتماعي لم يكن موقعاً داخل النخبة التجارية القرشية، يمكن أن يساعد في تفسير الحساسية النقدية التي ستظهر بقوة في مواقفه اللاحقة. لكن لا يجوز تحويل هذا العامل إلى تفسير كامل؛ فقد أسلم أشخاص آخرون من مواقع اجتماعية مختلفة، ولم يتخذوا المسار نفسه. الموقع الاجتماعي يؤثر في طريقة استقبال الرسالة، والتجربة الشخصية تمنحها معنى، واللحظة التاريخية توفر مجالاً للفعل، والشخصية نفسها تحسم في النهاية كيفية الاستجابة. بهذا المعنى لا يكون أبو ذر مجرد "نتاج طبقته"، كما لا يكون بطلاً معلقاً خارج التاريخ.

وتظهر أهمية هذا التفاعل أكثر إذا نظرنا إلى الطريقة التي تلقى بها أبو ذر خطاب الإسلام المبكر. فالرسالة الجديدة حملت نقداً واضحاً لموازين النسب والثروة والامتياز التي كانت قائمة في المجتمع العربي. وعندما وجد هذا الخطاب طريقه إلى شخص يأتي من خارج مركز القوة القرشية، كان من الممكن أن يتحول من مجرد عقيدة إلى معيار يحاكم به الواقع الاجتماعي نفسه. الأدق أن الموقع الاجتماعي يؤثر في الأسئلة التي يطرحها الإنسان على النص، وفي الجوانب التي يراها فيه أكثر إلحاحاً، وفي الحدود التي يكون مستعداً للذهاب إليها في تطبيق ما يؤمن به. ولذلك يمكن للرسالة نفسها أن تصبح عند شخص أفقاً للتحرر، وعند آخر إطاراً للتوفيق بين الإيمان واستقرار التراتب الاجتماعي.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم خصوصية أبي ذر دون تحويله إلى "ماركسي قبل ماركس". فمفاهيم مثل الطبقة والصراع الطبقي وفائض القيمة نشأت في سياقات تاريخية محددة، وبلغت صياغتها النظرية المكتملة مع تحليل المجتمع الرأسمالي الحديث. أما المجتمع الذي عاش فيه أبو ذر فكان مجتمعاً قبلياً ودينياً تشكلت داخله علاقات جديدة للملكية والتوزيع مع اتساع الدولة والفتوحات. لذلك فإن استعارة مفاهيم التحليل المادي إلى هذا السياق يجب أن تظل واعية بحدودها: يمكن للمفهوم أن يكشف علاقة أو تناقضاً، لكنه لا يجوز أن يُستخدم لافتراض أن الفاعلين التاريخيين كانوا يفكرون بالمفردات النظرية نفسها.

ولم يكن هذا النوع من إعادة قراءة أبي ذر حكراً على التحليل الماركسي أو وليد اللحظة الراهنة. فقد جعل علي شريعتي أبا ذر أحد الرموز المركزية في مشروعه لإعادة قراءة الإسلام بوصفه قوة اجتماعية ثورية، وقدم صورته ضمن مفهوم "الاشتراكي الإلهي"، رابطاً بين الإيمان والعدالة الاجتماعية ومقاومة التفاوت والسلطة. وهذه القراءة كانت ذات قوة سياسية وتعبوية كبيرة، لكنها لم تكن مجرد نقل محايد للماضي؛ كانت أيضاً إعادة إنتاج للماضي من موقع صراع معاصر. ولذلك فإن أبا ذر عند شريعتي هو في الوقت نفسه شخصية تاريخية ورمز أيديولوجي حديث. وهذا لا يسقط قيمة القراءة، لكنه يلزمنا بأن نميز دائماً بين أبي ذر كما تسمح لنا المصادر بإعادة بنائه، وأبي ذر كما أعادت الحركات والمفكرون إنتاجه وفق حاجاتهم وأسئلتهم التاريخية اللاحقة.

ومن هنا يظهر السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه: هل كان أبو ذر "اشتراكياً" قبل ماركس، أم أن هذا الوصف إسقاط لاحق على شخصية لم تكن تملك مفاهيم الاشتراكية الحديثة ولا نظرية في نمط الإنتاج؟ الإجابة الدقيقة هي أن وصفه بالاشتراكي بالمعنى التاريخي الصارم غير صحيح، لكن هذا لا يعني أن تجربته خالية من أي مضمون يمكن أن يهم التحليل الاشتراكي. يمكننا أن نقرأ موقفه من الثروة والكنز والتفاوت بوصفه موقفاً تاريخياً له دلالة في نقد الامتياز والتراكم، ثم نقارنه بحذر مع أسئلة ستصبح لاحقاً مركزية في الفكر الاشتراكي. أما تحويل المقارنة إلى تطابق، فهو إلغاء للتاريخ لا قراءة له.

المادية التاريخية لا تحتاج إلى اختراع ماركسية قديمة كي تجد في الماضي تناقضات مادية واجتماعية؛ قوتها تكمن تحديداً في قدرتها على تفسير هذه التناقضات داخل شروطها التاريخية الخاصة. وعندما كتب ماركس أن وجود الناس الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم، لم يكن يضع قانوناً ميكانيكياً يقول إن كل فرد يتصرف بالضرورة وفق موقعه الاقتصادي. القيمة المنهجية للمقولة هي أنها تمنعنا من التعامل مع الوعي بوصفه ظاهرة معلقة في الفراغ. وفي حالة أبي ذر، يمكن القول إن موقعه الاجتماعي المختلف هيأ أرضية معينة، وإن الإسلام المبكر وفر له لغة أخلاقية ودينية للتعبير، وإن التجربة التاريخية التي عاشها لاحقاً جعلت هذا الوعي يواجه بصورة مباشرة مشكلة الثروة والسلطة. لكن هذه العوامل لا تستنفد تفسيره.

يبقى هناك ذلك العنصر الذي لا يمكن اختزاله بسهولة: قدرته الشخصية على تحويل القناعة إلى موقف، والموقف إلى مواجهة، والاستمرار في المواجهة رغم كلفتها. وهذا هو الحد الذي يجب أن يتوقف عنده التفسير الطبقي حين يقترب من الحتمية. لذلك فإن شخصية أبي ذر لا تُفهم لا بوصفها سيرة زاهد منفصلة عن التاريخ الاجتماعي، ولا بوصفها سيرة "ثوري ماركسي" أُسقطت عليه مفاهيم حديثة بأثر رجعي. الأصح أن نراه في نقطة التقاء بين موقع اجتماعي خارج مركز الامتياز القرشي، ورسالة دينية حملت إمكانات مساواتية قوية، وتجربة تاريخية دفعته إلى اختبار تلك المبادئ في مواجهة واقع الثروة والسلطة.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبو ذر الغفاري في الأدب الثوري العربي: النضال المباشر ضد الإ ...
- 20. ملحق المفاهيم الأساسية والمراجع
- 19. البرنامج الانتقالي (5).. القوة الاجتماعية والتنظيم وآليا ...
- 18. البرنامج الانتقالي (4).. السلطة الشعبية والدولة الجديدة
- 17. البرنامج الانتقالي (3).. السيادة المالية وفك الارتباط وإ ...
- 16. البرنامج الانتقالي (2).. الاقتصاد الوطني والتحرر من اقتص ...
- 15. البرنامج الانتقالي (1).. وقف الحرب وإعادة بناء المجتمع م ...
- التسوية التي أعادت إنتاج اختلال القوة
- 14. الأزمة الإنسانية.. الاقتصاد السياسي للجوع في الحرب السود ...
- 13. الدولة السودانية.. كيف أعادت كل مرحلة إنتاج التحالف الطب ...
- 12. الإمبريالية والتبعية.. الحلقة المفقودة في رؤية حمدوك
- 11. الحوكمة.. إصلاح الدولة أم إعادة إنتاج الرأسمالية؟
- 10. العدالة الانتقالية.. محاكمات أم تفكيك بنية الحرب؟
- ملف المفقودين وصراع السرديات
- 9. الجيش.. جهاز الدولة الطبقي أم مؤسسة وطنية؟
- 8. الفيدرالية.. لامركزية السلطة أم لامركزية الفقر؟
- 7. الفصل بين الدين والدولة.. بين الحياد القانوني واستمرار ال ...
- 6. المواطنة المتساوية.. بين المساواة القانونية واللامساواة ا ...
- 5. الديمقراطية الليبرالية.. سلطة الصندوق أم سلطة رأس المال؟
- 4. البرجوازية الصغيرة.. حارس التوافق لا فاعل الثورة


المزيد.....




- بائع سيارات بلجيكي يصبح أميرًا في الـ 26 من العمر.. ما قصته؟ ...
- ترامب يدافع عن دارلين غراهام بعد تصريحها المثير للجدل.. ماذا ...
- أغنية وطيار عراقي وسنوات من التخطيط.. كيف استولى الموساد على ...
- بسبب حرب إيران.. برلين تدعو لضريبة على أرباح شركات النفط
- إنفانتينو في ورطة.. تحرك أفريقي يربك انتخابات الفيفا؟
- علاج بالخلايا الجذعية يعكس فشل القلب لدى 90% من المرضى في تج ...
- لافروف: روسيا على علم بخطط التأثير على الانتخابات في الخارج ...
- محطة زابوروجيه: أبلغنا الوكالة الدولية للطاقة الذرية بهجوم ج ...
- ميروشنيك: عدد المرتزقة الأجانب في القوات الأوكرانية يصل إلى ...
- وزير الدفاع الإسرائيلي يرد على تصريحات مبعوث ترامب عن الجولا ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عماد حسب الرسول الطيب - أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي